زوايا

“نحن نقصُّ”.. حلاق المصريين: من “مشروع طبيب” إلى “الرجل الكوافير”

مرت مهنة الحلاقة في مصر بالعديد من التغيرات على مرّ العصور، فلم يكن دور الحلاق أو “المزيّن” مقتصرًا على المتعارف عليه الآن من حلاقة الشعر، وإنما كان يعمل طبيبًا في الأحيان وجراحًا أيضًا.

وكانت بعض الوحدات الصحية في بعض القرى، تعطي الحلاق حقّ إصدار شهادات الوفاة، واختلفت أجرته كذلك بين الأرز والسكر و”دكر البط” في حالة العُرس، كما كان بعضهم يمر في الشوارع معلقّا المرايا على صدره، ويسمى “حلاق الشارع”.

الحلاقة تطهر من الأرواح الشريرة

في البدايات كان الحلاق أقرب ما يكون إلى الكاهن، فكانت مهنة الحلاقة في كثير من التجمعات البشرية القديمة تختص بتنقية النفس والتطهر من الأرواح الشريرة، من خلال قصّ الشعر، ما رسخ للحلاق دورًا أقرب إلى الطبيب الجراح، إضافة إلى مهنته الأساسية.

ولعل أقدم توثيق لدوره يعود إلى عصر المصريين القدماء، إذ كانوا يحلقون شعر رؤوسهم وذقونهم، وفقًا لدراسة أعدها الباحث المصري ناصر سنة، بعنوان “الحلاقون والجراحون.. قصة الانفصال”، نشرت في العددين 467 و468 من مجلة الفيصل السعودية، الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

أما حلق شعر الفرعون، فيُعد جزءًا أساسيًا من مراسم تنصيبه، ويتولى كبير الكهنة وحده هذه المهمة، بوصفه صاحب الحق في لمس شعر الفرعون، أمّا الحلاق المصري القديم الذي يتولى حلق شعر العامة، فكان متجولًا في الشوارع يحمل أدواته، وأهمها الموس، في سلة مفتوحة من القش، وبدأت رحلة الجراحة بالحلاقين.

ويشير الدكتور حسن حبشي، في كتاب “رحلة طافور في عالم القرن الـ15 الميلادي”، إلى الحلاق المتجول، أو حلاق الشارع، قائلًا: “وهناك طائفة معينة من الرجال يزرعون شوارع القاهرة جيئة وذهابًا، وقد ثبتوا المرايا إلى صدورهم، هم الحلاقون الذين يحلقون رؤوس المسلمين ويزينون وجوههم، ويمرون في الشوارع، منادين على صناعتهم، وكذلك بعض السود الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والـ12 وهم يصيحون: (من يريد الزيانة)، وهؤلاء يخدمون النساء اللائي يردن النظافة سرًا في الحمامات”، ويقال إن بعض الناس كانوا يحلقون في الحمامات العامة قبل الاستحمام.

أما الدكتور قاسم عبده قاسم، فيروي في مؤلفه “عصر سلاطين المماليك”، أن “بعض الحلاقين كانوا يهذبون الشوارب والذقون للناس في المساجد والجوامع، ما أثار سخط المتدينين من معاصريهم”.

كيف كان شكل دكان الحلاقة سابقًا؟

في كتاب “القاهرة وما فيها”، يقول الكاتب مكاوي سعيد إن “الزيانة هي الحلاقة، وفيما مضى كان يطلق على الحلاق لقب (المزيّن)، وهو لقب أشمل وأعم، لأنه لا يقص الشعر فقط، ولكن يجري أعمال التجميل كافة”.

يصف كتاب “حرافيش القاهرة” لعبد المنعم شميس، حال الحلاقين بقوله: “كانت دكاكينهم وحوانيتهم تتميز بالنظافة، وعلى الباب ستارة من الخرز الملون، وبداخل المحل عدد كبير من المرايا الثمينة، وبه كرسي ذو مسند علوي ترتكز عليه مؤخرة الرقبة، ويساعد المزين صبي كل وظيفته أن يمسك بيده منشفة من الخوص يهش بها الذباب إذا حاول الاقتراب من وجه الزبون، هذا في الشتاء، أما في الصيف كان يستبدل بها مروحة من الخوص للغرض ذاته”.

ولُقّب المزين أيضًا بـ”الأسطى”.. وكانت من بين الأسماء المتداولة آنذاك الشيخ والمعلم، ثم بدأ بعض أصحاب الحرف والتجار يفاخرون بلقب الحاج، لكنه كان يستلزم وثيقة من شريف مكة، تشهد بأنه أدى شعائر الحج.

وفي بعض الأحيان كان يستدعى المزين إلى البيوت لحلاقة رؤوس وذقون الباشاوات والتجار المتيسرين والمرضى، فكان يذهب إليهم في الصباح الباكر قبل فتح دكانه، وهو يعتلي حماره، ويضع أدواته في “خُرج” على ظهر الحمار، وهذه الأدوات كانت توضع في حقيبة جلدية منفوخة كانوا يطلقون عليها “الشنطة المنفاخ”، ويحضر معه أيضًا طستًا من النحاس له فتحة على شكل نصف دائرة يضعها على رقبة الزبون، والطست تحت رأسه، ويمسكها الحلاق بكلتا يديه حتى إذا ما اشتغل بذقن الزبون يلقي بالصابون بداخله، وبعد الحلاقة تغسله الخادمة وتجففه وتلمعه، بينما المزين يفطر أو يحتسي القهوة، وفقا لـ”شميس”.

من البيتلز لـ”الكانيش”.. موضة قصات الشعر

وكما هو الحال الآن، كانت طريقة قص الشعر تتغير دائمًا فيما يشبه التقاليع أو الصيحات (الموضات).

ويحكي مكاوي سعيد، في كتابه ما كان يحدث، بقوله: “أتذكر في طفولتنا كانت موضة الشعر السائدة آنذاك هي الطويل المسترسل كشعور الفرقة البريطانية الشهيرة (البيتلز)، وترجمتها فرقة (الخنافس)، لذا كان من يقلدونهم يطلق عليهم (الخنافس)، وتنهال عليهم السخرية عند مرورهم بالأحياء الشعبية”، مؤكدًا: “وقد قبض على بعضهم بتهمة معاكسة البنات، وجرسوا وقصوا شعورهم “على الزيرو”، ثم عقب ثورة الشباب في أوروبا وأمريكا عام 1968، انتشرت الهيبية، أو ما يطلق عليه الشباب (الهيبيز)، وهي حركة شبابية مناهضة للقيم الرأسمالية نشأت بالولايات المتحدة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ثم ما لبثت أن اجتاحت العالم، وبدأ ظهورها بين طلاب بعض الجامعات في أمريكا كظاهرة احتجاج وتمرد على قيادة الكبار ومظاهر المادية والنفعية وثقافة الاستهلاك، وميزوا أنفسهم بإطالة الشعر ولبس الملابس المهلهلة والفضفاضة والتجول والتنقل على هواهم في مختلف الأنحاء كتعبير عن قربهم من الطبيعة وحبهم لها، وقلدهم شبابنا بترك شعورهم دون قص أو تهذيب وبارتداء ملابسهم دون غسل ولا نظافة”.

ويقال إنه في أثناء حرب الاستنزاف تخصصت مجموعة من هؤلاء الشباب في الوقوف أمام محل اسمه “آلامريكين”، ومعناه “على الطريقة الأمريكية”، ويقع بنهاية شارع سليمان باشا في وسط البلد، و”كانوا يعاكسون البنات في الرايحة والجاية”، بحسب نص الكتاب، وقد كتبت عنهم بعض الصحف، فكلف الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر وزير الداخلية بالقبض عليهم وقص شعورهم على الطريقة المعتادة “على الزيرو”، مع إرسالهم إلى الجبهة لتلقي تدريبات الـ45 يومًا الأولى القاسية التي يكلف بها الجندي في بداية تجنيده، والتي تخلق منه رجلًا قادرًا على تحمل الصعاب.

ثم بعد ذلك ظهرت تقليعة الشعر المفلفل المسماة “الكانيش”، نسبة إلى الكلب الكانيش الذي يتميز بشعره المجعد، وهناك بعض الموضات التي لم تستمر طويلا كالحلاقة الإنجليزي، وهي حلق الرأس بالكامل عدا الخصلة الأمامية، ويبدو أن الإنجليز في معسكراتهم أيام الاحتلال كانوا يحلقون هكذا فقلدهم بعض عمال “الأورنس”، فانتقلت إلى العامة، حتى عشقها وتسمك بها جامعو القمامة وصارت علامة تميزهم، فهجرها الجميع.

“قصة البطيخ”.. مربع تهوية في رأس الزبون

كما ظهرت موضة حلاقة الرأس بالكامل على طريقة الممثل الأمريكي “يول بيرنر”، بطل فيلم “العظماء السبعة”، ولم تنتشر في البداية على نطاق واسع لكنها عادت بقوة في السنوات الأخيرة.

ومؤخرا انتشرت كرات الشعر الضخمة، وقصة الشعر التي مثل “تندة البلكونة”، كما وصفها مكاوي سعيد، ثم الإبداع الحقيقي الشعر المصعوق كهربيا، يقول المؤلف: “وقد سألت أحد الحلاقين عن أسماء هذه القصات فقال لي: إنه لا يعرف الأسماء فالزبون يفتح الموبايل ويريه الممثل أو لاعب الكرة الذي يرغب الزبون في قص شعره، وهو يقص طبقا للنموذج”.

ويشير الكاتب إلى أنه “من القصات القديمة التي لم ترجع، المسماة (شقة البطيخ)، وكانت معروفة عند أولاد البلد في أربعينيات القرن الماضي، فكما كان باعة البطيخ يشقون البطيخة بالسكين، بحيث يكون شقها في خطوط متوازية تخرج من قلبها مربعا حتى يرى الزبون إن كانت حمراء أو بيضاء، ثم يتذوقها ليتأكد من أنها حمار وحلاوة، كان يزال الشعر من أعلاه بالموس حتى يصبح كالمربع، ثم يذهب الحلاق بقية الشعر بماكينة الحلاقة، ويقال: إن هذا المربع يحدث تهوية في الدماغ في فصل الصيف”.

أحاديث دكان الحلاقة.. حوارات ساخنة “تودي في داهية”

وفي محال الحلاقة تدور العديد من الحوارات والأحاديث بين الحلاق والزبائن، أو مع بعضهم، ويسلط الدكتور أسامة الفقي، في مؤلفه الصادر عام 2012، تحت عنوان “على كرسي الحلاق حكايات من الواقع المصري”، الضوء على ذلك في صورة قصصية، قائلا: “حرص والدي منذ صغري أن يصحبني معه إلى صالون عم عبده الحلاق بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، ودائما ما تكون الأعداد المنتظرة لدورها غفيرة والانتظار مملا، إلا على أبي الذي يجد في هذه الجلسة فرصة مجانية لتبادل الحوارات الساخنة والباردة مع عم عبده والزبائن المنتظرين، حوارات في أي شيء وكل شيء يتبعها في العادة ضحكات أو صرخات وغالبا قهقهات”.

ويتابع المؤلف على لسان قاص الرواية: “كان ينتابني أثناء جلوسي على كرسي الحلاق الساحر كثير من حالات العجب الشديدة، نتيجة لبعض التصرفات أو الحوارات المختلفة، منها العجيبة ومنها اللطيفة، ومنها اللي يودي في داهية”، في إشارة إلى الحوارات التي تتناول القضايا السياسية.

وبعد أن ينتهي الحلاق من عمله، كانت الكلمة المشهورة التي يقولها للزبون “نعيمًا”. يتحدث عنها المؤلف: “تكون أفضل ما أسمعه في ذلك المكان، وعندئذ تنهمر عليّ كلمة (نعيمًا) من كل الجالسين وهم مبتسمون، وأنا لا أعلم بماذا أرد عليها، إلا أن أوزع عليهم ابتسامة مصطنعة”.

ويصف الفقي الحال التي وصل إليها أحد الحلاقين، من التحدث في الأمور الدينية، بقوله: “كان يتحدث بلهجة تفوق مفتي الديار، إن هذا الرجل يفتي ويشرح الدين في غفلة من الزمان، شعرت أنه يسعى جاهدا ليشغل منصب مفتي المزينيين، وشيخ مشايخ الحلاقين”.

ختان الأطفال في الموالد الدينية

لم يكن دور الحلاق مقتصرًا على ما نعرفه حاليًا من قص شعر الرأس والذقن؛ إذ تعدى الأمر أكثر من ذلك، يقول الدكتور قاسم عبده قاسم، في مؤلفه “عصر سلاطين المماليك”: “وفي مجال الزينة الشخصية لعب المزين أو الحلاق دورًا هامًا في المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، ويبدو أن المزين كان يقوم بأعمال غير تلك التي كان الحلاق يقوم بها، فثمة إشارة واضحة تفرق بينهما”.

وذكر عبد الوهاب السبكي في كتابه “معيد النعم ومبيد النقم”، أن من الناس من يأتي المزين ليثقب أذنيه ويضع فيهما حلقتين، كما يفهم من بعض الروايات أنه كان يختن الأطفال أيضا، أما الحلاق فيتولى قص الشعر وتهذيب الشوارب والذقون.

ويسلط صاحب كتاب “حرافيش القاهرة”، الضوء على الأعمال الأخرى للحلاقين أو المزينين، بقوله: “كان هناك بعض المزينين تخصصهم ختان الأطفال، ويتحركون بين الموالد الدينية، حيث يؤجرون دكانا لمدة المولد، ويضعون أدواتهم بداخله ويسدلون على بابه ستارة بيضاء كبيرة لتستر من بالداخل، ولا يتقاضون أجرا من الفقراء، ولا يحددون أجرا للأغنياء، وكان الأغنياء يمنحونهم أجورًا تناسب وجاهتهم الاجتماعية وأسماء عائلاتهم، ولأنهم يعلمون أن المزين لا يأخذ أجرًا من الفقراء كانوا يمنحونه بسخاء تعويضُا له”.

وفي المقابل، كان هناك أيضا مجموعة من المزينين لا يستطيعون إيجار الدكاكين، فكانوا يختارون إحدى الأشجار الضخمة المسماة بـ”أم الشعور” ويمارسون عملهم تحتها.

زفة المطاهر وزغاريد النساء

وكان لـ”المطاهر”، وهو الطفل المختون، زفة مثل التي تكون في الأفراح بالقاهرة. وكانوا يقدمون بالغلام إلى دكان المزين أو الحلاق ويعودون به إلى بيته، وكانت هذه الزفة تتم في الموالد الشعبية، ولها طقوس ترتبط بالعادات والتقاليد القاهرية؛ فكان أطفال الأغنياء يركبون عربات الحنطور ومعهم أهلهم من النساء والرجال حتى يصلوا إلى الدكان، أما أبناء السوق يذهبون إلى الدكان مشاة على أقدامهم، ثم يجري المزين عمله وتعلو زغاريد النساء، وكان هؤلاء المزينون مهرة في صناعتهم حتى أنهم لم يكونوا معروفون بأسمائهم، كأن يقال هذا مزين الإمام الشافعي أو السيدة زينب أو سيدنا الحسين، فكانت النسبة إلى الأولياء والأحياء لا إلى الأسماء، وفقا لعبد المنعم شميس.

الحلاق بيدي حقن ويربط كسور!

جانب آخر من عمل الحلاق، تمثل في كونه “حكيما” أو طبيبا، يكشفه لنا الدكتور محمد عبده غنيم في مؤلفه “العادات والتقاليد في دلتا مصر” بقوله: “الحلاق شغلته الحلاقة وبيدي حقن ويربط جروح وكسور جنب مسألة الطهارة، والطهارة بتكون يا إما في المحل بتاع الحلاق أو في بيته أو في بيت المطاهر، لكن زمان كان ممكن الحلاقين يتجمعوا في شارع وكل اللي عايز يطاهر يجي الشارع ده، ويعمل لهم مرة واحدة في يوم واحد، وكان أجرتهم شلن”.

أما عن الأجرة الخاصة بحلاقة الشعر، فكان المزين أو “الحلاق” يأخذ نقودا أو أشياء عينية مثل الأرز والبيض والسكر، و”دكر بط”؛ إذ كان يحلق لـ”عريس”، وتجرى الحلاقة للأخير عادة في منزل أبيه، أو أحد أصدقائه أو أقاربه، بمثابة مجاملة “نقوط” للعريس، أو يذهب الأخير إلى مكان المزين، ومعه بعض الأصدقاء.

وفي السياق ذاته، يحكي “غنيم” على لسان أحد الأشخاص في قرية ما ما يحدث يوم حنة العريس، بقوله: “في يوم الحنة العريس يجهز نفسه بيستحمى الأول بصابون ريحته حلوة ويروح للحلاق، لكن الغالبية الحلاق بيجيله في البيت، وبيكون معاه شنطة فيها كل حاجة، وكولونيا خمس خمسات أو سبرتو”.

وفي شأن الأجرة أيضًا، يقول مؤلف كتاب “عصر سلاطين المماليك”: “وتشير كتب الحسبة إلى وجوب الاتفاق على الأجرة مما يشير إلى أنه لم تكن هناك تسعيرة ثابتة أو أجر متعارف عليه لمثل هذه الأعمال”.

الحلاق يسجل حالات الوفيات بالقرى

تعدد الحرف التي أتقنها الحلاقون في مصر، جعلت علماء الحملة الفرنسية يقولون عنهم في كتابهم “وصف مصر – المصريون المحدثون”: إنهم يعدون الأمهر في العالم كله، وهم يتفوقون على نظرائهم في العالم في حلاقة شعر الرأس بالموس”.

ونستطيع أن نتبين المكانة التي كان يتمتع بها الحلاق سابقا في مصر، من خلال ما ذكرته الدكتورة نجلاء عاطف، في مؤلفها “في علم الاجتماع الطبي”؛ إذ تقول تحت عنوان “نماذج الممارسات العلاجية الشعبية في المجتمع المصري”، إن الشواهد تدل على أن الأشخاص الذين يمارسون العلاج الشعبي بالأساليب والأدوات والمفاهيم الشعبية لا يوقفون حياتهم على مهنة العلاج فقط، وإنما يجمعون بينها ومهنة أخرى أو وضع اجتماعي آخر، ويتجسد هذا النموذج في “حلاق الصحة” أو “حلاق القرية”، الذي يمارس إلى جانب الحلاقة بعض العمليات الطبية، مثل خلع الأسنان والحجامة والختان وإعطاء الحقن والنصائح الطبية وبيع بعض الأدوية.

ووفقا للمؤلفة في كتابها الصادر عام 2006، كان الحلاق حتى عهد قريب يؤدي بعض المهام التي تجريها المؤسسات الصحية الرسمية كـ”التطعيم وتسجيل حالات الوفيات في القرية”، وقد يحقق حلاق القرية في بعض الأحيان مستوى عالٍ من الشهرة ويذيع صيته خارج نطاق قريته، بسبب كفاءته في بعض أعمال العلاج الشعبي الطبي، مثل الكي أو التجبير أو الحجامة وما إلى ذلك، ومن ثم يتوافد إليه جموع عديدة من المرضى من القرى المحيطة به كافة، ويصبح وكأنه أشبه بـ”عيادة الطبيب”.

ومما يؤكد أهمية دور الحلاق في العصور السابقة، ما ذكرته مجلة مصر الحديثة، في عددها الثالث الصادر عام 2004، أنه كان “إذا شك الحلاق أن وفاة شخصا غير طبيعية كأن تكون بفعل فاعل أو نتيجة الإصابة بالوباء فعلى الفور يجب أن يحضر الحكيم بنفسه لكي يبت في الأمر، ومن ناحية أخرى على المغسلين واللحادين ألا يتعاملوا مع الجثث إلا بناء على تذاكر مختومة من شيخ البلد والحلاق والحكيم”.

ومع ظهور الأطباء بدأت سلطة الحلاق تتهادى، حتى اقتصرت حاليا على حلاقة الشعر فقط، وسلط كتاب “الفرد والمجتمع في مصر في العصر العثمانلي”، الصادر عام 2005 من الجمعية المصرية للدراسات التاريخية؛ إذ ذكر أنه “كان لظهور الحكيم أثر على الحلاق؛ فبظهوره لم يعد الأخير يمارس عمله بحرية تامة بل حددت اختصاصاته وحجمت واقتصرت”.

تجدر الإشارة هنا إلى عادة كانت مستمرة إلى وقت ليس ببعيد، من سنوات قليلة فقط، وربما لازالت موجودة في بعض الأرياف المصرية، وهي جمع الحلاق ما يسمى بـ”النقطة” في حنة العريس، ذكرتها ثريا إبراهيم علي في كتابها “العروس تزيينها وتجميلها في الفنون الشعبية”، بقولها: “في الحنة الحلاق يلف عليهم يلم النقطة.. ويقولوا شوبش یا فلان”.

المراجع:

دراسة بعنوان: “الحلاقون والجراحون قصة الانفصال”، نشرت في العددين 467 و468 من مجلة الفيصل السعودية، الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

كتاب حرافيش القاهرة – عبد المنعم شميس.

كتاب القاهرة وما فيها – مكاوي سعيد.

كتاب على كرسي الحلاق – د. أسامة الفقي.

كتاب العادات والتقاليد في دلتا مصر – د. محمد عبده غنيم.

كتاب عصر سلاطين المماليك – د. قاسم عبده قاسم.

كتاب نماذج الممارسات العلاجية الشعبية في المجتمع المصري – د. نجلاء عاطف.

كتاب رحلة طافور في عالم القرن الخامس عشر الميلادي – الدكتور حسن حبشي.

كتاب العروس تزيينها وتجميلها في الفنون الشعبية – ثريا إبراهيم علي.

معاذ سعد فاروق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى