تشارلي كوفمان

سطوة الخيال

“هل أملك أي أفكار أصلية في رأسي؟”.. بهذا التساؤل يبدأ “تشارلي كوفمان” حوار فيلم “Adaptation” (تكيُّف)، الذي أخرجه “سبايك جونز”. يبدو التساؤل عبثيًا عندما ننظر إلى الأفلام التي قدمها “كوفمان”، سواء ككاتب سيناريو فقط، أو ككاتب سيناريو ومخرج معًا، إذ إن أفكار “كوفمان” دائمًا كانت مدهشة وأصلية لا تشبه أحدًا.

أحدث أفلام “كوفمان” “I’m Thinking of Ending Things” (أفكر في إنهاء الأمور)، الذي يُعرض حاليًّا على منصة “نتفليكس”، وهو ثالث أفلامه كمخرج بعد “Synecdoche, New York” (نيويورك.. مجازًا) عام 2008، ثم “Anomalisa” (آنوماليزا) عام 2015.

في فيلمه الثالث تتضح بشكل أكبر المزيد من تفاصيل أسلوب “كوفمان” المميز، والذي يجعله من أفضل كتاب السيناريو في عصره.

كوفمان.. كاتب ومنتج ومخرج سينمائي أمريكي
شخصيات ينقصها شيء

تدور أحداث الفيلم عن فتاة يصطحبها حبيبها لدعوة عشاء مع أبيه وأمه في منزلهم الذي يقع في الريف خارج المدينة، وخلال هذه الزيارة تقع الكثير من التصرفات الغريبة من الشخصيات.

تدريجيًّا نتعرف على شخصية الفتاة، التي يتغير اسمها بمرور الأحداث، مع تغير الكثير من التفاصيل المتعلقة بها وحتى ملابسها، لكن هناك أشياء لا تتغير فيها.

منذ البداية نجد الشخصية مترددة بعض الشيء، تفكر في أنها يجب أن تقطع علاقتها بحبيبها “جيك”، بينما توافق في الوقت نفسه على الذهاب معه لملاقاة أسرته من باب الفضول، وفي الطريق نكتشف أنها غير حاسمة في مشاعرها نحوه على الإطلاق.

في المقابل، نجد جيك واثقًا من نفسه ومعلوماته، مثقفًا وحاضر الذهن، يجد بسهولة التعليق المناسب على الكثير من الأمور التي تذكرها الفتاة طوال الوقت، سواء كانت تلقي عليه أبيات شعر، أو تتحدث عن لوحات رسمتها، أو تعلق على مقطع من مسرحية غنائية، دائمًا يكون حاضرًا بتعليق في محله، لكننا -في النهاية- نكتشف الحقيقة، أو ما نظن أنه الحقيقة، وهي أن هذا الشاب المثقف الواثق من نفسه ما هو إلا مجموعة من الخيالات تدور على الأرجح في ذهن عامل نظافة وحيد في إحدى المدارس. على افتراض أن عامل النظافة هو نفسه “جيك”، فإن معلوماته وثقافته لم تصل به إلى شيء على الإطلاق، ولهذا تكون آخر خيالاته هي تسلُّم جائزة نوبل، وهو الأمر الذي لن يحدث في واقعه على الإطلاق. “جيك” ليس إلا شخصية أخرى لم تستطع أن تُحقق ما تصبو إليه داخل عوالم “كوفمان”.

فيلم Adaptation

لا يعد هذا غريبًا إذا نظرنا إلى الطريقة التي قدم بها كوفمان نفسه في فيلم “Adaptation”، إذ يقدم في هذا الفيلم نفسه كشخصية داخل الأحداث، بينما ينظر إليه المحيطون ككاتب مبدع وعبقري، يرى هو في نفسه كل النقائص، سواء من حيث الشكل أو حتى من حيث الإبداع الذي يجده طول الوقت بعيدًا عنه.

دائمًا ما تبدو شخصيات “كوفمان” بعيدة عن منالها، رغم أن المنال يبدو شديد القرب.

في “Synecdoche, New York” تتوافر لبطل الفيلم، المخرج المسرحي المبدع، الإمكانية لصناعة مسرحية ضخمة، وكلما شعرنا أنه يقترب من إتمام عمله، نجده يتفرع إلى المزيد والمزيد من التفاصيل المعقدة دون الاقتراب من النهاية، المشكلة ليست في الهدف، بل في الشخصية نفسها.

واقع أم خيال؟

في “أفكر في إنهاء الأمور” يختلط الأمر في البداية، إذ نشعر أن هناك شيئًا غرائبيًا يحدث داخل البيت، ملابس شخصية الفتاة تتغير فجأة، الأب والأم تتبدل أحوالهما من الشباب إلى العجز بين مشهد وآخر.

لاحقًا نفهم أن كل ما نراه يدور في خيال “جيك”، لكن هل يعني هذا أن ما نشاهده هو ذكرياته التي وقعت بالفعل؟ أم أمنياته لما كان يجب أن يكون عليه ماضيه؟ هل كل تفاصيل الفتاة التي كانت معه وُجدت في صديقاته بالفعل؟ أم أن جزءًا منها كان موجودًا، والجزء الآخر كان يتمنى حدوثه؟ هذا أمر لا يمكننا حسمه.

لكن يمكننا التأكد من أن حفل تسلمه جائزة نوبل هو محض خيال، وهو ما يؤكد عليه “كوفمان” بصريًّا بالمكياج المصطنع الذي تظهر به الشخصيات، ففي هذا المشهد يتراجع ماضي الشخصية وندخل في حدث متخيل بالكامل.

اختلاط الواقع بالخيال أمر آخر يميز أفلام كوفمان، فدائمًا ما نجد أن أفلامه كأنها تداعٍ للأفكار داخل رأس المؤلف دون التزام حقيقي بأبعاد العالم الواقعي.

فيلم "I'm Thinking of Ending Things"

يتجلى هذا في أبرز صوره في فيلم “Synecdoche, New York”، الذي ينتمي لنوع الواقعية السحرية بشكل واضح، وهو النوع الذي نجد فيه بعض التفاصيل الفانتازية داخل عالم يبدو واقعيًّا تمامًا.

في الفيلم يظهر عالم البطل “كيدِن” بشكل واقعي، لكننا نجد الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تندرج تحت بند الخيال، فنشاهده يقرأ بين حين وآخر مذكرات ابنته التي تركتها في البيت وهي طفلة، لكن المذكرات تُحدّث نفسها تلقائيًّا ليتابع من خلالها تفاصيل حياة ابنته وهي بعيدة عنه.

وفي مشهد آخر، نجد مؤلفة الكتاب الذي يطالعه تخاطبه مباشرة من خلال سطور الكتاب، ثم تظهر بجانبه لتواصل كلامها معه. كل هذا يحدث بشكل تلقائي كأنه طبيعي تمامًا وينتمي إلى عالم الفيلم، لكن -في الوقت نفسه- لا يوجد ما يمنع أن تكون بعض هذه التفاصيل تحدث في خيال شخصية “كيدن” فقط.

يصل جموح كوفمان مبلغه في “Adaptation”، بداية من تترات الفيلم، إذ نجد خيال كوفمان يمتزج بالواقع، فنقرأ في البداية أن الفيلم من تأليف كل من تشارلي كوفمان وشقيقه دونالد، بينما لا وجود -في حقيقة الأمر- لدونالد في الواقع، فهو ليس إلا توأمه المُتخيّل الذي يظهر داخل أحداث الفيلم.

يتجاوز هذا العمل خيال شخصياته إلى مزج شخصيات حقيقية بأحداث الفيلم. المفترض أن الفيلم مبني على كتاب حقيقي اسمه “The Orchid Thief: A True Story of Beauty and Obsession” (سارق الأوركيد: قصة حقيقية عن الجمال والهوس) للكاتبة سوزان أورلين، وتقوم ميريل ستريب في الفيلم بدور سوزان، ويتخيل كوفمان مسارًا مختلفًا لها بعيدًا عن الكتاب.

يمكننا أن نذهب إلى مساحة أخرى في البحث عن الخيال داخل هذا الفيلم. يكتب دونالد كوفمان داخل أحداث الفيلم سيناريو بعنوان “الثلاثة”، يتخيل فيه وجود قاتل وضحية وضابط شرطة، داخل أحداث فيلم بوليسي، لكنه يحاول أن يجعل الشخصيات الثلاث واحدًا، يسخر منه شقيقه تشارلي داخل الأحداث، ويخبره باستحالة أن يجعل الشخصيات الثلاث واحدة في النهاية.

من هذا المنظور تحديدًا، يمكن أن نعيد النظر إلى الفيلم، فماذا لو كان دونالد وتشارلي في النهاية هما شخص واحد، وكل ما يخص دونالد ليس سوى محض خيال تشارلي في السيناريو الجديد الذي يكتبه؟

يصعب فصل الخيال عن الواقع أو وضع حدود واضحة بينهما في أفلام تشارلي كوفمان، ويبقى مؤكدًا أن أفلامه هي من النوعية التي تحتمل إعادة المشاهدة، وتكسبها كل مشاهدة بُعدًا جديدًا، بينما تطرح في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول ماهية الخيال داخل الأحداث.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أندرو محسن

كاتب وناقد سينمائي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search