تفكيك العقل الإرهابي في “الساحل”

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وأكاديمي مصري

أصبحت منطقة الساحل الإفريقي بمرور الوقت واحدة من أكبر معاقل الإرهاب الدولي، فعلى طول منطقة مترامية الأطراف تنطلق من القرن الإفريقي مرورا بالساحل وحتى غرب إفريقيا تنشط العديد من الجماعات الإرهابية، وأبرزها: تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وبوكو حرام، والشباب المجاهدين، والمرابطون، وأنصار الشريعة، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

تعهدت العديد من هذه الجماعات بالولاء للقاعدة أو الدولة الإسلامية (داعش)، التي سارعت بدورها في إدماجها بشبكات التمويل المعولم، بيد أن مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن وتصفية أبو بكر البغدادي الذي نصب نفسه خليفة للمسلمين في العراق وسوريا كان بمثابة ضربة قوية موجعة  لهذه الجهود الرامية لربط جماعات الإرهاب في إفريقيا، بالجهادية العالمية والتي أسهمت في تشكيل ودعم العقل الإرهابي في المنطقة.

وعادة ما يُعتبر الساحل منطقة رمادية، حيث تنعدم السيطرة الحكومية في العديد من المناطق ‏النائية فضلا عن حدود المنطقة التي يسهل اختراقها، كما أن الروابط القبلية العابرة للحدود الوطنية وطرق التهريب، التي ‏تعود إلى قرون خلت في بعض الأحيان، تُسهل حركة الجهاديين وأعضاء جماعات الجريمة المنظمة التي تشهدها المنطقة اليوم.

على طول هذه الطرق‏، ينتقل الكوكايين من السواحل إلى مدن شمال مالي مثل: غاو أو تمبكتو، أو أغاديز  في النيجر، قبل نقله إلى شمال إفريقيا ليشق طريقه إلى شوارع أوروبا، وتختلف تقديرات حجم تجارة ‏الكوكايين اختلافًا كبيرًا، حيث تتراوح من 50 إلى 200 طن سنويًا. كما يعد القنب والأدوية الزائفة منتجات مهمة أخرى يتم تهريبها عبر ‏الساحل، لكن ليس في نفس اتجاه الكوكايين، حيث تسلك دروب الساحل والصحراء حتى ينتهي بها المطاف في الشمال الإفريقي وشبه الجزيرة العربية‎.‎

وغالبًا ما يتم تخصيص جزء من إيرادات تجارة المخدرات غير المشروعة إضافة إلى التهريب ‏لتوفير الخدمات الأساسية للسكان المحليين – وهو أمر لا تستطيع الحكومة المركزية القيام به، وربما يُسهم في تقديم الجماعات الإرهابية والإجرامية كسلطة بديلة، مما يُعزز شرعيتها في أعين السكان المحليين وبالتالي يعطيها حرية كبيرة للحركة ويوفر حواضن اجتماعية لا بأس بها‎.‎

وتشير كثير من الدراسات الأمنية والمعلومات الاستخباراتية إلى وجود صلات قوية بين الجماعات الإرهابية النشطة في المنطقة، خاصة تنظيم ‏القاعدة، وجماعات تهريب المخدرات الإجرامية، وإن كانت الجماعات ‏الإرهابية تحصل على جزء من تمويلها من عمليات الاختطاف وتبرعات الأفراد والمنظمات الإسلامية غير الحكومية.

بشكل عام، يمكن الحديث عن أربعة مستويات يمكن للجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة التفاعل من خلالها عندما تعمل في نفس المنطقة الجغرافية: المنافسة أو التعايش أو التنسيق أو التعاون.

يحدث الصدام والمواجهة في الحالة الأولى عندما يتنافس الطرفان ‏على نفس المنطقة، في حين يعبر السيناريو الثاني عن حالة من قبول كل منهما بالآخر والعيش في نفس المساحة، أما السيناريو الثالث فيحمل نوعا من التنسيق في الأنشطة، وفي ‏حالة التعاون بين الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة، فإن الإرهابيين يتولون توفير الحماية لتجار المخدرات والمهربين، ويمكن أن تكون النتيجة ‏النهائية هي الاندماج الكامل بين الطرفين، الأمر الذي من شأنه أن يُفضي إلى ظهور ما يمكن تسميته “جهادية المخدرات”.

 لم يكن هذا هو الحال في الساحل سابقا، وربما لا يمكن تصوره تمامًا في ‏المستقبل على ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها حركة الإرهاب المعولم.‏

 وبغض النظر عن الخطاب الإرهابي الذي يتمسح بعباءة الدين، فإن عقل الجماعات المتطرفة العنيفة بشكل عام يعبر عن براغماتية وانتهازية واضحة في مواجهة الأنشطة غير المشروعة والصراعات المحلية. فهذه الجماعات مرنة وقابلة للتكيف ويستغلون بذكاء شديد طبيعة ومواطن الضعف في الاقتصادات المحلية، والتنافس بين مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، إضافة إلى أوجه القصور التي تعاني منها مؤسسات الحكم في الدولة.

إن الرأي القائل بأن الجماعات المتطرفة العنيفة تستغل وتزيد من التوترات والصراعات المحلية هو رأي تبسيطي، فالموقف من النزاعات المحلية يختلف تبعا للسياق ولأهداف هذه الجماعات الاستراتيجية. يمكن لجماعات التطرف العنيف أن تكون طرفا في النزاعات أو أن تكون وسيطا ويمكن أن يؤدي وجودها أيضًا إلى وقف مؤقت للصراعات المحلية، ويبدو أن النهج الذي تتبعه الجماعات المتطرفة العنيفة يتوقف على عدة عوامل تتعلق باحتياجاتها واستراتيجياتها: مستوى اختراقها للمجتمعات المحلية؛ وطبيعة الجماعات المهمشة ودرجة الإهمال التي تعاني منها، وتوازن القوى بين أطراف النزاع.

يعد فهم وتفكيك العقل الإرهابي في منطقة الساحل وإفريقيا مقدمة لازمة لبلدان الساحل من أجل تفعيل مبادرة الاتحاد الإفريقي بجعل عام 2020 هو عام إسكات المدافع. وللمضي قدما، هناك حاجة إلى دور إفريقي أكبر في الجهود الرامية إلى إيجاد حلول خاصة في مجال الصراع والسلام، فسيتطلب إسكات المدافع من القادة الأفارقة معالجة المشكلات الاجتماعية والتنموية أيضًا، مع التركيز بشكل خاص على المجتمعات المهمشة تاريخيا.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search