زوايا

تسويق المقدّس.. كيف نشأت فكرة الإله الواحد؟

 

نظرًا إلى هيمنة الديانتين المسيحية والإسلام على عالم اليوم، يفترض الكثير من الناس أنه لا يوجد سوى إله واحد فحسب، ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من ديانات عالم اليوم تؤمن بتعددية الآلهة. حتى في الشرق الأوسط القديم، مهْدُ هاتين الديانتين الرئيستين بالإضافة إلى اليهودية، كان الاعتقاد التوحيدي أمرًا جديدًا نسبيًّا على المشهد الديني.

على سبيل المثال، تفاخر الحيثيون في بلاد الأناضول (تركيا الحديثة) بعبادة 3 آلاف من الآلهة، فكيف نشأت الفكرة التوحيدية ضد هذا التيار التعددي واكتسبت مثل هذا الزخْم؟

أود أن أنوّه ابتداءً بأنني لا أحاول هنا أن أثبت ما إذا كان هناك إله واحد في الواقع، أو عدد من الآلهة، أو لا شيء على الإطلاق، بل أريد أن أتتبع تاريخيًّا فكرة اعتقاد الناس في وجود إله واحد.

بالنسبة إلى شعوب الشرق الأوسط قديمًا، بمن في ذلك شعب إسرائيل القديمة، سادت فكرة تعددية الآلهة، وبدلاً من أن يكون وحده منفردًا بالعالم الإلهي، يُقدَّم “يهوه”، الذي عُرف لاحقا باسم “الرب” لدى اليهود والمسيحيين و”الله” لدى المسلمين، على أنه الإله الراعي لعائلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب في روايات الكتاب المقدس البطريركية والخروجية (راجع: سفر التكوين: 24:26، 13:28، 9:32، 15:48، سفر الخروج 6:3، 15،16، 5:4)، ولاحقًا إله لأمة إسرائيل (سفر الخروج 5: 1، 10:24، 27:32، 23:34).

بعبارة أخرى، كان من المرجح أن يُفهم “يهوه” بوصفه واحدًا من بين عدد من الآلهة الراعية والقومية المنتشرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط القديم (سفر القضاة 24:11)، فكيف إذًا تحوّل “يهوه” لدى مَن يعبدونه من مجرد إله بين آلهة أخرى إلى “الرب الواحد”؟ كيف تطور “يهوه” من كونه إلهًا خاصًّا بجماعة صغيرة من الناس إلى إله الكون الأعظم؟ وربما نسأل على نحو أعمق: كيف تحوّل “يهوه” من كونه الإله الأعظم للكون إلى الإله الأوحد للكون؟

في الواقع، كان ظهور “يهوه” كلاعب رئيس في المشهد الإلهي مناوئًا لإلهين آخرين، هما مردوخ وآشور، الإلهان الأساسيان للإمبراطوريتين البابلية والآشورية القديمتين.

نقوش حيثية تظهر الآلهة الـ 12 للعالم السفلي

يساعدنا تسليط الضوء على صعود نجم هذين الإلهين لفهم كلٍّ من: ظهور “يهوه” من البدايات الغامضة، ومن ثمّ نشأة الفكرة التوحيدية.

تقليديًّا، كانت آلهة الشرق الأوسط القديم نوعية متخصصة، وغالبًا ما كان كل إله يتحكم في منطقة واحدة أو أكثر من مناطق العالم، التي تعتبر ذات أهمية.

على سبيل المثال، في مختلف الثقافات، ارتبط كلٌّ مِن “شمش” و”شاباش” وإلهة الشمس “أرينا” و”رع” بالشمس، وكان كلُّ من “هدد” و”بعْل” و”تيشوب” و”ست” يمثلون آلهة العواصف، ومثلما يفعل البشر، تنافست الآلهة غالبا في ما بينها على السيادة من خلال القتال (على سبيل المثال، صراع نينورتا وآنزو في بلاد ما بين النهرين، وبعْل ويم في أوغاريت، وإله العاصفة وأحفاد إلويانكا في الأناضول الحيثية، وحورس وست في مصر).

قبل بزوغ نجمه سريعًا، كان “مردوخ” إلهًا مغمورًا نسبيًّا يقبع في مكان ناءٍ نوعًا ما. وعندما تحولت بابل من منطقة محلية منعزلة لتصبح قلب إمبراطورية كبرى، كان مردوخ في حاجة إلى بعض التغييرات الخلّاقة ليصير ملكًا لائقًا على جميع الآلهة. وكغيره من الآلهة القديمة في الشرق الأوسط، غزا “مردوخ” أيضا خصما لا يُقهر (بالنسبة إليه، حارب مردوخ تيامات الرهيبة في ملحمة الخلق البابلية العظيمة إنوما إليش). ومع ذلك، فإن سلطاته التقليدية، التي يُفترض أنها مرتبطة بحفر القنوات المائية، لن تكون كافية.

وواصل فريق العلاقات العامة الخاص به العمل لتوسيع مجده الشخصي وسطوته، مستخدمين نموذج عمل مشابهًا لما تستخدمه المتاجر الكبرى الحديثة مثل أمازون و”وول مارت”.

فبدلاً من نفي وجود آلهة أخرى أو استعراض قوى إلهية جديدة، أثبت “مردوخ” تفوقه من خلال المطالبة لنفسه بالتخصصات الحصرية للآلهة الأخرى سابقًا (فقد جمع 50 اسمًا ينطوي كل واحد منهم على قوى وقدرات الآلهة الأخرى).

ونتيجة لذلك، صار مردوخ هو الإله الشامل، الذي برر موقفه كملك على بقية الآلهة والأفضل بينهم جميعًا، من خلال قدرته على القيام منفردًا بكل ما يمكن للآلهة الأخرى أن تقوم به.

لاحقًا، حذت المملكة الآشورية حذوها في الترويج لآشور كسيّد الآلهة، وهو الذي صعد أيضًا من الظل ليصير إلهًا شاملاً، وطوال تاريخ ممالك بابل وآشور (حتى سقوط إسرائيل)، لم تنقطع المنافسة بين آشور ومردوخ على السيادة الإلهية بخطابات تشبه دعاية المتاجر الكبرى.

ومثلما هي الحال مع مردوخ وآشور، صعد “يهوه” من الظل نسبيًّا، ومثلهما أيضًا، لم يستعرض أي صلاحيات جوهرية جديدة إلى حد كبير، وبدلاً من ذلك، يكمن الابتكار الكتابي في الجمع بين العناصر الموجودة مسبقًا ولكن بطريقة جديدة.

فبينما كان الهدف في بلاد ما بين النهرين هو شرعنة سيادة مردوخ وآشور، كان الهدف في إسرائيل أكثر طموحًا: الترويج لعبادة يهوه الحصرية (عبادة يهوه وحده دون إنكار الآلهة الأخرى، وليس التوحيد بالمعنى الإقصائي اللاحق).

لقد استهدفوا من خلال هذه الفكرة الجوهرية احتكار سوق العبادة الإسرائيلية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، لم يجادل مصنّفو الكتاب المقدس في الغالب بأن يهوه هو الإله الوحيد (انظر الاستثناءات المحتملة لذلك في الإصحاح الرابع من سفر التثنية وسفر إشعياء 40-48، وكلاهما محفوف بظروف استثنائية)، ولم ينسبوا إليه قوى جديدة.

بدلاً من ذلك، ومن أجل إقناع الناس أنه تجدر بهم عبادة “يهوه” حصريًا، قدموه على أنه يمتلك جميع صلاحيات الآلهة الأخرى.

جادل أنصار “يهوه” بنحو أساسي بأنه الإله الواحد الذي يعرض في مكان واحد جميع السلع والخدمات التي تقدمها الآلهة الأخرى مجتمعةً.

على سبيل المثال، كان “يهوه” محاربًا لا يُقهر (سفر الخروج 15) وخالقًا (سفر التكوين 1) وجالبًا للخصوبة (سفر هوشع 2) ورئيسًا للمجمع الإلهي (سفر صموئيل الأول 22:19) ومسيطرًا على الطقس والطبيعة (مزمور 29) بما في ذلك العناصر الشمسية (مزمور 19) حتى إنه اضطلع ببعض الجوانب الأنثوية النمطية مثل حمل الأطفال (سفر إشعياء 46).

التنين رمز مردوخ

وكان من الضرورري اعتماد مثل هذه الإستراتيجية التسويقية، لأن الرب إذا لم يكن قادرًا على تلبية جميع احتياجات الناس، فسوف يميلون إلى التسوق في متجر آخر. باختصار، استخدم مصنفو الكتاب المقدس قدراتهم في إقناع الناس بصرف عبادتهم إلى “يهوه” دون غيره.

وقد تعرضت تلك العبادة الحصرية المستهدفة بنحو خاص للتهديد بعد هزيمة الأمّة ونفيها على يد البابليين، وفي مواجهة الفشل الإلهي الواضح والنفي ومواجهة إله أسمى لنظام آخر امتد عبر الشرق الأوسط متمثلاً في مردوخ، كان على الكتاب المقدس أن يطور ذاته مرة أخرى.

فبينما أفَلَت الآلهة الأخرى (بمن فيها مردوخ وآشور) بعد سقوط أممهم، نجت عبادة “يهوه” وتوسعت في نهاية الأمر لتشكل أساس التوحيد العظيم في العالم.

في الواقع، كان خطابها ناجحًا للغاية لدرجة أن الدين التوراتي هو الدين الوحيد الذي لا يزال يُمارَس حتى اليوم من عالم الشرق الأوسط القديم، ومن أجل تحفيز استمرار العبادة الحصرية، كان على عبدة “يهوه” أن يقتنعوا بأنه متفوق على مردوخ، وأنه ما زال قادرًا على تلبية جميع احتياجاتهم، ومن حيث الجوهر، كان على قوة “يهوه” أن تتناسب عكسيًّا مع قوة شعبه، فمن أجل أن يستحق العبادة الحصرية في مثل هذه المنافسة، أُعيد صياغة “يهوه” كإله عالمي أسمى بلا منافس كوني، بدلاً من كونه مجرد إله أسمى للشعب الإسرائيلي، ثم صار إله إسرائيل هو الإله الأسمى للجميع وفي كل مكان (سفر إشعياء 40-48).

كانت لهذا السعي وراء العبادة الحصرية الإسرائيلية آثار مهمة أيضًا في المشهد الإلهي وتسلسله التدريجي، ففي بلاد ما بين النهرين، كانت للمشهد الإلهي 3 مستويات: 1) مردوخ أو آشور كإله أعلى، وهو بمنزلة إله شامل، 2) الطبقة الثانية من الآلهة المتعددة الكبرى ذات التخصصات النوعية المهمة مثل آلهة الشمس والطقس والبحر والموت، وجميعها يقرّ بسيادة الإله الأعلى، 3) وطبقة ثالثة من مختلف الآلهة الخادمة الصغرى.

وبهدف تكريس عبادة “يهوه” الحصرية، لم يكن في الكتاب المقدس مكان لمنافسين محتملين. وهكذا، حوّل خطابه إلى إقصاء آلهة الطبقة الثانية والآلهة الرئيسة التي امتلكت قدرات مهمة، مثل إله العاصفة بعْل، بحيث لم يبق سوى “يهوه” الإله الأعلى والآلهة الصغيرة (بما في ذلك الآلهة، وأبناء الآلهة، والمجلس الإلهي، والملائكة، والمُهلِك، والشاروبيم والسيرافيم). ومن أجل ضمان عدم تعرضهم لأي تهديد، لم يُمنَحوا أسماء أو شخصيات أو عائلات، ووُصفوا ببساطة من خلال أسمائهم الوظيفية أو الفئة ودرجة تبعيتهم لـ”يهوه”، وهم يعملون أساسًا كخُدام “يهوه” فحسب.

في نهاية الكتاب المقدس العبري وفي بدايات اليهودية والمسيحية، تسبب زخم سيادة “يهوه” في مزيد من التغيير في المجال الكوني. فقد مُنِحت فئة الآلهة الصغيرة المتباينة اسمًا، وهو الملائكة (حرفيًّا “الرسل”) على الرغم من أن معظم هذه الفئة ليس رسلاً (انظر قصة أبناء الله والملائكة في سفر دانيال 3: 25-28). ومن خلال القضاء على طبقة الآلهة الثانية وإعادة تعريف الطبقة الإلهية الأدنى، اختزل مصنّفو الكتاب المقدس فئة الآلهة في واحد، وهو يهوه، الذي صار (الله) بدلاً من مجرد إله.

ولأن الملائكة لم تعد تشكل تهديدًا ليهوه، فقد بدأوا يكتسبون شخصيات فردية، ما أدى إلى زيادة الاهتمام بالعالم الملائكي والشيطاني في أواخر عصر الهيكل الثاني، وأدى التحول إلى نظام الإله الواحد إلى انقسام في عصر الهيكل الثاني المتأخر نراه في الإصحاح السادس من سفر التكوين، وازدهار كامل في العهد الجديد المسيحي؛ فانقسمت الطبقة الإلهية الدنيا إلى ملائكة صالحين وملائكة أشرار أو شياطين (انظر، على سبيل المثال، متى 25، 41، وسفر الرؤيا 12: 7-9).. هذه الكائنات لا تقاتل من أجل السيادة في الجنة، بل على أرواح البشرية. وقد أسس هذا التطور الأخير الإطار الأساسي المشترك بين التوحيد المسيحي والإسلامي: إله واحد عالمي تتنازع ملكه شخصيات شيطانية.

 

المصدر
Asor

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى