"ترميم الختان"

هل يُعيد ما افتُقد من الأنوثة؟

في كل مرة تتحسس فيها “تمارا ياسين” (اسم مستعار – 20 عامًا) عضوها التناسلي تتذكر لحظة الخوف التي تملّكتها حين تم استئصال عضوها التناسلي، وحنقها على والدتها التي رفضت أن تأتي معها، وكيف تحولت عبارة “هنكشف على جدو” إلى نقطة توتر أليمة في ذهنها، لارتباطها بموقف ضاغط على ذاكرتها حين أمسكها والدها وعمتها من أرجلها وأيديها بعنف من أجل ختانها.

سنوات من التفكير المُلحّ عاشتها “تمارا” لمعرفة الفارق بين المظهر الطبيعي لمهبل الأنثى والمظهر اللاحق بعد الختان، وكيف لعمليةٍ لم تستغرق سوى دقائق معدودة أن تُغيّر مجرى حياتها، وتجعلها تكره جسدها، وتفقد الثقة بأنوثتها.

لعبت الصدفة طوق النجاة في حياة “تمارا” للتخلص من آثار الختان، وأن تشعر بأنها طبيعية غير منقوصة. فبعد 3 سنوات من البحث عن علاج للتبعات الصحية السلبية على ختانها، وجدت ضالّتها في إعلان على الـ”سوشيال ميديا” لعمليات ترميم الختان بأحد مراكز التجميل يحمل اسم “سيف الدين لعلاج تشوهات الأعضاء التناسلية من الختان”.

تقول “تمارا” لـ”ذات مصر”: “مجرد ما لاقيت الإعلان بالصدفة اتصلت على دكتور عمرو سيف الدين، وذهبت إليه لإجراء الكشف عليّ، لكن صُعقت لما عرفت أن العملية هاتتكلف مبلغ 30 ألف جنيه، حاولت وقتها أجيب فلوس بأي طريقة عشان أحس إني طبيعية وأحب جسمي تاني”.

كان خوف “تمارا” من ضياع حلم معالجة تشوهات عضوها التناسلي لا يقل تكلفةً عن المبلغ المطلوب لإجراء العملية، فبحثت مرة أخرى على مواقع السوشيال ميديا عن أماكن تقوم بترميم الختان حتى وجدت منشورًا لطبيبة مصرية تدعى “ريهام عواد” تقوم بهذا النوع من العمليات مجانًا لتُجري معاها مكالمة هاتفية، وتحدد معها موعدًا فوريًّا، دون الخوف من المغامرة أو ما تئول إليه العملية.

تُضيف “تمارا”: “كنت محتاجة أصلح اللي اتشوه، وحاسة أن حياتي متوقفة على العملية، وأني لو هاعيش مبسوطة بعد كدة فدا هيكون بسبب العملية”.

قبل يوم واحد من الموعد المحدد للعملية، تعمدت “تمارا” الجلوس مع والدتها وسؤالها عن أسباب ختانها هي فقط دون أختها الصغرى التي نجت من هذه التجربة. أمها التي اصطنعت هدوءًا مبالغًا فيه قالت لها: إن ختانها كان بسبب كِبَر “بظرها” عن الشكل الطبيعي، وبهذا جعل الختان عضوها بنفس حجم أختها.

قررت “تمارا” التكتم على قرار ترميم الختان حتى لا تتعرض للتعنيف من أهلها، وكي تتفادى منعها من السفر إلى القاهرة وإتمام العملية.

بعد مرور شهرين من ترميم الختان تقول “تمارا”: “أعيش إحساسا مختلفًا من الاطمئنان، بعد رجوع البظر لطبيعته كعضو كامل”.

الدكتور “عمرو سيف الدين” (استشاري تجميل وتقويم الأعضاء التناسلية، ورئيس وحدة الجراحات النسائية بمستشفى الجلاء سابقًا) يقول لـ”ذات مصر”: “قبل التدخل الجراحي لترميم الختان، يتم الكشف على السيدة أو الفتاة وتقييم حالة (البَـظْر)، فإذا وُجد خلل في الإحساس يصبح الحل عمليات غير جراحية مثل حقن بلازما الدم في أجزاء معينة بالبَـظْر لتنشيط الإحساس ومعالجة الألم”.

جرم القانون المصري، ختان الإناث عام 2008، بالمادة 242 مكرر من “قانون العقوبات”، كما أيدت المحكمة الدستورية العليا قانون تجريم ختان الإناث عام 2013. 

وفي 31 أغسطس 2016 وافق البرلمان على تغليظ عقوبة الختان، وتعديل المادة 242 مكرر من قانون العقوبات.

“يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تتجاوز سبع سنوات كل من قام بختان الأنثى، وتكون العقوبة السجن المشدد إذا نشأ عن هذا الفعل عاهة مستديمة، أو إذا أفضى ذلك الفعل إلى الموت”.

“سيف الدين” يؤكد أن بعض الفتيات يعانين من التصاقات جلدية حول “البَـظْر” نتيجة الختان من الدرجة الثالثة، مما يؤثر على الإحساس في العلاقات الجنسية، ويسبب ما يُعرف بـ”مشاكل المهبل”، لذا فإن التدخل الجراحي لترميم تشوهات الختان هو الحل من أجل إزالة تلك الالتصاقات وإطالة البَـظْر إلى الخارج وإعادته لمكانه الطبيعي. مشيرًا إلى أنه يتم تغليف البَظر بغشاء أو جلد إذا تم قطع هذا الكيس أثناء الختان، موضحًا أنه في خلال 8 أسابيع من إجراء الترميم يعود شكل وإحساس الأنثى بالبَـظْر لطبيعته.

“عدم الثقة بالنفس أو احترام الذات وتقبل الجسد، هي المسئولة عن المشكلات الجسدية والنفسية المصاحبة لعملية الختان، ومع ذلك لا تستطيع الإناث البوح بشكواهن الجنسية”.. هذه هي آثار الختان على حياة الفتيات والسيدات كما يقول الدكتور “عمرو سيف الدين” (استشاري تقويم الأعضاء التناسلية) الذي يؤكد أن الأسباب نفسها دفعته لافتتاح أول مركز لعلاج جراحة وتشوهات ختان الإناث في مصر والشرق الأوسط.

ويوضّح “سيف الدين” أنواع الختان الموجودة في مصر، فيقول: “النوع الأول يسمى بالسُّنة، وفيه يقوم الجراح باستئصال جزء من جلد “البَـظْر”، بينما النوع الثاني يتم فيه قطع جزء من البَـظْر والشفرتين الصغيرتين، فيما يتم استئصال البَـظْر والشفرتين الصغيرتين وإغلاق الفرج عن طريق الشفرتين الكبيرتين في النوع الثالث”.

استشاري تقويم الأعضاء التناسلية يؤكد أن أغلب الفتيات اللاتي تم ختانهن فقدن جزءًا من أنوثتهن، إلى جانب فقدان الثقة في الأهل وتوتر العلاقة مع من قرر ختانهن أو وافق عليه. مشيرًا إلى حالة قررت عدم الزواج نهائيًّا بعدما قرر خطيبها فسخ خطبتهما بعد معرفته أنه تم ختانها، وأخرى تعمل في برامج مناهضة الختان، ولكنها لم تستطع المواصلة بسبب ختانها.

في دراسة تحليلية – منشورة على موقع “يونسيف”- أُجريت عام 2016 بعنوان “عوامل ومحددات ختان الفتيات من سن 0 إلى 17 سنة خرجت النتائج بأن نسبة السيدات في سن 15-49 عامًا ممن يرون أن الزوج يُفضل الختان انخفضت من 61.3% عام 2005 إلى 49.7% عام 2014، فيما انخفضت نسبة السيدات ممن يعتقدن أن الختان يقي من الزنا من 54.2% إلى 46.3% ما بين عام 2005 لـ2014، في وقت ارتفعت فيه نسبة الذين يرون أن الختان يعرض الفتاة لمخاطر وقد يؤدي إلى وفاتها من 32.4% عام 2005 إلى 53.9% عام 2014.

في فبراير عام 2015، نجح الجراح السويدي الدكتور هانس سيغوريونسون، في زراعة أول “بَـظْر” في مستشفى كارولينسكا الجامعي، وقال بعد نجاح هذه العملية إنَّ “البَـظْر له جذور طويلة نحو 10 سم ولا يتم إزالته كليًّا خلال عملية الختان، فقط يزال الجزء المرئي، لذلك يمكن زرعه ووضعه مرة أخرى، عن طريق سحب الأجزاء المتبقية منه والتي من الممكن أن تُعيده إلى العمل، ولكن من الصعب استعادة الأعضاء التناسلية المشوهة لسيدة بنسبة 100%”.

في عام 2007، أعلنت دار الإفتاء المصرية تحريم ممارسة ختان الإناث، وأصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بيانًا أوضح فيه الموقف الإسلامي الرافض لتلك الممارسة العنيفة التي تنتهك حقوق الفتيات.

وبموازاة ذلك، أكدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر موقفها الرسمي ضد ممارسة ختان الإناث لما تحتويه من “انتهاك لجسد وكرامة الفتاة الصغيرة”، وأن المسيحية ليس بها أي نص يشير إلى ختان الإناث من قريب أو بعيد.

“ريهام عواد” التي عالجت “تمارا”، وكانت قد سجلت في السابق رسالة ماجستير عن تجميل البَـظْر للمتضررين من آثار الختان بكلية طب قصر العيني، قررت تأسيس مركز خيري لعلاج وجراحة تشوهات ختان الإناث ليكون الأول من نوعه في مصر والشرق الأوسط، بالشراكة مع الدكتور “عمرو سيف الدين” ذي الخبرة العريضة في مجال إصلاح وتجميل تشوهات الأعضاء التناسلية، ومساعدة الفتيات ضحايا عمليات الختان.

“ريهام” تقول لـ”ذات مصر” إن “المشكلات الجسدية الناجمة عن عمليات الختان هي العامل الأساسي للمشكلات النفسية والشعور بـ(نقص الأنوثة) لدى المختونات”.

وتُضيف “عواد” أن السيدات والفتيات اللاتي يأتين إليها للعلاج تكون أول كلماتهن: “أنا حاسة إني مش كاملة، مش قادرة أكمل حياتي غير لما يرجع لي الجزء الناقص اللي خدوه غصب عني”، بالإضافة إلى شعورهن بعدم الرضا عن أنفسهن أو الحماسة للدخول في علاقة مع شريك محتمل.

وتشير “عواد” إلى أنها تتبع نهجًا شاملًا متعدد التخصصات يشفي جميع جوانب صحة الأنثى التي تأثرت بالختان من مشاورات علماء ومعالجين نفسيين لعلاج المشاكل النفسية للمرضى، وتحديد أفضل خيارات العلاج قبل البدء في العمليات الجراحية الترميمية أو غير الجراحية.

وتروي “عواد” لـ”ذات مصر” أكثر الحالات التي تأثرت بها نفسيًّا وهي فتاة ثلاثينية لا تزال تتذكر تفاصيل ليلة الختان إذ كان الجراح يتمتم بـ “أستغفر الله” طيلة إجراء العملية، ما جعلها تدخل في نوبات نفسية استمرت لأكثر من 15 عامًا. بينما لجأت فتاة عشرينية للترميم لاسترجاع ما سُلب منها قائلةً لها: “ما أُخذ بعملية يعود بعملية” بسبب شعورها النفسي بالنقص نتيجة الختان.

وقيّمت دراسة حديثة نشرت في النسخة الإلكترونيّة من مجلّة The Lancet الآثار بعيدة المدى على النساء اللواتي خضعن للتقنية الجراحيّة بهدف ترميم الأعضاء التناسليّة بعد تعرّضها للبتر أو التشويه، وتوصل الباحثون إلى أنّ عمليّة ترميم “البَـظْر” التي أصبحت متاحة حاليًّا أثبتت فاعليّة في علاج ألم الجماع الذي تعاني منه ضحايا ختان الإناث، كما أنّها جعلت النساء يختبرن الشعور باللذّة الجنسيّة لأوّل مرّة إذ لم يسبق لهن معرفة الرعشة الجنسيّة قبل إجراء عملية الترميم.

منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونسيف” كشفت المضاعفات التي تظهر فورًا عقب ختان الإناث، وهي: الإصابة بنزيف حاد، وانتفاخ الأنسجة التناسلية، وعدوى الكزاز، ومشاكل بالبول، والصدمة النفسية، والوفاة في بعض الأحيان، بالإضافة إلى آثار طويلة الأجل تتمثل في احتباس البول، ومشاكل مهبلية مثل الإفرازات والحكة والتهاب المهبل البكتيري، ومشاكل بالدورة الشهرية، وخروج دم الحيض، بجانب ندوب في الأنسجة والجدرات، والمشاكل الجنسية المصاحبة أثناء الجماع، وانخفاض درجة الإشباع.

الحياة بعد خِتانَيْنِ

لم تعرف “مريم عوف” (اسم مستعار، سودانية – 35 عامًا) معنى للنشوة الجنسية أو سبق وأن عاشتها قبل العام الماضي بعدما لجأت لعملية ترميم الختان لاستعادة الجزء المفقود منها.

“مريم” التي تم ختانها مبكرًا تقول لـ”ذات مصر”: “كل ما أردته من الترميم هو أن أتخلص من مشاعر الألم بعضوي التناسلي، وامتلاك عضو أنثوي طبيعي لأبدو مثل الإناث الأخريات، وأستمتع بالزواج”.

عاشت “مريم” 14 عامًا في علاقة جنسية غير مريحة بالنسبة لها، ولم تستطع البوح بهذا الإحساس لزوجها أو لأحد، خوفًا من اتهامها في شرفها أو إدانتها أخلاقيًا.

تروي “مريم” الكيفية التي تمت بها عملية ختانها قائلة: “كان عمري عشر سنوات، وكعادتنا في السودان فهذا هو السن المناسب لتختين جميع الفتيات وحمايتهن من الزنا والشهوة الجنسية، وجاءت مع والدتي سيدة ترتدي أسود بالكامل، ولم تكشف عن هويتها أو تشهر سلاحها إلا بعد دخولها غرفتي، إذ أمسكت بي والدتي وانتهى الأمر بدماء وألم لم يحتمل، ومكثتُ أسبوعين دون حركة”.

بعد بلوغها سن الخامسة عشرة كانت “مريم” تعتقد أنها تخلصت من هذه التجربة المريرة إلى الأبد حتى طلبت منها أمها أن تذهب بها لأحد الأطباء لإجراء عملية ختان مرة ثانية، مبررة ذلك بأنه لم يتم ختانها بشكل كافٍ.

“هذه المرة أزالوا كل شيء، البَـظْر، الشفرتين الخارجيتين والداخليتين، ومن ثم قاموا بخياطتهما من الأعلى إلى الأسفل ولم يتركوا سوى فتحة صغيرة للبول وخروج دم الحيض”، تقول “مريم”.

وتُضيف: “بعد 5 سنوات من إجراء الختان للمرة الثانية، تزوجت، لكن ما أصابني بعد الزواج من التهابات بالمهبل وألم في الأعضاء التناسلية عند الجماع، جعلني أنفر من لحظات الجماع”.
عام 2019 قررت “مريم” إجراء عملية ترميم “البظر”. تقول عن ذلك: “لم أهتم بما سيقال عني وعن إعلاني لما أتعرض له من مشكلات جنسية لحقت بي إثر الختان. فقط رغبت في استعادة عضوي التناسلي”.

* 7 ملايين فتاة في مرمى خطر إجراء عملية ختان بين عامي 2015-2030.

* 4.1 ملايين فتاة ستتعرض لتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية في 2020.

* المصدر: صندوق الأمم المتحدة للسكان واليونسيف، أغسطس 2018.

* المصدر: تقرير صندوق الأمم المتحدة عن حالة سكان العالم 2020.

أخصائي عمليات ترميم الختان بالسودان الدكتور “صالح الفكي” يقول لـ”ذات مصر”، إن السودان به ثلاثة أنواع من الختان يختلف كل نوع عن الآخر في إزالة شكل “البَـظْر”، في النوع الأول يتم إزالة “البَـظْر” بالكامل ويطلق عليه ختان السُّنة، وهذا النوع من الختان يصعب تمامًا استرجاعه، بينما يتمثل النوع الثاني في إزالة جزء من البَـظْر مع إزالة الشفرتين الجانبيتين من مهبل الأنثى.

ويضيف “الفكي” أن النوع الثالث، الذي يسمى الختان الفرعوني، يتم فيه فتح الشفرتين الجانبيتين من مهبل الأنثى ودفن البَـظْر بداخلهما وخياطة الشفرة اليمنى مع الشفرة اليسرى، مما يشكل غطاءً جلديًّا على المهبل، مع ترك ثقب صغير جدًّا للبول، ويمكن في هذه الحالة إجراء عملية ترميم.

ويشرح الأخصّائي طريقة الترميم المتعارف عليها بالسودان في حالات “الختان الفرعوني” وهي فتح خياطة الشفرتين الجانبيتين اللتين تم دمجهما معًا، وإعادة البَـظْر وخياطة كل شفرة على حدة، ويطلق عليه علميًّا “إزالة الختان”، واسترجاع الشكل الأولي للمهبل وتحسين صورته.

ويوضح “صالح” أن النوع الأول والثاني من الختان لا يخضعان لعملية الترميم بسبب إزالة البَـظْر بالكامل من المهبل، ولا يمكن استرجاع ذلك العضو بسبب احتوائه على عدد ضخم من النهايات العصبية القابلة للاستثارة، ولكن يُمكن في هذه الحالات حقن شفرات المهبل بـ”البوتكس” و”الفيلر” لملئها إذا تمت إزالتها بالكامل.

أجرى أخصائي النساء والتوليد السوداني ما بين 40 و50 عملية ترميم ختان حتى الآن، منذ أن قررت النساء التعافي من المشكلات الجسدية والنفسية الناتجة عن الختان وأن يشعرن بالرضا عن أنفسهن.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

شاهندا قناوي

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search