وجهات نظر

تعزيز نفوذ.. تحولات “القاعدة” في الساحل الإفريقي

خطوات هامة خلال الفترة الماضية، قام بها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، صاحب النفوذ الواسع في منطقة الساحل الإفريقي، في إطار تعزيز وجوده على الساحة الإفريقية، التي يعتبرها منطقة نفوذ ضرورية.. كان آخر تلك الخطوات سعيه للوصول إلى منطقة خليج غينيا، وهي واحدة من المناطق الحيوية جغرافيا واقتصاديا، ما سيجعله التنظيم الأوسع انتشارا على مستوى العالم من الناحية الجغرافية والأكثر تهديدا للأمن في مناطق شمال وغرب إفريقيا، وهو ما كشفت عنه تصريحات رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية، برنار إيمييه، في الأول من فبراير الماضي، والتي قال فيها إن تنظيم “القاعدة” بمنطقة الساحل يعد حاليا “مشروع توسع” باتجاه خليج غينيا، خصوصا كوت ديفوار وبنين.

تأتى تلك الخطة بعد نجاح التنظيم في تجاوز أزمة القيادة، التي ظلت قرابة خمسة أشهر، بعد مقتل زعيمه عبد المالك دروكدال، إثر عملية عسكرية نفذتها وحدة من القوات الخاصة الفرنسية بشمال غرب منطقة تساليت في مالي، قرب الحدود مع الجزائر، حيث أعلن التنظيم في 22 نوفمبر 2020، تعيين القيادي البارز مبارك يزيد، المعروف بأبو عبيدة يوسف العنابي، 51 عاما، والمعروف بخبرته التنظيمية والإعلامية، زعيما جديدا له، رغم أنه لم يكن من القيادات المرشحة لهذا المنصب، ما يطرح تساؤلا حول أهم الأبعاد المحتملة لتلك التحولات التي قام بها التنظيم في بلاد المغرب الإسلامي. 

الانفراد التنظيمي

بات من الواضح أن تنظيم القاعدة في منطقة الساحل والصحراء يسعى منذ سنوات عدة إلى صدارة المشهد الجهادي العالمي، بدأها بشكل غير مباشر بطرح نفسه كبديل لتنظيم “القاعدة الأم”، محاولا استغلال حالة التراجع والانحسار، التي يعانيها منذ سنوات بشكل ملحوظ، وذلك عبر مجموعة من الخطوات، بدأها في مارس 2017 بإعلان تأسيس جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، التي حاول من خلالها استعراض قدرته على عقد التحالفات التنظيمية الواسعة، وما أعقب هذه الخطوة من تركيز على أخبار قيادات القاعدة في بلاد المغرب وإنجازاتهم العسكرية والتنظيمية، على غرار “إياد أغا غالي”، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وأمادو كوفا، زعيم حركة تحرير ماسينا، التي تعبر عن عرقية الفولاني وإحدى أهم مكونات جماعة نصرة الإسلام، إضافة إلى مختار بلمختار، القائد التنظيمي المخضرم وصاحب الشهرة الواسعة في الساحل الإفريقي.

وتكشف هجمات التنظيم، عبر ذراعه القوية “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، رغبة التنظيم في تصدر مشهد الإرهاب بالساحل الإفريقي، من خلال شن هجمات غير تلقيدية نوعيا وتوقيتا، حيث إن مثل تلك النوعية من الهجمات تعد إحدى مؤشرات القوة والنفوذ عند التنظيمات الإرهابية، على غرار الهجوم الذي كشف عنه بيان الجماعة في 12 فبراير 2021، والتي قالت فيه إنها اكتسحت موقعا عسكريا للقوات المالية في منطقة بوني وسط البلاد، ما أسفر عن مقتل 15 جنديا، إضافة إلى استيلائها على العديد من الأسلحة والمعدات، وجاءت تلك العملية قبل أيام من قمة “فرنسية- ساحلية” يومي 15 و 16 فبراير الماضي في نجامينا، عاصمة تشاد، لتقييم ما وصلت إليه الحرب على التنظيمات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل. 

تحولات لافتة

وفي سبيل محاولة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي لتصدر المشهد الجهادي والانتشار المتسارع بالقارة الإفريقية، أقدم على مجموعة من التحولات اللافتة، يمكن تحديد أبرزها في:

توسيع النفوذ

كثف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب خلال الأشهر الماضية انتشاره الجغرافي، وهو ما برز عبر محاولات مذ نفوذه إلى بوركينافاسو وكوت ديفوار، ثم قيامه مؤخرا بالتوجه نحو ساحل خليج غينيا، إلى جانب وجوده التقليدي في كل من النيجر ومالي وتشاد وجنوب الجزائر، معتمدا في ذلك على تحالفاته التنظيمية والقبلية، وهو ما كشف عنه إعلان وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، في 30 أكتوبر 2020، بأن القوات الخاصة الفرنسية تمكنت من قتل 50 من عناصر تنظيم القاعدة في مالي، تحديدا في منطقة قريبة من بوركينا فاسو، خلال محاولتهم التسلل إلى مناطق جديدة لتدعيم نفوذ التنظيم بها، ما يشير إلى الطموح القاعدي المتصاعد لجعل منطقة الساحل والصحراء بوابة للعبور إلى غرب ووسط إفريقيا، لا سيما في ظل تولي قيادة جديدة (يوسف العنابي) معروفة بنزوعها الشديد نحو السيطرة على كل المجموعات المسلحة التي تنشط في المنطقة، حتى يتمكن التنظيم من تحقيق أوسع انتشار جغرافي ممكن داخل القارة السمراء، ما سيؤدي بشكل تلقائي إلى تزايد وتيرة هجمات التنظيم مستقبلا، وهذا يعنى أن المنطقة قد تشهد موجة قادمة من الإرهاب يكون من الصعب السيطرة عليها.

استعراض القوة

كشفت الخطوة التي قامت بها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في 11 أكتوبر 2020، بالإعلان عن احتفالية كبيرة نظمتها الجماعة احتفالا بالإفراج عن 200 من عناصرها كانوا معتقلين لدى الحكومة المالية، بينهم القيادي الموريتاني إبراهيم ولد حمود، وذلك في إطار صفقة تبادلية أفرجت الجماعة بمقتضاها عن زعيم المعارضة المالية، سوميلا سيس، والرهينة الفرنسة صوفي بيترونين، وإيطاليين اثنين، ومن اللافت أن الحفل قد حضره عدد من قادة الجماعة، على رأسهم “إياد أغا غالى”، زعيم الجماعة، والذى حرص على الظهور وهو يستقبل عناصر الجماعة المفرج عنهم وسط حشد من أنصاره، ما يكشف رغبة التنظيم في استعراض قوته بأنه الوحيد القادر على تهدئة الأوضاع في شمال مالي، وأن كل المحاولات السابقة للقضاء عليه، سواء من قبل جيوش المنطقة أو قوة الساحل المشتركة التي تقودها فرنسا، لم تؤت ثمارها.

تزايد النشاط الإعلامي

وكمحاولة من “القاعدة” لتعزيز وجوده الإعلامي بين التنظيمات المتطرفة، ظهرت صحيفة “ثبات” الإلكترونية، المحسوبة على التنظيم، والتي صدر العدد الأول منها في 23 أكتوبر 2020، ومن اللافت للنظر أن صدور الصحيفة تزامن مع تولى “يوسف العنابي” زعامة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، حيث يعد واحدا من أصحاب الخبرة الكبيرة في المجال التنظيمي والإعلامي، إضافة لتصدرها أخبار التنظيم في المغرب العربي لصدارة صفحاتها، ما يشير إلى أن الفترة القادمة قد تشهد تصاعدا كبيرا في مجال الإعلام بالنسبة للتنظيم، بالتوسع في الإصدارات الإعلامية وتنوعها، خاصة الأفلام الوثائقية التي تبرز قوة التنظيم ومكانته، إضافة الى تناول سيرة رموز التنظيم وقيادته الفكرية.

محاصرة نفوذ داعش

شهد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تحولا خلال الفترة الماضية، وهو التحول في أولوية العداء، وهو ما يطلق عليه في أدبيات التنظيمات الإرهابية “التغير في سلم المعاداة”، حيث إنه من المتبادر للذهن أن الأولوية في العداء ستكون للقوات الأجنبية أو الحكومية في تلك المنطقة، لكن في ظل المنافسة الشرسة مع تنظيم داعش، تحول هذا العداء لتكون الأولوية في شن الهجمات ضد المجموعات الداعشية، سعيا وراء النفوذ والانتشار في الساحل الإفريقي، ما أدى إلى سقوط العديد من القتلى من الطرفين، ليبقى الصراع سمة رئيسة للعلاقات بين التنظيمين، لا سيما بعد أن أعلن أبو الوليد الصحراوي، زعيم داعش أو ما يعرف بولاية “الصحراء الكبرى”، أن تنظيمه مصمم على وضع حد للنفوذ القاعدي المتزايد في الساحل والصحراء، وهو ما قابله تنظيم القاعدة بمجموعة هجمات ضد معاقل داعش في الصحراء الكبرى.

أخيرا.. على ضوء ما سبق، يمكن القول إن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في ظل وجود قيادته الجديدة المعروفة بنزوعها للسيطرة والاستحواذ، سيسعى خلال الفترة القادمة إلى تقديم نفسه على أنه بديل القاعدة الأم، خاصة إذا ما تم الإعلان عن وفاة أيمن الظواهري أو مقتله، وهو ما سيفرض على التنظيم العمل على تعزيز وجوده في منطقة الساحل والصحراء، وتوسيع تحالفاته مع المجموعات المسلحة الأخرى، تزامنا مع العمل على إقصاء تنظيم داعش من المشهد، ما يعني تصاعد المواجهات بين الطرفين خلال الفترة القادمة، لتصبح المنطقة على أبواب موجة جديدة من العنف.

علي بكر

باحث في شؤون الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى