زوايامختارات

تركيا كالعادة تهرب من أزمة الخبز بعادة عثمانية

 

في الوقت الذي يبحث فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أحلامه بغاز شرق المتوسط، كان شعبه يفتش عن رغيف خبز من جراء الانهيار الذي طال الليرة التركية أمام الدولار، والذي أكدته تقارير يومية تصدر بشأن اقتصاد البلاد الذي يتأثر بانهيار عملته يومًا تلو الآخر.

وخسرت الليرة التركية نحو 30% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، وسجلت الدولار الواحد في الساعات الأولى من صباح الاثنين الماضي 8.3840 ليرة، وبات من الصعب الاعتماد على سعر مستقر للعملة التركية نظرًا إلى تقلباتها المفرطة والسريعة أمام نظيرتها الأمريكية.

أردوغان

ويأتي انخفاض الليرة نتيجة تبعات جائحة فيروس كورونا عالميا، مصحوبًا بتدني القوة الشرائية لدى الأتراك، وتوقعات بفرض عقوبات دولية على أنقرة بسبب سياستها غير المشروعة في التنقيب عن الغاز بالبحر المتوسط،  فضلاً عن دخول أردوغان في صراعاتٍ على أكثر من جبهة، مثل الملف الأذري-الأرميني، وخلافاته طويلة الأمد مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وتسبب انخفاض قيمة سعر صرف الليرة أمام الدولار، في زيادة نسب التضخم، ما دفع أصحاب المخابز بالمطالبة برفع سعر رغيف الخبز بقيمة نصف ليرة دفعة واحدة، بعد ارتفاع أسعار الدقيق وقيمة فواتير المياه، بحسب ما ذكر موقع “تركيا اليوم”.

ونتيجة ارتفاع أسعار الخبز، أطلق رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، الحليف لأردوغان، حملة “الخبز المعلق”، والتي نالت سخرية شديدة من قبل المعارضة التركية، ضد مفهوم الحملة التي تقضي بتعليق “أهل الخير” أكياس الخبز في الميادين للتبرع بالأرغفة لغير القادر في ظل الأزمة الاقتصادية الأخيرة.

أتراك يشترون الخبز

و”الخبز المعلق” عادة عثمانية قديمة قادها رواد المخابز من المقتدرين الذين يسددون ثمن رغيفين من الخبز رغم أخذهم رغيفًا واحدًا، ويبلغون البائع أن رغيف الخبز الآخر لغير القادر، فيعلق البائع الرغيف الثاني داخل كيس بلاستيكي ليتناوله الفقير.

وقوبلت الحملة باستهجان الحركات السياسية المعارضة في تركيا، في مقدمتها علي باباجان، رئيس حزب الديمقراطية والتنمية، الذي علّق على حملة “بهجلي” بقوله: “القومية ليست تعليق أكياس الخبز لتقديمها للمحتاجين”، وقالت ميرال أكشينار، رئيسة حزب الخير التركي: “الحكومة التركية توزع الملايين على أنصارها وأقاربها، لكن حينما يتعلق الأمر بالمواطن تُطلق حملة الخبز المعلق”، مضيفة لجريدة “زمان” التركية: “إنهم يوهمون الشعب باكتشافات الغاز وتحقيق نمو اقتصادي، في حين يبحث المواطن حاليًّا عن رغيف خبز يأكله”.

إلى التاريخ هربًا من الحاضر

“أردوغان يلجأ إلى الماضي لمعالجة قضايا الحاضر”.. هكذا قال سامح الجارحي، الباحث المصري المختص بالشأن التركي، وأضاف لـ”ذات مصر”: “الرئيس التركي عادة ما يلجأ إلى التاريخ خلال حديثه عن الأزمات أو في صداماته مع زعماء الدول الأوروبية، وهو ما حدث في أثناء صدامه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مثل تصريحاته عن الجرائم الفرنسية في الجزائر في أثناء الاستعمار، وعن أن الدولة العثمانية كانت تساند الجزائر في هذا الوقت، وهذا غير صحيح”.

سامح الجارحي

وتحدث “الجارحي” عن “توظيف التاريخ العثماني سياسيًّا” من جانب أردوغان وحلفائه، هربًا من الأزمة الاقتصادية الراهنة، مشيرًا إلى أن الحملات التاريخية ليس لها تأثير على الشعب التركي، لأن جزءًا كبيرًا منه عَلماني والآخر المتدين يبحث عن احتياجاته الأساسية، ولا أرى أن استحضار التاريخ سيحد من انخفاض قيمة الليرة أو الأزمة الاقتصادية، بل هو ينصب في إطار الدعاية الإعلامية الرخيصة”.

وتعاني تركيا من أزمة نقص الطاقة حاليًّا، إذ تستورد أكثر من 90% من مواردها في الطاقة، وبالتالي فإنها تلجأ إلى النفط والغاز للتخفيف عن ضغط الميزانية التركية التي تنفق أكثر من 50 مليار دولار سنويًّا على احتياجاتها من الوقود.

هذه الأزمة دفعت تركيا للزج بنفسها في صراعات إقليمية بهدف “التنفيس” عن أزماتها الاقتصادية، مثل مدّ نفوذها في ليبيا لإعادة تنشيط دور شركاتها في ليبيا، وكذلك محاولة اقتناص أي حصة من غاز شرق المتوسط، في ظل اتفاقات ترسيم الحدود التي أجرتها مصر مع كل من قبرص واليونان في هذا الشأن والتي تخرج تركيا من معادلة الغاز في المنطقة.

الخبز التركي

وعن هذا يقول الكاتب والمفكر السياسي بشير عبد الفتاح لـ ذات مصر”، إن أردوغان دائمًا ما يستحضر أفكارًا “عثمانية” في أثناء حديثه عن أزمة نقص الطاقة أو عمليات التنقيب عن الغاز في المتوسط، وهو ما ظهر حين أكد في تصريحات لجنود أتراك بأن عليهم استعادة ملاحم الأجداد العثمانيين في ليبيا.

“الرئيس التركي اعتاد استعراض قوته العسكرية وتأكيد فكرة الهيمنة العثمانية” بحسب بشير، من أجل مواراة إخفاقاته السياسية والاقتصادية. ويتفق معه الجارحي في هذا الطرح، لافتًا إلى أن هدف أردوغان وحلفائه من استجلاب التاريخ هو الهروب من الأزمة.

 

عبد الله قدري

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى