سياسةمختارات

تفكّك مُرتقب؟.. الاقتتال الداخلي يهدد “داعش” الصومال

 

رغم مساعي تنظيم “داعش” لتعزيز سياسته الرامية إلى خلق بؤر وخلايا داعشية في مختلف أنحاء إفريقيا، خاصة في منطقة الشرق، لتكون منصة انطلاق نحو توسيع الرقعة الجغرافية للتنظيم، يمدِّد من خلالها سيطرته على الخريطة الجهادية في القارة والعالم، فإن ثمة تحديات تواجه داعش في شرق إفريقيا على وجه الخصوص، نتيجة القتال الدائر بين عناصر التنظيم في الصومال منذ ديسمبر/ كانون الأول 2020، بعد تراجع زعيم التنظيم، عبد القادر مؤمن، عن المشهد بسبب مرضه، الأمر الذي يمثل مصدر تهديد واضح على أمن واستقرار البلاد، ويثير العديد من التساؤلات حول مستقبل التنظيم في الصومال والمنطقة مستقبلاً.

 طبيعة الأزمة وأسبابها

يشهد تنظيم “داعش” في الصومال حالة انقسام تُنذر باحتمالية التفكك في ضوء الاقتتال الدائر بين عناصره، والذي أفضى بدوره إلى وجود فصيلين متضادين إثر خلاف نشب بين قادة التنظيم على القيادة، في ظل غياب زعيمه ومؤسسه، عبد القادر مؤمن، الذي يعاني مرض السكري أو السرطان، حسب ترجيح تقارير متباينة، كان أبرزها ما ذكره موقع Hiiraan Online الصومالي المحلي في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2020.

ويعود تأسيس هذه المجموعة إلى عام 2015 بعد انشقاق “مؤمن”، القيادي السابق بحركة الشباب المجاهدين الصومالية، التي تنشط في وسط وجنوب الصومال، والذي كان يُنظر إليه على أنه مُنظِّر وأيديولوجي أكثر منه كقائد عسكري داخل أروقة الحركة، وأعلن الولاء لـ”داعش” في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، ما دفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى إدراجه ضمن قائمة الإرهابيين المطلوبين في أغسطس/ آب 2016.

وقد استطاع “مؤمن” -ينتمي إلى عشيرة “ميجرتين” التي تتمركز في أقصى شرق الصومال ولها امتدادات في عدة دول مثل إثيوبيا وتنزانيا وزيمبابوي وسلطنة عمان- استقطاب العديد من عناصر الصف الثاني في حركة الشباب المجاهدين، الذين انشقوا عن الحركة منذ 2015، وينتمي معظمهم إلى نفس عشيرة “ميجرتين”، وغيرهم من المؤيدين للتنظيم من الشباب، وفئات أخرى في المجتمع الصومالي.

ويرتكز عناصر التنظيم في مرتفعات “جل جلا” في إقليم بري بولاية بونت لاند في شمال شرق الصومال. ويشير بعض التقارير إلى أن عدد مقاتلي تنظيم داعش في الصومال يُقدَّر بنحو 300 عنصر.

وينحسر الدعم المالي للتنظيم، وقد أشار تقرير أممي إلى ضآلة المقابل المادي، الذي يحصل عليه مقاتلو التنظيم، فالمقاتلون غير المتزوجين لا يحصلون على رواتب، أما المتزوجون فيحصلون على 50 دولارًا شهريًّا، إضافة إلى 10 أو 20 دولارًا عن كل طفل يولد، بحسب سنه، وبالتالي تُقدَّر جملة الرواتب بين 3000 و9000 دولار شهريًّا.

وقد يرجع ضعف تمويل التنظيم إلى انحسار رقعته الجغرافية التي تحرمه جمع الموارد والضرائب والزكاة، بعكس حركة الشباب المجاهدين، إضافةً إلى عدم وجود روابط قوية مع بقية فروع التنظيم في أنحاء القارة.

“عبد القادر مؤمن” زعيم تنظيم داعش في الصومال

وقد أعلن تنظيم داعش في الصومال عن نفسه للمرة الأولى من خلال هجوم وقع في إبريل/ نيسان 2016، استهدف قافلة عسكرية تابعة لقوات الاتحاد الإفريقي “أميصوم” في منطقة 13 بضواحي مقديشو، إلا أنه واجه بعض التحديات الوجودية خلال الأعوام التالية، فقد انخرط في قتال مع حركة الشباب المجاهدين بين عامي 2017 و2018 من أجل ترسيخ النفوذ في الصومال ومنطقة شرق إفريقيا.

واستهدفت القيادة الأمريكية الجديدة في إفريقيا (أفريكوم) عبر طائرات دون طيار، معاقل التنظيم في جبال “جل جلا” خلال عام 2020، ونجحت في استهداف عدد من مقاتلي التنظيم وقياداته مثل: “عبد الحكيم محمد إبراهيم دوكوب”، نائب زعيم التنظيم، الذي قُتل في إبريل/ نيسان 2019 بغارات جوية أمريكية.

ويشير بعض التقارير إلى أن أحد أسباب الاقتتال الداخلي في صفوف تنظيم داعش في الصومال يرجع إلى اندلاع انشقاقات بين عناصر التنظيم، لينضموا مرة أخرى إلى حركة الشباب المجاهدين، وهو ما قوبل بالرفض من قيادات تنظيم داعش.

تجدر الإشارة إلى أنها ليست المرة الأولى التي تشهد منافسة محتدمة بين قيادات التنظيم من أجل خلافة عبد القادر مؤمن، حيث شهد عام 2018 مقتل نائب أمير التنظيم، مهد معلم، في العاصمة الصومالية، على يد قيادي آخر بالتنظيم على خلفية الصراع بينهما على خلافة التنظيم بسبب مرض زعيمه، رغم نفي داعش، الذي أكد استهداف حركة الشباب المجاهدين له في محاولة للحفاظ على تماسكه وقوة ترابط عناصره ووجوده بشرق إفريقيا، للحيلولة دون اندلاع مزيد من الانشقاقات والاقتتال بين عناصره، ما قد يفضي إلى طرده من المنطقة.

وفي محاولة لاستمرار الضغط على تنظيم داعش وإضعافه، تمهيدًا لطرده من مناطق تمركزه، بدأت القوات الأمنية في ولاية بونت لاند بعملية عسكرية ضد عناصر داعش في جبال “جل جلا”، والتي شملت منطقتي تمرشي وتورمسالي، الأمر الذي يضاعف الضغوط على “داعش” في ظل ازدياد حالة الاستقطاب التي تسيطر على الفريقين المتحاربين من أجل خلافة زعيم التنظيم.

داعش الصومال

التأثيرات المحتملة

تُلقي هذه الأزمة في صفوف تنظيم داعش بظلالها على إمكانية استمراريته وممارسة نشاطه في البلاد خلال الفترة المقبلة، نظرًا إلى التأثيرات المحتملة التي قد تنتج على عدة مستويات مختلفة محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

فعلى الصعيد التنظيمي، يعزز هذا الانقسام ضعف التنظيم، الذي لا يجد تمويلاً كبيرًا لمضاعفة قدراته وتوسيع رقعته الجغرافية في الصومال لخدمة تمدده إلى دول الجوار الجغرافي.

وقد يُسهم استمرار القتال بين عناصر داعش إلى حدوث انشقاقات بين صفوفه بعودة بعض عناصره للانضواء تحت لواء حركة الشباب المجاهدين مرة أخرى، كما يمكن لاستمرار الغارات الجوية الأمريكية والعمليات العسكرية التي تشنها قوات إقليم بونت لاند أن تُجبِر “داعش” على الهروب من ولاية بونت لاند لمناطق أخرى في الداخل الصومالي أو الخارج.

أما على مستوى العلاقة مع حركة الشباب المجاهدين، فرغم أن الأخيرة قد شهدت نفس الأزمة بعد مرض زعيمها “عمر أحمد ديري” واندلاع القتال بين قادتها على الزعامة، استطاعت الحركة تجاوز هذه المعضلة، ونجحت في مخالفة كل التوقعات التي تنبأت باختفائها لتُصعِّد نشاطها في الداخل الصومالي بنحو ملحوظ، لدرجة التمدد إلى بعض دول الجوار الجغرافي مثل كينيا، وذلك لتنفيذ عمليات إرهابية ضد المصالح الكينية.

وبالتالي فإن فترة ضعف تنظيم داعش تجعل من انقضاض الحركة عليه وسهولة اختراقه أمرًا سهلاً، تمهيدًا للتخلص من بؤر تنظيم داعش في الصومال، وتعزيز سيطرة الحركة الجهادية في منطقة شرق إفريقيا، مستغلة في ذلك المعلومات التي يمتلكها العائدون إليها مرة أخرى عن التنظيم، ما قد يمنحها فرصة توسيع رقعتها الجغرافية إلى شمال شرق الصومال.

أما على المستوى الإقليمي، فإن احتمالية استمرار القتال بين قادة التنظيم قد يؤدي إلى هروب عناصره إلى بعض دول الجوار، مثل إثيوبيا، التي أعلنت خلال الشهور الماضية إلقاء القبض على شبكة تضم عناصر من التنظيم كانت تخطط لعمليات إرهابية في الداخل الإثيوبي.

وقد يجد البعض طريقه للانضمام إلى تنظيم داعش في اليمن وربما سوريا أو لولاية وسط إفريقيا، ومنها إلى غرب إفريقيا والساحل والصحراء.

قوات حفظ السلام “أميصوم”

مستقبل التنظيم في الصومال والمنطقة

في الوقت الذي يواجه فيه تنظيم داعش في الصومال تحديات عدة خلال السنوات الأخيرة، جعلته غير قادر على توطيد نفوذه في شرق إفريقيا وتوسيع قاعدته الشعبية في المجتمع الصومالي، منذ الإعلان عن نفسه في عام 2015، تبقى كل السيناريوهات المحتملة بشأن مستقبل التنظيم في البلاد والمنطقة قائمة في ضوء التطورات المتجددة، ومن أبرز هذه السيناريوهات:

  1. السيناريو الأول

من المحتمل أن ينتهي الاقتتال الدائر بين الفريقين، ويُتَّفق على اختيار مجلس استشاري لإدارة شؤون التنظيم إلى حين الاستقرار على زعيم جديد خلال الفترة المقبلة، وهو ما يمكن التنبؤ معه بتورط داعش في عدد من العمليات الإرهابية في الداخل الصومالي، لتوجيه رسالة مضمونها تماسك التنظيم وقدرته على تجاوز كل الخلافات بين أعضائه، والتأكيد على قوته رغم ضعف الإمكانيات والتمويل.

هذا الأمر قد يترتب عليه تفاقم الوضع الأمني في الصومال قبيل الانتخابات العامة، المقرر عقدها خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط 2021، بالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من الصومال، على خلفية قرار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب، وتصاعد نشاط حركة الشباب المجاهدين في الداخل الصومالي وسعيها لتعطيل إجراء تلك الانتخابات.

  1. السيناريو الثاني

توجد احتمالية لتدخل القيادة المركزية لتنظيم داعش في إفريقيا باختيار أحد القادة المتصارعين وتنصيبه كزعيم للتنظيم في الصومال، أو إصدار قرار بتبعية التنظيم لولاية وسط إفريقيا، على غرار ما حدث لمجموعات داعش في موزمبيق، التي انضوت تحت لواء الولاية التابعة له والتي تتمركز في الكونغو الديمقراطية.

وبالتالي قد تصدر اعتراضات من جانب بعض قيادات التنظيم في الصومال، قد تترتب عليها سلسلة انشقاقات تؤدي إلى عودة بعض القيادات مرة أخرى إلى حركة الشباب المجاهدين، أو تكوين خلايا جديدة في الصومال تعمل بمفردها دون أي ارتباط بتنظيم داعش، على الأقل في المرحلة الأولى.

  1. السيناريو الثالث

قد تتضافر جهود القوات الأمنية لولاية بونت لاند مع القوات الكينية المنضوية تحت إمرة قوات الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام “أميصوم”، وذلك لشن العديد من الهجمات العسكرية ضد مواقع تنظيم داعش، لإجباره على الهروب والانسحاب إلى مناطق أخرى، وذلك بالتنسيق مع القيادة الأمريكية الجديدة في إفريقيا “أفريكوم”، التي تقوم بدور محوري في الحرب على الإرهاب في الصومال ومنطقة شرق إفريقيا.

 ويظل المشهد الأمني في الصومال مُرشحًا لمزيد من التعقيد خلال الفترة المقبلة، في ضوء ضعف القدرات والكفاءة القتالية للجيش الصومالي، وانسحاب القوات الأمريكية من البلاد، وتوسع نشاط حركة الشباب المجاهدين في المنطقة، وتمركز عناصر داعش المتصارعة في ما بينها على زعامة التنظيم في شمال شرق البلاد، الأمر الذي يُهدِّد بتفاقم الأزمة الصومالية المستمرة منذ تسعينات القرن الماضي، ويسمح بمزيد من التدخلات الأجنبية في الصومال بحجة محاربة الإرهاب، ما يعني المزيد من العسكرة في منطقة القرن الإفريقي وما يترتب عليه من تأثيرات سلبية في الأمن الإقليمي وتهديد المصالح الإستراتيجية للقوى الفاعلة هناك.

 

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى