تركيا وفرنسا

صِدام مكبوت وتوتر حَذِر

شهدت العلاقات بين تركيا وفرنسا توترًا بسبب عددٍ من القضايا تمتد من ليبيا إلى سوريا، مرورًا بالرفض الفرنسي لعمليات التنقيب التركية شرق المتوسط وبحر إيجه. وتعتقد باريس أن السياسة التركية في المنطقة لم تعزز من الجهود التي بُذلت للوصول إلى تسوية لأزمات المنطقة، وبخاصة في ليبيا وسوريا، بل ساهمت في عرقلتها.

في هذا السياق، زادت مساحات القلق لدى تركيا مع نجاح باريس في حشد مواقف إقليمية ودولية مناهِضة للانخراط التركي في ليبيا، فضلًا عن اصطفاف قوى إقليمية عربية بجوار باريس في دعم الجيش الوطني الليبي، وهو ما دفع أنقرة للتهديد بتوظيف أوراق ضاغطة تمتلكها لإزعاج باريس من جهة، ومن جهة أخرى استيعاب الضغوط الأوروبية على الحكومة التركية.

في المقابل، ورغم تصاعد فرص الصدام إلا أن العلاقة ربما لن تصل إلى حد القطيعة في ضوء المصالح المتقاطعة بين الطرفين، فضلًا عن أن اتجاهات عديدة داخل تركيا ترى أن توسيع نطاق الخلافات مع باريس يمكن أن يضعف من مناعة تركيا إقليميًّا ودوليًّا، كما أن باريس بحاجة إلى مزيدٍ من التنسيق والتفاهمات مع أنقرة إزاء ملفات متعددة على رأسها: اللاجئون، ومكافحة الإرهاب.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه
مقدمة

اتسع نطاق الخلافات بين تركيا وفرنسا حول الملفات الإقليمية المختلفة، وعلى رأسها الأزمة في ليبيا، إضافة إلى التنقيب التركي في شرق المتوسط وبحر إيجه، وتصاعد الخلاف مع الانتقادات الأخيرة التي وجهها المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي “عمر جليك”، في 3 يوليو الماضي، لفرنسا بالمشاركة في جريمة “المقابر الجماعية” بمدينة ترهونة الليبية عشية انسحاب قوات الجيش الوطني.

إحدى سفن التنقيب التركية

وواصلت حكومة حزب العدالة والتنمية حربها الكلامية ضدّ فرنسا، حيث قال وزير الخارجية التركي “جاويش أوغلو”، في 5 يوليو الماضي، خلال مؤتمر صحفي مع مسئول الشئون الخارجية بالاتحاد الأوروبي “جوزيف بوريل”، إنّ “تركيا تتوقع من فرنسا أن تعتذر بعد واقعة المتوسط” في منتصف يونيو الماضي، التي وجهت فيها تركيا بعدوانية أسلحتها إلى سفينة حربية فرنسية، نافيًا ما قامت به بلاده من استفزاز السفينة الفرنسية.

على النقيض، وجّه الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، انتقادات حادة للسلوك التركي في ليبيا، واتهم تركيا بأنها تتحمل في النزاع الليبي “مسئولية تاريخية وإجرامية”. وأضاف أنها “زادت من وجودها العسكري في ليبيا، واستوردت مجددًا وفي شكل كبير مقاتلين جهاديين من سوريا.”

كما وجّه اجتماع طارئ لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في 13 يوليو الماضي، بناءً على طلب فرنسا، انتقادات جمّة للممارسات التركية شرق المتوسط، فضلًا عن إدانة انتهاكات سيادة القانون، وتأميم المجال العام في الداخل التركي.

ماكرون وأردوغان

ولم تكن الانتقادات الفرنسية الأولى من نوعها، فقد ندد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، في 22 يونيو الماضي، عشية لقائه الرئيس التونسي “قيس سعيد”، بما أسماه “اللعبة الخطيرة” التي تمارسها تركيا في ليبيا، معتبرًا أنها تشكل “تهديدًا مباشرًا للمنطقة وأوروبا”، فضلًا عن أنها تُناقض كل الالتزامات التي أعلنتها أنقرة في مؤتمر برلين في يناير الماضي.

كما انتقد وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان” دعم أنقرة العسكري لحكومة الوفاق، واعتبره انتهاكًا مباشرًا لحظر الأمم المتحدة لوصول الأسلحة إلى ليبيا، وهو ما دفع تركيا، في 25 يونيو الماضي، إلى اتهام فرنسا بأنها “تتناقض مع نفسها” بشأن ليبيا، وأنها باتت تعيش “خسوفًا في العقل” عقب إطلاق تركيا عملية “نبع السلام” شمال شرق سوريا.

وبالإضافة إلى تعارض الأهداف بين الطرفين في ليبيا وشرق المتوسط، تستمر معارضة باريس لعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، كما ساهمت في تجميد المفاوضات الخاصة بلحاق أنقرة بالعائلة الأوروبية.

ومع ذلك، فهناك اعتبارات عديدة ربما تدفع الطرفين إلى محاولة ضبط حدود التوتر خلال المرحلة المقبلة، في إطار ما يمكن تسميته بـ”توافق الضرورة” الذي تفرضه المصالح الخاصة لكل من أنقرة وباريس، على نحو ما عبّر عنه وزير الدفاع التركي “خلوصي آكار”، في مطلع يوليو، من أن هناك حرصًا تركيًّا على توثيق العلاقة مع الشركاء الأوروبيين، في محاولة منه لتهدئة التوترات المتصاعدة بين البلدين.

خلافات عالقة

خرق قرار الأمم المتحدة بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، ودعم حكومة الوفاق بالمقاتلين المرتزقة من قِبَل تركيا؛ ليسا فقط وراء تصاعد التوتر بين البلدين، فهناك العديد من الملفات العالقة، منها:

تنامي الخلافات في صراعات الإقليم:

تصاعدت حدة القلق الفرنسي من ارتفاع مستوى التنسيق التركي مع موسكو وطهران حول التطورات السياسية والميدانية في سوريا، وآخرها القمة الافتراضية الثلاثية بين الدول الثلاث مطلع يوليو الماضي.

قوات سوريا الديمقراطية

واتسعت رقعة الخلاف بين تركيا وفرنسا مع اتجاه الثانية نحو الاستمرار في دعم قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ورفضها التدخلات العسكرية، فضلًا عن رعايتها جهود المصالحة الكردية-الكردية تمهيدًا لإشراك المكون الكردي في أي حل سياسي مستقبلي في سوريا، وهو ما دفع أنقرة للتأكيد على أنها لن تسمح بمحاولات فرنسا لإضفاء الشرعية على التيار الكردي السوري، وذلك من خلال السعي لدمجه في مسار الحل السياسي للأزمة السورية.

وعلى الصعيد الليبي، كشفت مشاركة باريس، في مايو الماضي، في مهمة “إيريني” العسكرية للحيلولة دون تهريب أسلحة إلى ليبيا أو تهريب النفط خارج البلاد، عن رغبة فرنسية أكيدة في تحجيم الدور التركي في ليبيا.

فهناك مخاوف فرنسية من مساعي أنقرة لبناء وجود عسكري وسياسـي دائم في ليبيا يمكن استخدامه للضغط على الخصوم في القارة الأوروبية، كما أن ليبيا تعد منفذًا للهجرة غير الشرعية لجنوب أوروبا، وهي الظاهرة التـي تفاقم خطرها بعد سقوط “القذاقي” في عام 2011.

ومن ثمّ يعزز وجود تركيا في غرب وجنوب ليبيا من فرص سيطرتها على خطوط ومسارات الهجرة غير الشرعية القادمة من دول الساحل ووسط إفريقيا إلى ليبيا تمهيدًا لدخول أوروبا، مما يمنح أنقرة أدوات جديدة لتوظيف استخدام أزمة اللاجئين والمهاجرين لتهديد أوروبا.

التنقيب عن الطاقة بشرق المتوسط:

لا تزال تركيا تمارس نشاطات غير قانونية في منطقة شرق المتوسط للتنقيب عن مكامن الغاز من دون اتفاقات قانونية تحدد مناطقها الاقتصادية الخالصة وشواطئها البحرية.

وتعمل تركيا على إعادة صياغة توجهاتها الاستراتيجية في هذه المناطق من خلال تفعيل ما يعرف باستراتيجية “الوطن الأزرق”، ويشير هذا المصطلح، الذي صكه الخبير العسكري التركي “كيم جوردينيز” عام 2006، إلى المناطق البحرية التي يجب أن تقع تحت السيادة التركية، وشملت “المناطق الاقتصادية التركية” في بحار إيجه والمتوسط والأسود، أي نحو مسافة 200 ميل بحري في مختلف الاتجاهات.

وزيرا الدفاع الفرنسي واليوناني

 هذا السياق، أعلنت فرنسا رفضها القاطع لأعمال التنقيب التركية في شرق المتوسط، واصفة إياها بـ”غير القانونية”، وظهر ذلك في تأكيد وزيرة الدفاع الفرنسية “فلورنس بارلي”، في فبراير الماضي، أن بلادها ستقف مع اليونان وقبرص وتدعمهما في نزاعهما مع تركيا على مناطق في البحر المتوسط، بالإضافة إلى مشاركة سفن يونانية وفرنسية “في مناورات مشتركة ببحر إيجه”، فضلًا عن مشاركة حاملة الطائرات “شارل ديغول” في مهام عسكرية مشتركة مع اليونان ثم قبرص شرق المتوسط في فبراير الماضي.

ويعود الرفض الفرنسي لسلوك أنقرة شرق المتوسط لاعتبارات عدة، منها توقيع شركة “توتال” الفرنسية على عقود مع قبرص اليونانية للتنقيب عن مكامن الطاقة.

كما وقّعت باريس في مايو 2019 مع نيقوسيا اتفاقية تنص على “التعاون في المنطقة المتنازع عليها بشرق المتوسط”، وبموجب الاتفاقية تكون فرنسا “مجبرة على دعم قبرص الرومية عسكريًّا في حال قامت تركيا بأي عمل عسكري ضد قبرص”. كما أسست البحرية الفرنسية قاعدة عسكرية جنوب قبرص اليونانية.

إلى ذلك توطدت العلاقات العسكرية بين باريس وأثينا، حيث وقع البلدان في فبراير الماضي اتفاقين لتجديد أسطول اليونان من طائرات “ميراج 2000” ومروحيات NH90، علاوة على مذكرة نوايا لشراء فرقاطتين فرنسيتي الصنع، وهو ما يؤكد عمق المصالح التي تربط باريس مع قبرص واليونان، ويعزز مناهضة باريس لأعمال التنقيب التركي.

لذلك تدعم فرنسا التوجه الأوروبي نحو تمديد عقوبات على أنقرة لمواصلتها أعمال التنقيب غير القانونية قبالة سواحل قبرص، في الصدارة منها اقتطاع 145,8 مليون يورو من المبالغ الأوروبية التي يفترض أن تستفيد منها تركيا خلال العام الجاري.

ملف اللاجئين:

اتسع نطاق التوتر بين تركيا وفرنسا في الشهور الأخيرة، خاصة بعد إصرار تركيا على ربط ملف اللاجئين بقضية انضمامها للاتحاد الأوروبي، وهو ما بدا جليًّا في تلميح أكثر من مسئول تركي بإمكانية التراجع عن تنفيذ الاتفاق الذي تم إبرامه مع الاتحاد الأوروبي بشأن اللاجئين في مارس 2016 في حالة ما إذا لم يحدث تقدم في عملية الانضمام، وفتح الحدود مع اليونان، والسماح للاجئين غير الشرعيين بعبور بحر إيجه للوصول إلى اليونان.

الممارسات السلطوية:

تتصاعد المخاوف الفرنسية من تراجع حرية التعبير والصحافة وأوضاع حقوق الإنسان في تركيا، وتجلى ذلك في إعلان فرنسا، مطلع يوليو على لسان ممثلها في الجمعية البرلمانية لمقرري مجلس أوروبا، عن بالغ قلقها بشأن قضية “بويوكادا” المعروفة باسم “إسطنبول 10” التي انتهت بإدانة عدد من النشطاء الحقوقيين.

كما رفضت باريس، في 11 يوليو، قرار أنقرة بشأن تحويل متحف “آيا صوفيا” إلى مسجد للعبادة.

ولا يُعد الانتقاد الفرنسي للسلوك القمعي في الداخل التركي جديدًا، فهو مستمر منذ سنوات عدة، ففي خطابه أمام الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا في 2 أكتوبر الماضي، قال الرئيس الفرنسي “ماكرون”: “إن دولًا أوروبية لا تزال تنتهك حقوق الإنسان الأساسية بعد مرور ثلاثين عامًا على انهيار جدار برلين”، معتبرًا أنّ تركيا مثال على ذلك.

في المقابل، وصفه الرئيس التركي بأنه يتصرّف مثل “الديك الصياح”، وتصاعدت حدة التوتر خاصة مع اتهام باريس النظام التركي بالسعي إلى تأميم السلطة، وتفصيل المشهد على مقاس طموحات الرئيس “أردوغان”، من خلال التعديلات الدستورية التي تم تمريرها في أبريل 2017، والتي حولت البلاد لجهة النظام الرئاسي.

مؤشرات كاشفة

يمكن رصد مؤشرات تعبر عن التصعيد والتصعيد المضاد المستمر بين الطرفين، وذلك على النحو التالي:
تصاعد الانتقادات الفرنسية:
كثفت باريس من انتقاداتها للتوجهات السياسية الخارجية التركية تجاه ليبيا، فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي “جان-إيف لودريان” أمام مجلس الشيوخ الفرنسي نهاية يونيو الماضي، أن “فرنسا تعتبر من الضروري أن يفتح الاتحاد الأوروبي سريعًا جدًّا مناقشة بالعمق وبلا محرمات وبدون سذاجة، حول آفاق العلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة، وأن يدافع الاتحاد الأوروبي بحزم عن مصالحه الخاصة لأنه يملك الوسائل للقيام بذلك”.

واللافت في هذا السياق، هو أن تلك الاتهامات الفرنسية لتركيا ليست جديدة، بل هي متجددة، إذ سبق أن اتهم “ماكرون” في يناير الماضي “أردوغان” بعدم الالتزام بكلمته من خلال قيامه بإرسال سفن تركية تحمل مرتزقة سوريين إلى ليبيا.

وقال في تصريحات له: “لقد رأينا في الأيام الأخيرة سفنًا تركية تُقل مرتزقة سوريين تصل إلى الأراضي الليبية، وهذا انتهاك صريح لما وعد به الرئيس “أردوغان” في مؤتمر برلين”.

كما انتقدت باريس العمليات العسكرية التي شنتها تركيا شمال سوريا ضد وحدات حماية الشعب الكردية، وآخرها عملية “نبع السلام” في أكتوبر الماضي، وكذلك أدانت عمليات التنقيب التي تقوم بها أنقرة قبالة سواحل قبرص في منطقة شرق المتوسط، واصفة إياها بـ”غير القانونية”.

تصريحات مضادة:

في مواجهة انتقادات التدخلات التركية المتواصلة في ليبيا، وتنصل أنقرة من التزامها بمقررات مؤتمر برلين وقرارات الأمم المتحدة؛ بدأت أجهزة الدعاية التركية شن حملة واسعة ضد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”. وفي هذا الصدد، زعم المتحدث باسم العدالة والتنمية “عمر جليك”، في مطلع يوليو الماضي، أن فرنسا هي التي ترتكب الجرائم في ليبيا وتمارس “لعبة خطيرة”.

وفي سياق الرد على الانتقادات الفرنسية، أطلق وزير الخارجية التركي نهاية يونيو الماضي تصريحات مناهضة لباريس، قال فيها: “فرنسا، التي يقودها ماكرون، أو بالأحرى غير القادر على قيادتها حاليًّا، ليست متواجدة (في ليبيا) إلا لتحقيق مصالحها بعقلية تدميرية..”.

مذبحة الأرمن

الاعتراف بالإبادة الأرمينية:

دخلت العلاقة مناخ الشحن بين أنقرة وباريس على خلفية إصدار الرئيس “ماكرون” مرسومًا رئاسيًّا يوم 24 إبريل “يوم ذكرى إبادة الأرمن” التي وقعت خلال الفترة من 1945 وحتى 1923 على يد السلطة العثمانية، ليحقق بذلك أحد تعهداته التي قطعها أثناء حملته الرئاسية في عام 2017، وأثار هذا القرار غضبًا تركيًّا عارمًا، وتنديدًا من قبل أنقرة، لا سيما أن الجمعية الوطنية الفرنسية كانت قد اعترفت بمجازر الإبادة في عام 2011.

وقد يسهم تخصيص يوم وطني للأرمن في فرنسا في تسريع مطالبة أنقرة بتعويضات مالية للأرمن، وإعادة الممتلكات الأرمينية إلى أصحابها، وهو ما ترفضه أنقرة، وتعتبره يتعارض مع الحقائق التاريخية.

سيناريوهات محتملة

تتصاعد حدة التوتر بين تركيا وفرنسا بسبب التباين في التعامل مع بعض الملفات، على غرار أزمة ليبيا، والتطورات التي تشهدها منطقة حوض شرق المتوسط، وهو ما يشير إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة في مسار العلاقة بين البلدين.

السيناريو الأول- ممارسة الضغوط الناعمة:

لا تزال فرنسا تعارض الانخراط التركي في سوريا ومنطقة شرق المتوسط، وتعتبر السلوك التركي بشأن عدد من الملفات العالقة عملًا أحاديّ الجانب يهدد بتقويض استقرار المنطقة.

ولذلك قد تتجه فرنسا إلى محاصرة تركيا دوليًّا عبر تكثيف الضغوط في المؤسسات الدولية والإقليمية، وتجلى ذلك في الضغط على دول الاتحاد الأوروبي نحو إصدار عقوبات رمزية إضافية على تركيا، خاصة أنها نجحت في وقت سابق في إقناع دول الاتحاد بعدم إصدار تصاريح تصدير أسلحة جديدة إلى تركيا ردًّا على توغلها في شرق الفرات، باعتباره يقوّض الاستقرار الإقليمي، ويتسبب في معاناة المدنيين.

السيناريو الثاني- رفع سقف التصعيد:

قد تدخل العلاقة بين البلدين مناخ الشحن، بعد أن صعّدت باريس في 2 يوليو الماضي حدّةَ المواجهة مع تركيا، بإعلان الانسحاب من عملية عسكرية للناتو في المتوسط منوط بها مراقبة حظر دخول السلاح إلى ليبيا، احتجاجًا على خرق حكومة الوفاق الليبية لهذا الحظر، دون عقابٍ دولي.

في المقابل، لوّحت أنقرة باستخدام ورقة اللاجئين لابتزاز الاتحاد الأوروبي، وفي هذا الصدد، دعت وزارة الخارجية التركية في 25 يونيو الماضي، الاتحاد الأوروبي للوفاء بمسئولياته واحترام حقوق طالبي اللجوء، بدلًا من إلقاء اللوم على تركيا.

كما تسعى أنقرة إلى تدعيم حضورها في مناطق النفوذ التقليدي الفرنسي في القارة الإفريقية، ويشكل التواجد التركي المتزايد في إفريقيا جزءًا من استراتيجيتها الأوسع نطاقًا للتأثير على فعالية الدور الفرنسي، الذي يشهد حضورًا لافتًا.

في هذا السياق، قد يدفع إصرار باريس على تحجيم التدخلات التركية في ليبيا، إلى زيادة مساحات التوتر بين البلدين، على نحو سوف تكون له تداعيات عديدة على التطورات السياسية والميدانية التي من المتوقع أن تشهدها ليبيا خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الثالث- إعادة بناء جسور للثقة:

تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح والعلاقات الدولية؛ ولذلك قد تسعى أنقرة وباريس إلى إنتاج مواقف متناغمة تجاه أحداث المنطقة.

ورغم أن سيناريو التصعيد يبقى محتملًا بين البلدين، إلا أنه -في المقابل- هناك اعتبارات متنوعة ربما تدفع الطرفين ليس فقط إلى محاولة ضبط حدود هذا التوتر وعدم تصعيده لدرجة غير مسبوقة، بشكل يمكن أن يفرض تداعيات سلبية على مصالحهما، وإنما أيضًا السعي للوصول إلى إعادة بناء جسور الثقة، والتوافق حول بعض القضايا التي تحظى باهتمام مشترك من جانبهما.

والأرجح أن هذا السيناريو يبدو هو الأكثر قربًا للتحقق على الأرض بالنظر إلى عدة دوافع حاكمة:

أولها: حرص أنقرة على توسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها على الساحة الدولية، بعد أن

تعرضت لضغوط دولية وإقليمية قوية خلال المرحلة الماضية؛ إذ لا يزال التوتر هو العنوان الأبرز مع واشنطن بسبب حصول تركيا على منظومة الدفاع الصاروخية الروسية S400، إضافة إلى قضية “فتح الله غولن”، والدعم الأمريكي للأكراد في سوريا، كما دخلت العلاقة مناخ الشحن بين تركيا ومحيطها الإقليمي، وبخاصة مع القاهرة والرياض وأبو ظبي.

في المقابل، لم تصل العلاقات مع روسيا إلى مستوى يمكن الاعتماد عليه في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية، فالتعاون مع موسكو تفرضه بالأساس التطورات الطارئة في صراعات المنطقة، وبخاصة الوجود الروسي في ليبيا وسوريا.

وثانيها: أن الحكومة التركية ترى أن تسكين أوجاع العلاقة مع فرنسا يمكن أن يعزز قدرتها على مواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية، خاصة أن فرنسا تعد ثالث أكبر شريك تجاري لتركيا في الاتحاد الأوروبي، كما تعتبر فرنسا سابع أكبر مستورد من تركيا بحصة سوقية نسبتها 4.2 بالمائة.

مجموعة “رينو” للسيارات

في المقابل، تعوّل تركيا على الشركات الفرنسية العاملة في تركيا، والتي تمثل نقطة استناد استراتيجية في الاقتصاد التركي، في الصدارة منها مجموعة “رينو” للسيارات، وشركات مطارات باريس، إضافة إلى شركات “رون بولينك” و”سان جوبان” و”سانوفي أفنتيس” و”توتال” و”لافارج” و”سوديكسو” و”دانون” و”كارفور”.

وفي هذا السياق، قد تتجه تركيا إلى ضبط حدود الخلاف مع فرنسا بالنظر إلى حاجتها للعلاقة الاقتصادية معها.

وثالثها: أن تركيا لا تزال تحرص على عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو ما كشفته تصريحات الرئيس التركي في مايو 2020، حيث أكد فيها على أهمية إحياء محاولة تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى تداعيات وباء فيروس كورونا كدليل واضح على الحاجة إلى الوحدة.

في المقابل، لا تزال فرنسا ترى أهمية للعلاقة مع تركيا، وألا تصل إلى حد القطيعة برغم الملفات الشائكة بين الطرفين. ووفقًا للرؤية الفرنسية تمثل تركيا ورقة مهمة في التعامل مع الارتدادات السلبية لصراعات الإقليم، وبخاصة مسألة اللاجئين.

كما يبدي كلٌّ من باريس وأنقرة اهتمامًا خاصًّا بالحرب ضد التنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيم “داعش”، بعد تبنيه عمليات إرهابية داخل الدول الأوروبية.

ويمكن فهم عدم معارضة باريس لإعلان المفوض الأوروبي المكلف بسياسة الجوار ومفاوضات التوسع “أوليفر فاريلي” مطلع يونيو الماضي، بأن تركيا ستكون ضمن البلدان الحاصلة على قروض مالية، خلال الدورة الثالثة من آلية مساعدات ما قبل العضوية، والتي تشمل الفترة بين عامي 2021 – 2027.

كما تُدرك باريس وأنقرة حاجتهما إلى بعضهما، فالأولى تعي أهمية التعاون مع تركيا، خصوصًا بعد تزايد حالات فرار عناصر “داعش” بعد عملية “نبع السلام”، مما أدى إلى زيادة مخاوف دول الاتحاد -وبخاصة فرنسا- من احتمال وقوع هجمات إرهابية داخل أراضيها، وهو ما يفرض ضرورة مواصلة التنسيق مع تركيا التي تمثل أحد الممرات الآمنة لعبور الإرهابيين إلى أوروبا.

على جانب آخر، فإن تركيا لا تزال تبدي اهتمامًا خاصًّا بشأن تجدد مفاوضات عضوية الاتحاد الأوروبي الذي تقوده فرنسا وألمانيا، إضافة إلى حاجة تركيا للمساعدات المالية الأوروبية لمحاصرة أزمتها الاقتصادية، وتدرك أنقرة أن تمرير الدعم المالي الأوروبي لن يتم دون موافقة فرنسية.

جملة القول، إن هناك العديد من القضايا الخلافية بين تركيا وفرنسا، كما أن ثمة مؤشرات كاشفة على عمق التوتر بينهما، من بينها تصاعد التصريحات والتصريحات المضادة بسبب التدخل التركي في ليبيا، إضافة إلى إبداء اتجاهات فرنسية عديدة مخاوف من التوجهات التركية المؤدلجة تجاه القارة، ومساعي أنقرة إلى توظيف الاتحاد الإسلامي التركي “ديتيب” الذي تشرف عليه أنقرة لنشر خطاب ديني قومي مناهض للقيم الأوروبية.

لكن -في المقابل- ثمة مصالح مشتركة قد تساهم في ضبط حدود الخلافات العالقة بين أنقرة وباريس.

المراجع:

1- ماكرون: تركيا تتحمّل المسئولية التاريخية والإجرامية في ليبيا، أحوال تركية، 29 يونيو 2020، www. ahvalnews.com
2- بعد انتقادات ماكرون.. تركيا تندّد بنهج فرنسا في ليبيا، 30 يونيو 2020، www.dw.com
3- كرم سعيد: مصالح متضادة: أسباب تصاعد حرب التصريحات بين ماكرون وأردوغان، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 5 ديسمبر 2019، www.futureuae.com
4- فرنسا تنسحب من عملية للناتو احتجاجًا على “الإمبريالية التركية”، 2 يوليو 2020، www.alarab.uk
5- تركيا تهاجم ماكرون وتشبّهه بـ”الديك الصياح” بعد انتقاده سجلها في حقوق الإنسان، 1 أكتوبر 2019، www.france24.com
6- رويترز: تصاعد التوتر بين فرنسا وتركيا بعد حادثة الناتو البحرية، 8 يوليو 2020، www.hawarnews.com
7- “مذبحة الأرمن” التي تحييها فرنسا وتنكرها تركيا، موقع بي بي سي عربي، 24 أبريل 2019، www.bbc.com/arabic
8- غيوم بيرييه، أحوال تكشف خفايا العلاقات التجارية بين فرنسا وتركيا، 21 مايو 2018،www.ahvalnews.com
9- فرنسا تنسحب من عملية للناتو احتجاجًا على “الإمبريالية التركية”، 2 يوليو 2020، www.alarab.uk

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

كرم سعيد

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram