وجهات نظر

«تفسير الكشاف»… كيف ظهرت عقائد المعتزلة في أشهر كتب الزمخشري؟

يُعدّ كتاب «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، الذي صنفه الإمام أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفَّى 538ه، واحدًا من أهم كتب التفاسير القرآنية التي دونها علماء الإسلام عبر القرون، كما أنه يعبر عن مذهب المعتزلة.

الإمام الزمخشري الذي ولد في مدينة زمخشر في آسيا الوسطى، وعاش فترة طويلة في مكة، قبل أن يتوفَّى في بلدة كهنة غرغانج في تركمانستان الحالية، دوَّن «الكشاف» –وهو الاسم المختصر الذي عُرف به تفسيره- بناء على رغبة كثير من طلبة العلم الذين أرادوا أن يجمع لهم أستاذهم تفسيره لآيات القرآن الكريم في كتاب واحد.

على الرغم من الأهمية التي حظي بها كتاب «الكشاف» في ميادين البلاغة والنحو والبيان، فإن للكتاب أهمية كبرى فيما يخص توضيح وبيان عقائد مذهب المعتزلة على وجه الخصوص، ذلك أنه لما كان صاحبه –الإمام الزمخشري- معتزليًا، فقد قدَّم في كتابه هذا رؤيته التفسيرية الملتزمة بالعقائد والأصول والمبادئ المعتزلية.

على سبيل المثال، سيلاحظ قارئ الكتاب أن الزمخشري قد فسَّر العشرات من الآيات القرآنية، متبعًا نهج أساتذته المعتزلة في القول بالتحسين والتقبيح العقليين، والمنزلة بين المنزلتين، ورفض إمامة الفاسق، هذا فضلًا عن نفي الصفات الإلهية، والقول بخلق العباد لأفعالهم.

في هذا المقال سنستعرض عددًا من المواضع التي ظهر فيها تأثر الزمخشري بعقائد وأصول المذهب المعتزلي، مما جعل كتابه مختلفًا عن العشرات من التفاسير القرآنية المطبوعة بالطابع السني التقليدي.

المعتزلة.. التنزيه ونفي التجسيم

تُعدُّ مسألة تنزيه الذات الإلهية واحدة من بين أهم العقائد الحاكمة في المذهب المعتزلي، إذ إنها اعتُبرت محورًا من محاور التوحيد الإلهي، ودافع عنها المعتزلة بكل وسيلة ممكنة، حتى لو اضطروا في سبيل ذلك للقول بنفي –أو تعطيل- الصفات التي وصف الله -عز وجل- بها نفسه في القرآن الكريم.

في كتابه، تابع الزمخشري أقوال المعتزلة في مسألة التنزيه في تفسيره لعديد من الآيات، ومن ذلك الآية رقم 55 من سورة البقرة: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون)، إذ يقول رافضًا القول بإمكانية رؤية الله عز وجل: «وفي هذا الكلام دليل على أن موسى -عليه الصلاة والسلام- رادَّهم القول وعرفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال، وأن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض، فرادُّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجُّوا، فكانوا في الكفر كعبَدة العجل، فسلط الله عليهم الصعقة، كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكافرين، ودلالة على عظمهما بعظم المحنة…».

المعنى نفسه أكد عليه الزمخشري في تفسيره للآية رقم 103 من سورة الأنعام: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير)، إذ يقول: «البصر: هو الجوهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر، به تُدرك المبصَرات. فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه؛ لأنه متعالٍ أن يكون مبصَرًا في ذاته؛ لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلًا أو تابعًا، كالأجسام والهيئات…».

أما في تفسيره للآية رقم 42 من سورة القلم: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُون)، فيرفض الزمخشري القول الذي ذهب إليه كثير من أهل السنة والجماعة –لا سيما أهل الحديث والأثر منهم- والذي يفسر الساق الواردة هنا على كونها ساق الله عز وجل، ويؤكد أن الآية قد قدَّمت استعارة لتبيان هول موقف يوم القيامة، فيقول محتجًّا بما عُرف وشاع من كلام العرب: «فالكشف عن الساق والإبداء عن الخدام: مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك… فمعنى يوم يكشف عن ساق في معنى: يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل، وإنما هو مثل في البخل. وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان، والذي غره منه حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجدًا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقًا طبقًا كأن فيها سفافيد) ومعناه: يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة».

أما في تفسيره للآية رقم 16 من سورة الملك: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور)، فيرفض الزمخشري أن يقول بما قال به أهل السنة والجماعة من وجود الله في السماء، ويعمل على تأويل الآية قائلًا: «من في السماء فيه وجهان: أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعالٍ عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة: أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل؟ إذا رأيته يركب بعض المعاصي…».

الأمر نفسه يظهر في سياق تفسير الزمخشري للآية رقم 10 من سورة الفتح: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)، إذ يرفض صاحب «الكشاف» ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من إثبات اليد لله عز وجل، تبعًا للفهم الحرفي للآية السابقة، ويميل عوضًا عن ذلك لفهمها على كونها نوعًا من الاستعارة، فقال: «لما قال إنما يبايعون الله، أكده تأكيدًا على طريق التخييل فقال: يد الله فوق أيديهم، يريد أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين: هي يد الله، والله –تعالى- منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما».

خلق العباد لأفعالهم

في الوقت الذي يتفق فيه أهل السنة والجماعة على أن الله -عز وجل- هو خالق أفعال العباد، فإن المعتزلة قد عارضوا هذا، وعدُّوه نوعًا من أنواع الجبر الذي يقدح في صحة التكليف، وقالوا بأن العبد هو الذي يخلق أفعاله، وبأن له إرادة منفردة.

هذا القول الذي ضمَّنه المعتزلة في الأصل الثاني من أصولهم الخمسة المعروفة –وهو أصل العدل الإلهي- يظهر في تفسير الزمخشري لكثير من الآيات القرآنية، منها على سبيل المثال، الآية رقم 7 من سورة البقرة: (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيم)، إذ يقول رافضًا الفهم الظاهري للآية: «… فإن قلت: فلِمَ أسند الختم إلى الله تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه، وهو قبيح، والله يتعالى عن فعل القبيح علوًّا كبيرًا؛ لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه، وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد)، و(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِين)، و(إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء)، ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها، وأما إسناد الختم إلى الله -عز وجل- فلينبِّه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي، ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه، وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم؟ ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم لله على قلوبهم مثلًا كقولهم: “سال به الوادي” إذا هلك، و”طارت به العنقاء” إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء…».

النهج نفسه نهجه الزمخشري في معرض تفسيره للآية رقم 16 من سورة الإسراء: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)؛ إذ رفض صاحب الكشاف القول بأن الله -عز وجل- هو الذي يأمر المترفين بعمل الفسق، وعدَّ ذلك الفهم مغلوطًا؛ لأنه لا يتماشى مع نظرية العدل الإلهي التي يقول بها المعتزلة، وقدم بدلًا من ذلك تفسيرًا يقوم على المجاز كعادته، فقال: «والأمر مجاز؛ لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فبقي أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًّا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خوَّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية، فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب، فدمرهم…».

التحسين والتقبيح العقليين

في حين يعتقد أهل السنة والجماعة أنه لا يمكن إدراك الحسن والقبيح إلا بالرجوع للشرع، فإن المعتزلة ذهبوا إلى أن العقل يُدرك بذاته حسن بعض الأفعال وقبحها، بدون الحاجة إلى الرجوع للشرع.

الزمخشري دافع عن ذلك الرأي في كتابه، فعمل على تفنيد بعض الأدلة التي ساقها أهل السنة لإثبات رأيهم، ومن ذلك ما ورد في الآية رقم 15 من سورة الإسراء: (… وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، والتي اعتبرها الأشاعرة دليلًا دامغًا على أن الرسول –الذي يرمز للشرع الإلهي- هو وحده الذي يبيِّن للناس الحسن والقبيح.

يقول صاحب «الكشاف» في مقام رده على ذلك الدليل: «فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل؛ لأن معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلولا بعثت إلينا رسولًا ينبهنا على النظر في أدلة العقل…».

خلود أصحاب الكبائر في النار

كانت الحروب الكثيرة التي اندلعت بين المسلمين في فترة الفتنة الكبرى، سببًا في ظهور السؤال الملح حول مصير مرتكب الكبيرة –ولا سيما القتل- في الآخرة. المذاهب الإسلامية اختلفت في تلك النقطة، ومن رحم هذا الاختلاف انبثقت البوادر الأولى للفكر المعتزلي على يد واصل بن عطاء، عندما قال بأن مرتكب الكبيرة الذي مات قبل أن يتوب عنها، هو خالد في النار، وبأنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو بالمؤمن ولا هو بالكافر.

هذا الاعتقاد يظهر بشكل واضح فيما ذكره الزمخشري في سياق تفسيره للآية رقم 93 من سورة النساء: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، إذ يقول: «هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ، ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أن توبة قاتل المؤمن عمدًا غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلًا، وفي الحديث: “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم” وفيه: “لو أن رجلًا قَتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب، لأُشرك في دمه” وفيه: “إن هذا الإنسان بنيان الله”، وفيه: “من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله”، والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة! أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها… فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل، وهو تناول قوله: (ومن يقتل)، أي قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل. فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأتِ بدليل مثله…».

تأكيد المعتزلة على خلود مرتكب الكبيرة في النار، دعاهم لرفض القول بشفاعة الرسول لأهل الكبائر يوم القيامة، وهو القول الذي ذهب إليه أهل السنة، مدفوعين في ذلك بالحديث النبوي الوارد في سنن أبي داود: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». هذا الرفض المعتزلي للشفاعة ظهر في سياق تفسير الزمخشري للآية رقم 85 من سورة النساء: (مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا)، إذ يقول: «الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودُفع بها عنه شر، أو جُلب إليه خير. وابتُغي بها وجه اللَّه، ولم تُؤخَذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدٍّ من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق. والسيئة: ما كان بخلاف ذلك…».

رفض إمامة الحاكم الظالم

يقول عبد الكريم الشهرستاني، في كتابه الشهير «الملل والنحل»: «ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية، كما سُلَّ في موضوع الإمامة»، الأمر الذي يمكن التأكد منه من خلال مراجعة أقوال المذاهب الإسلامية المختلفة، فيما يتعلق بحدود وضوابط اختيار الإمام/ الخليفة.

في الوقت الذي صحح فيه أهل السنة والجماعة ولاية الخليفة/ السلطان الظالم، اتباعًا لمبدئهم الموافق على إمامة المفضول للأفضل، فإن المعتزلة رفضوا ذلك، وانضموا في كثير من اللحظات التاريخية المهمة للثورات التي قامت ضد الخلفاء الأمويين والعباسيين المشهورين بالظلم والجور.

الزمخشري تابع المعتزلة فيما ذهبوا إليه، فعلى سبيل المثال، ذكر في تفسيره للآية رقم 122 من سورة البقرة: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين): «وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة. وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدَّم للصلاة. وكان أبو حنيفة -رحمه الله- يفتي سرًّا بوجوب نصرة زيد بن علي -رضوان الله عليهما- وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي –يقصد الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور- وأشباهه. وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل. فقال: ليتني مكان ابنك. وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت. وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إمامًا قط. وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف الظلمة. فإذا نُصب من كان ظالمًا في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم».

اقرأ أيضا: كيف تم إقصاء الآخر المذهبي في الفكر السُّني؟

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى