تركيا و”سوريا المغاربية”

إدريس الكنبوري

كاتب مغربي

بات من الواضح أن الوضع الأمني في شمال إفريقيا بوجه عام وليبيا على وجه الخصوص يتجه إلى مزيد من التوتر والانفلات، بعد 8 سنوات على الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، وانزلاق البلد إلى حرب قبلية داخلية قضت على الأخضر واليابس، في ظل تسابق دولي وإقليمي على تغذية الصراع والبحث عن موطئ قدم في بلد ممزق تخترقه الانقسامات من كل جانب.

وفي الوقت الذي كانت بعض الأطراف الإقليمية والدولية، بينها المغرب والاتحاد الأوروبي، تسعى إلى إيجاد حلول لصراع المحاور ووقف النزيف والحيلولة دون انتقال الغليان إلى البلدان المجاورة والدول الأوروبية، ألقت تركيا حجرا كبيرا في بركة لم تكن تحتمل مزيدا من الأحجار، ليدخل الوضع في ليبيا منعطفا أشد خطورة، يحكم إغلاق باب التفاؤل ويفتح ثغرة على المجهول.

الخطوة التركية المفاجئة لم تكن متوقعة، فقبل شهر نوفمبر من العام الماضي ما كان من الممكن لأي محلل سياسي أو استراتيجي أن يتكهن باحتمال أن تفكر أنقرة في التوجه نحو منطقة شرق المتوسط، التي ظلت لزمن طويل حكرا على الأوروبيين منذ بدايات القرن الماضي. وما زاد في تأكيد هذا الاستبعاد انشغال الحكومة التركية بالملف السوري المشتعل إضافة إلى التسابق على النفوذ في المنطقة مع طهران وموسكو، والبحث عن فرص أكبر لتوسيع مجال”العثمانية” في مواجهة “الفارسية” الإيرانية.

لكن أردوغان الذي اعتاد سياسة المباغتة والانقلاب في المواقف بنسبة مائة وثمانين درجة سرعان ما قلب جميع الحسابات وخلق المفاجأة في الداخل والخارج، فقد أقنع البرلمان التركي بالتصويت على قرار إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا، لدعم حكومة فايز السراج في طرابلس المعترف بها من منظمة الأمم المتحدة، والتي تواجه تحديا من قبل جيش الماريشال خليفة حفتر، الرجل القوي الذي يسيطر على مناطق الشرق الليبي، وهو ما حصل يوم 2 يناير الماضي حين صوت البرلمان بغالبية مريحة لصالح القرار الذي وقف أردوغان وراءه بكل ثقله ونفوذه. وجاء ذلك القرار بعد التوقيع في 27 نوفمبر من العام الماضي على اتفاق بين أنقرة وطرابلس حول التعاون الأمني بين الطرفين وترسيم الحدود البحرية بينهما.

أرادت أنقرة من خلال تدخلها في ليبيا تحقيق حزمة من المكاسب والأهداف في وقت واحد. في الدرجة الأولى هناك المطامع الاقتصادية، فأمام تراجع الوضع الاقتصادي التركي الذي بات يهدد شعبية أردوغان وحزبه “العدالة والتنمية” في السنوات القليلة الماضية، وبدء تساقط مشروع النهوض الذي بشر به أردوغان الشعب التركي تحت اسم “المعجزة التركية لحزب العدالة والتنمية”، صار من اللازم بالنسبة للحكومة البحث عن مصادر جديدة للطاقة من أجل تحريك عجلة الاقتصاد التركي من جهة، والتخلص من الارتهان للغاز والبترول الروسي والإيراني مستقبلا، ذلك أن تركيا لديها تطلعات اقتصادية عالمية لكن إمكانياتها الداخلية محدودة، بالرغم من أعمال التنقيب التي قامت بها في مياهها الإقليمية من أجل إيجاد مخزونات واحدة من النفط.

ويجد هذا الطموح جذوره في التوجه الاستراتيجي التركي الذي ينظر إلى المنطقة كساحة لحرب النفوذ بين تركيا وإيران وروسيا، ويعكس غياب ثقة أردوغان في حلفائه الحاليين، الذين ينظر إليهم كأعداء محتملين في المستقبل المنظور، خصوصا وأن تركيا ليس لها شركاء ثابتون ولا حلفاء دائمون بسبب المواقف المتقلبة لأردوغان وحكومته.

 ولذلك يسعى أوردغان إلى التخلص من التبعية لموسكو وطهران في مجال الطاقة، والتوجه إلى شرق المتوسط لامتصاص خيرات الليبيين، فمنطقة المتوسط هي منطقة واسعة وغنية بثرواتها الضخمة من الغاز الطبيعي الذي يقدر بنحو 100 مليار متر مكعب، وتركيا تريد حصتها من تلك الثروات الهائلة، ومنافسة كل من اليونان وقبرص وإسرائيل، البلدان الثلاثة التي وقعت قبل أسابيع من القرار التركي بالتدخل في ليبيا، على اتفاقية مشتركة تحت اسم “شرق المتوسط ـ إستميد” لضمان استغلال المخزون الطاقي، ما دفع تركيا إلى عقد اتفاق مع حكومة السراج ردا على ذلك الاتفاق الثلاثي.

الهدف الثاني هو التوسع “الجيو ـ استراتيجي” لتركيا على حساب العالم العربي، وخصوصا مصر. فلا يخفى على أحد طموح أردوغان وحزبه والطبقة السياسية والنخبة الثقافية التركية التي ينطق باسمها في توسيع النفوذ التركي وإحياء التاريخ العثماني والوجود السابق في منطقة المتوسط، ولعل التواجد التركي في ليبيا على خاصرة مصر من شأنه أن يكون أكثر قربا من هذه الأخيرة لمضايقتها، خصوصا ونحن نعرف الخصومة بين البلدين منذ الإطاحة بحكومة محمد مرسي في العام 2013.

الهدف الثالث يتمثل في الضغط على الاتحاد الأوروبي من خلال ملف الهجرة الذي يشكل الهاجس الأكبر للأوروبيين، في وقت أصبحت الهجرة والإرهاب متلازمين في السياسات الحكومية للبلدان الأوروبية. وقد جربت تركيا هذه اللعبة، لعبة الضغط على الأوروبيين من خلال توظيف ملف الهجرة، في الأزمة السورية التي تسببت في هجرة عدد كبير من السوريين إلى تركيا، ما دفع هذه الأخيرة إلى الدخول في مقايضة سياسية ـ اقتصادية مع الاتحاد الأوروبي.

 ولأن قضية الهجرة إلى أوروبا عبر ليبيا تزعج الحكومات الأوروبية بشكل كبير، خصوصا فرنسا وإيطاليا، فإن من شأن ذلك أن يفتح أمام أردوغان نافذة لابتزاز الأوروبيين، وتقديم نفسه كحارس للأمن الأوروبي، مقابل تنازلات يقدمها له الأوروبيون في ملفات أخرى.

غير أن التدخل العسكري التركي في ليبيا سوف يجر على بلدان المنطقة مشكلات أمنية جديدة لا قبل لها بها، فمنذ أسابيع شرعت تركيا في نقل عدد كبير من المقاتلين المرتزقة إلى ليبيا من الساحة السورية، ليتحول هذا القطر المغاربي الكبير إلى سوريا مغاربية، الأمر الذي يمثل خطرا أمنيا حقيقيا على بلدان شمال إفريقيا، ويمنح الجماعات المسلحة في المنطقة فرصا جديدة للحركة.

 فمن المعروف أن الحريق الذي شهدته ليبيا منذ العام 2011 عائد بدرجة أكبر إلى المقاتلين المرتزقة الذين تدفقوا على البلاد منذ فترة ما قبل اغتيال القذافي، ما يعني أن البلد أصبح أكثر تمرسا على قتال جحافل المرتزقة، وإذا أضفنا إلى هؤلاء اليوم المرتزقة الجدد من ذوي الخلفية الإرهابية القادمين من مسرح المواجهة في سوريا، حاملين أجندة تركية واضحة، قد نصبح أمام سيناريو خطير يمس البلدان المجاورة والمحيطة بليبيا.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search