“هيروشيما لبنانية”.. بيروت تنزف تحت أنقاضها

باسكال صوما

كاتبة لبنانية

لا شيء يشبه حزن بيروت التي أُعلنت مدينةً منكوبة بعد الانفجار الذي وقع في مرفئها وتحديدًا في العنبر رقم 12 منه، حيث خزانات تحتوي على مواد شديدة الاشتعال. لا شيء يشبه حزنها وهي تُحصي عدد قتلاها وهم بالمئات، إضافة إلى عشرات المفقودين وآلاف الجرحى. لا شيء يشبه حزنها وقد أصبحت حطامًا، وربما كادت تختفي عن الخريطة.

ماذا حصل حقًّا؟ هل هو هجوم إسرائيلي على أسلحة لـ”حزب الله”؟ هل هو انفجار مفتعل؟ قضاء وقدر؟

إنها أسئلة يطرحها الجميع، إنما في الواقع يصعب التكهّن بحقيقة ما أصاب المدينة. تكثر السيناريوهات، فيما لا يملك مسئول لبنانيّ واحد جوابًا مقنعًا أو شافيًا لما أصاب البلاد، الغارقة أصلًا في أزمات اقتصادية ومعيشية واجتماعية وسياسية لا تنتهي.

سارع مسئولون إسرائيليون إلى تأكيد أن لا دخل لبلادهم بالنكبة؛ إلا أن عددًا من المواطنين اللبنانيين أشاروا إلى أنهم سمعوا صوت طيران قبل أن يدوّي الانفجار ويحطّم العاصمة. ثمّ ليس غريبًا ألا تعترف إسرائيل بكل ما تقوم به، ومن ذلك الاستهدافات الغريبة التي تحصل في إيران منذ مدّة وفي سوريا قبل سنوات، وهي أحداث لم تعترف إسرائيل في كل مرّة بأن لها علاقة بها.

في المقابل، ربط آخرون بين نكبة بيروت وقرب صدور قرار المحكمة الدولية المتعلّق بجريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق “رفيق الحريري” في فبراير 2005.

ومشهد بيروت المحترقة، خلط في الذاكرة مشاهد كثيرة من سلسلة الاغتيالات التي شهدها لبنان وأدّت إلى مقتل نواب وصحفيين ووزراء، إضافة إلى اغتيال “الحريري” الذي كان أول فجيعة في سلسلة الاغتيالات تلك.

الرواية الرسمية الركيكة وغير المكتملة عن اشتعال مواد تحتوي على نيترات داخل العنبر، تفترض أيضًا طرح أسئلة مهمّة: هل انفجرت المواد من تلقاء نفسها؟ هل من مسئول عن تفجيرها؟ ثم والأهم: ماذا يفعل مستودع يحوي مواد خطرة في مرفأ بيروت؟ من أتى به إلى هنا؟ ولماذا؟ 2700 طن من النيترات (كما قال المجلس الأعلى للدفاع) وهي مواد شديدة الاشتعال، ماذا تفعل بيننا، على طريق بيوتنا ومكاتبنا ومدارسنا وجامعاتنا؟

مهما بدت السيناريوهات ضبابيةً وغير مؤكدة، إلا أن ما يمكن تأكيده أنّ بيروت تدفع ثمن الإهمال الفاضح وغياب الدولة وفشل المسئولين السياسيين في إدارة البلاد، لا سيما مرفأ بيروت الذي يُعرف بأنه بؤرة كبيرة للفساد. رئيس الحكومة “حسان دياب” خرج ليخبر اللبنانيين بكلّ “شجاعة” بأن المستودع موجود منذ عام 2014، وكأنه يقول لهم إنّه غير مسئول، محاولًا تحييد نفسه عن المحاسبة أو المساءلة.

فالمسئولون اللبنانيون تحدّثوا صراحة عن وجود هذا المستودع الخطر، ولم يُلقِ واحد منه اللوم على نفسه أو زميله حتى!

المدير العام للأمن العام اللواء “عباس إبراهيم”، قال في تصريحات صحفية بعد تفقّده مكان الانفجار: “يبدو أن هناك مخزنًا لمواد مصادَرة منذ سنوات وهي شديدة الانفجار”، مشددًا على ضرورة انتظار نتيجة التحقيقات.

وزير الداخلية اللبناني اعتبر أن الانفجار وقع نتيجة احتراق مواد شديدة الانفجار “صودرت منذ سنوات”، وتم تخزينها في مستودعات المرفأ.

النائب “مروان حمادة” أعلن أنه سيقدّم استقالته، لكنّ ما تحتاجه البلاد حقًّا أبعد من استقالة نائب من 128 آخرين، المطلوب استقالة جميع الفاشلين وجميع المتنصّلين من المسئولية على مرّ السنوات والعهود، والأهم محاسبة كل من له دخل بالمستودع الذي قتل لبنانيين ودمّر مدينة كاملة. إلا أنّ ما حصل عليه اللبنانيون الذين يحاولون لملمة شتاتهم، هو دقيقة صمت على الضحايا، قام بها المجلس الأعلى للدفاع في الاجتماع الذي دعا إليه رئيس الجمهورية “ميشيل عون”. وقرر المجلس تشكيل لجنة للتحقيق فيما حصل، وإعلان الطوارئ لمدة أسبوعين، ودفع تعويضات للمتضررين، وغيرها من القرارات، التي لا تغيّر الحقيقة ولا تُخفّف من وقعها. هناك مستودع قابع بهناء في مرفأ بيروت منذ 6 سنوات على الأقل، تمت المحافظة عليه برموش العيون بدل قلعه من مكانه، وهذا المستودع أودى بحياة العشرات وقتل أحلام كثيرين. فماذا تفعل دقيقة الصمت؟ وماذا تغيّر في معادلات التعاسة المفروضة علينا؟

بدت بيروت في ليل 4 أغسطس 2020، في أسوأ مشهد يمكن أن يتصوّره كل من زار بيروت أو حلم بها أو عاش فيها. هي نكبة تفوق بكثير كل ما عاشته المدينة منذ الحرب الأهلية وحتى اليوم. الدمار وصل إلى كل الأحياء، فُقد كثيرون، وانتشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي عن أشخاص أصبحوا في العراء بلا مأوى، وعن آخرين ما زالوا مختفين في مكان ما تحت الركام. المستشفيات عجّت بدماء الضحايا، وتوالت المناشدات للأطباء والممرضات للتوجه إلى المستشفيات لتقديم المساعدة، لإنقاذ من يمكن إنقاذهم من الأبرياء. كما كشف وزير الصحة اللبناني “حمد حسن” عن خروج 4 مستشفيات من الخدمة.

وصل الدمار إلى معظم المناطق المجاورة، كالأشرفية والجميزة والدورة ووسط بيروت، حيث تحطّمت مبانٍ ومتاجر وسيارات، وتضررت أخرى منها مبنى صحيفة “النهار” ومقرّ الحكومة.

مرفأ بيروت مدمّر بالكامل وكذلك “الأهراءات” التي لم تعد صالحة، ما يضع البلاد في أزمة جديدة، فيما خص الاستيراد، لا سيما وأن كل البضائع و”الكونتينرات” الموجودة في المرفأ أصبحت غبارًا، وما بقي منها لم يعد يمكن استخدامه، بعدما تسللت إليه رذاذات التلوث من الغازات السامة التي اتّشحت بها بيروت.

في بيروت الآن يصعب التعرّف إلى أي معلم، يصعب المشي حتى. دخان في كل مكان، أشلاء، ناس يركضون، أطفال ضائعون، حطام، زجاج محطّم، بيوت أسلمت الروح، بكاء، حزن.

محافظ بيروت “مروان عبود” أعلن بيروت “مدينة منكوبة”، ووصف الانفجار بأنه “أشبه بالقصف الذرّي على هيروشيما وناجازاكي“. هكذا بدت بيروت سحابةً دخانية كبيرة، متّشحة بحكايات الموت والصراخ، ومفتوحة على المزيد من المجهول، في ظل حكومة لم تفعل شيئًا منذ تأليفها سوى تشكيل اللّجان، وتبديل “الكرافاتات” والتسريحات، والرقص على الجراح.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search