زوايامختارات

تغريدة الخروج.. السودان ينتظر وعد ترامب بمكاسب مشروطة

 

عقِبَ تسريباتٍ صدرت عن مكتب رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، عبر مقربين مِنه، تفيد أن الرئيس الأمريكي على وشكِ إطلاق تغريدة على “تويتر” تقضي بشطبِ اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع العقوبات المفروضة عليهِ تبعًا لذلك، أنفق معظم السودانيين ليلة 18 أكتوبر/ تشرين الأول، كامنين داخل وفي محيط صفحة الرئيس الأمريكي بموقعِ التواصل الاجتماعي الشهير، حابسين أنفاسهم بانتظارِ تغريدة الخلاص، إلّا أنّ الرجل لم يفعلها تلك الليلة، ما اضطرهم إلى قضاء يوم آخر في ضيافته حتى تلطّف بهم ورقّ قلبه، فغرّد وأطرب بإعلان رفعه المشروط للعقوبات.

ترامب وتويتر

بتغريدة أحسن منها

رغم الفرحة العارمة التي عمّت بين السودانيين إثْرَ تلك التغريدة، فإنها لم تحقق ما كانوا يأملونه، فقد اشترطت التغريدة على الحكومة الانتقالية السودانية دفع مبلغ 335 مليون دولار تعويضات لعائلات الضحايا الأمريكيين  الذين قضوا أو أصيبوا من جراء حادثي تفجير سفارتي الولايات المتحدة في عاصمتي كينيا وتنزانيا في أغسطس/ آب عام 1998 ما أسفر عن مقتل 213 شخصًا في نيروبي و11 في دار السلام، وحادث المدمرة الأمريكية كول بميناء عدن جنوب اليمن 12 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2000 الذي أودى بحياة 17 بحارًا أمريكيًّا وإصابة أكثر من 36 منهم.

وفي موقع التواصل الاجتماعي نفسه، خفّ رئيسا مجلسي السيادة والوزراء بالسودان على عجل، للرد على تغريدة الرئيس الأمريكي بـ”أطرب” منها، شاركهما ذلك نائب رئيس مجلس السيادة ووزراء وسياسيون وناشطون، ما أضفى على “تويتر” للمرة الأولى زخمًا سودانيًّا غير معهود، إذ يُفضِّل مُعظم السودانيين التواصل عبر “فيس بوك”.

الانتظار مُجددًا

يقول المحلل المالي والاقتصادي محمّد عبد القادر لـ”ذات مصر”: رغم إعلان محافظ البنك المركزي تلقيهِ خطابًا من مدير مكتب العقوبات بوزارة الخارجية الأمريكية يفيد تأكيد إنهاء كل العقوبات الاقتصادية على السودان بموجب الأمرين التنفيذيين 13067 و13412، الصادرين في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017، فإنّه من وجهة نظري يبدو الأمر أكثر تعقيدًا مما ذهب إليه المحافظ، فالقانون الأمريكي ينص على ضرورة إخطار الكونجرس بالقرار لمراجعته في غضون 45 يومًا، ومن ثمّ الإعلان النهائي عنه من الرئيس، دون الحاجة إلى تصويت، وبالتالي فإنّ على الحكومة السودانية، التي قالت إنها سددت المبالغ المطلوبة فورًا، الانتظار شهرًا ونصف الشهر للإعلان رسميًّا عن رفع العقوبات.

وزيرة المالية، هبة محمد

يضيف عبد القادر: “ظنِّي أن رفع العقوبات لن يأتي بحلولٍ سحرية لإنعاش الاقتصاد السوداني الذي يعاني حالة موت سريري، فمن قبل كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أصدر أمرين تنفيذيين في 13 يناير/ كانون الثاني 2017 يقضيان برفع جزئي لبعض العقوبات، ودخلا حيز التنفيذ في يوليو/تموز من نفس العام، إلا أن الأوضاع الاقتصادية لم ترواح مكانها، بل وتدهورت على نحو مطَّرِد وسريع، لغياب الرؤى والخطط الاقتصاديّة الواضحة وعدم تمكن الحكومة من السيطرة على الفساد وعجزها عن الدفع قُدمًا بعجلة الانتاج، ما أصاب الاقتصاد السوداني بشلل تام، ولم يستطع النهوض على قدميه حتى الآن.

صحيح أن رفع العقوبات له فوائد ومزايا كبيرة، لكن ذلك على المستوى النظري فقط، وإنْ لم تحدث استفادة من ذلك عمليًّا، فإن الآمال ستظل مُعلَّقةً على تغريدة لا تُسمِن ولا تغني من جوع”، على حد تعبير عبد القادر.

طوابير الخبز في السودان

استقرار سياسي وعودة إلى المجتمع الدولي

من ناحيته قال الباحث السياسي والاقتصادي يوسف إبراهيم لـ”ذات مصر”، إن رفع العقوبات سيتيح للحكومة الاستفادة من 30 مليار دولار قيمة الأصول السودانية المُجمَّدة في الولايات المتحدة، فضلاً عن فك القيود عن التحويلات المالية، والسماح بالتعامل مع المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، ما سيوفر سيولة كبيرة من النقد الأجنبي بالبلاد التي تعاني نقصًا حادًّا في هذا الجانب، وتدهورًا غير مسبوق في قيمة العملة المحليّة، وغلاءً فاحشًا في أسعار السلع الاستهلاكية اليومية، حتى بات 40 مليون سوداني يعيشون على حافة مجاعة وشيكة، فلا خبز ولا كهرباء ولا ماء ولا وسائل نقل ولا إنتاج.

حمدوك، رئيس الوزراء السوداني

وبناء عليه -يواصل إبراهيم- فإنّ هذه الخطوة تُعتبر انتصارًا كبيرًا للحكومة الانتقالية يُضاهي توقيعها على “اتفاقية جوبا” للسلام مع حركات الكفاح المسلّح التي كانت تُعارِض وتُحارب النظام السابق، على أنّها ستحدث نوعًا من الاستقرار السياسي في البلاد، ما يُمكّن الحكومة من أداء وظائفها وتنفيذ برامجها الاقتصادية، والسيطرة على السوق السوداء للعملات الأجنبية التي ينشط فيها منسوبو النظام البائد من الإخوان، ولا يدخرون جهدًا لإضعاف الحكومة بخنقها اقتصاديًّا، تمهيدًا لإطاحتها.

فوائد جمة ومخاطر كثيرة

أما بالنسبة إلى الفوائد غير المرئيّة التي سيجنيها السودان من رفع العقوبات، فأولها إعادة إدماجه في المجتمع الدولي، ما سيوفر للقطاعين العام والخاص حرية جلب المستثمرين والشركات الكبرى في مختلف المجالات، والاستفادة من أموالهم وما يمتلكون من تقنيات حديثة، خاصة في مجال الاتصالات والزراعة والطاقة والتعدين. فالسودان يمتلك احتياطات معقولة من الذهب والنفط، وأراضي زراعية خصبة وبكرًا، وأنهارًا ومياهًا جوفية ومطرية.

البرهان

كل هذه الثروات كانت مجمدة بفعل العقوبات الأمريكية، فأي أثر أكبر من ذلك؟ يتساءل يوسف إبراهيم، لكنّه يبدي خشيته من أمرين، أهمهما أن الإدارة الأمريكية تفضّل سيطرة المُكوّن العسكري بمجلس السيادة الانتقالي في البلاد على المدنيين، لأسباب كثيرة، أولها مسألة التطبيع مع إسرائيل، وهي مهمة وعاجلة بالنسبة إلى دونالد ترامب الذي يستعد لخوض غمار الانتخابات في مواجهة الديمقراطي جو بايدن، وبالتالي عليه أن يحقق بعض الإنجازات التي تساعده على الفوز بدورة رئاسية أخرى، فإذا ما طبّع السودان بجانب الإمارات والبحرين فإن ذلك يعد دعمًا قويًّا للرئيس الأمريكي في الانتخابات الوشيكة، وبما أن العسكريين السودانيين، ممثلين في عبد الفتاح  البرهان ونائبه محمد حمدان (حميدتي) أبديا موافقة أكيدة على التطبيع.

في حين تحفّظ رئيس الوزراء عبد الله حمدوك عليه وطلب إرجاء الأمر إلى حين تشكيل برلمان منتخب بعد انصرام الفترة الانتقالية للبت فيه، فإن الرئيس الأمريكي صار ينظر إلى العسكريين باعتبارهم حلفاءه في الحكومة الانتقالية بالسودان، وأن لديهم القدرة على اتخاذ قرارات سريعة دون الرجوع إلى الشعب والبرلمان وتحمل نتائجها، لكن علينا أن ننتظر لنرى، هل سيعمل ترامب أو حلفاؤه في المنطقة على قلب الأوضاع في السودان لصالح العسكر، وهل يمكنهم ذلك في ظل وجود لجان مقاومة ثورية قوية على الأرض مستعدة لدفع أي ثمن من أجل إيصال المسار الديمقراطي إلى نهايته المرجوّة. يختتم إبراهيم.

 

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى