سياسة

تقارير الاستجواب التكتيكي.. هل تكشف النقاب عن زعيم داعش الغامض؟

في شهر يناير 2008، أعلنت القوات الأمريكية في العراق إلقاء القبض على أحد قادة تنظيم دولة العراق الإسلامية (نسخة داعش الأقدم)، خلال إحدى العمليات العسكرية في مدينة الموصل (شمال البلاد).

تضمن البيان الصادر في 7 يناير عن القيادة المركزية للقوات الأمريكية إشارة للقائد المقبوض عليه، والذي وُصف وقتها بأنه نائب أمير تنظيم دولة العراق الإسلامية (نسخة داعش الأقدم)، في الموصل، وأحد القضاة الشرعيين السابقين للتنظيم في نفس المدينة.

في غضون الأيام التالية، خضع “المعتقل” لجلسات استجواب من قبل الجيش الأمريكي، وأبلغ المحققين بأن اسمه “أمير عبد المولى الصلبي” وأنه كان مسلمًا صوفيًا ومجندًا سابقًا لمدة 18 شهرًا بالجيش العراقي، كما حصل على ماجستير الشريعة الإسلامية عقب إنهائه الخدمة الإجبارية.

أمراء داعش
أمير عبد المولى الصلبي

تضمنت إفادات “المولى” خلال جلسات استجوابه العديد من التفاصيل حول شبكات التنظيم وقيادته في داخل الموصل التي كانت واحدة من أبرز مناطق نشاط “دولة العراق الإسلامية” في تلك الفترة.

بعد فترة من احتجازه، أُخلي سبيل “أمير عبد المولى” وغاب في زحام الأحداث، إلى أن برز اسمه مجددًا في أواخر أكتوبر 2019.

في 31 أكتوبر 2019، أكد المتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أبوحمزة المهاجر القرشي، مقتل أمير التنظيم السابق أبوبكر البغدادي، خلال إغارة أمريكية على مخبئه في شمال سوريا، معلنًا اختيار مجلس شورى التنظيم لخليفة جديد سماه “أبو إبراهيم الهاشمي”.

ووفقًا لأبي حمزة المهاجر القرشي، فإن الأمير الداعشي الجديد هو: (علم من أعلام الجهاد، وعالم من علمائه، وأمير من أمراء الحرب، وأحد قدماء المجاهدين الذين انضموا للركب منذ الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي للعراق وإسقاط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين).

أبوبكر البغدادي
أبوبكر البغدادي

ومع أن المتحدث باسم داعش لم يعلن الاسم الحقيقي لـ”الهاشمي”، فإن دوائر رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية، منها وزارتا الخارجية والدفاع، زعمت أن اسمه “أمير عبد المولى الصلبي”، وهو نفس الشخص الذي اعتقلته القوات الأمريكية عام 2008 في مدينة الموصل.

وبعد أقل من عام نشر مركز مكافحة الإرهاب بالأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت (نيويورك)، 3 ملفات لـ”تقارير الاستجواب التكتيكي” التي أُجريت مع “الصلبي”، والتي تضمنت الإشارة إلى عدد من رموز تنظيم دولة العراق الإسلامية الفاعلين، وفي مقدمتهم أبو قسورة المغربي، أمير التنظيم في مدينة الموصل وشمال العراق سابقًا.

وعقب نشر التقارير الأمريكية، سارعت عدد من وسائل الإعلام الأمريكية والغربية لتسليط الضوء عليها وإبراز اعترافات “أمير عبد المولى” باعتبارها وشاية بزملائه في التنظيم، واصفةً إياه بـ”خليفة الكناري” الذي لم يكف عن التغريد بأسماء رفاقه خلف قضبان السجن، في محاولة للطعن في شخصيته القيادية على ما يبدو، لكن كل تلك التسريبات الإعلامية لم تُمط اللثام بشكل كامل عن هوية الزعيم الحالي لتنظيم داعش الذي لا زال حريصًا على التخفي وعدم الظهور الإعلامي في أي مناسبة.

عناصر داعش
عناصر داعش

ما هي تقارير الاستجواب التكتيكي؟

ورغم عدم الجزم بهوية زعيم تنظيم “داعش” الحالي، فإن صحفا غربية، منها صحيفة الإندبندنت البريطانية، أعادت تسليط الضوء على معلومات تقارير الاستجواب التكتيكي مع “الصلبي”، ضمن تغطيتها لأخبار التنظيم خلال الأيام القليلة الماضية.

وحسب تقرير سابق صادر عن مركز مكافحة الإرهاب بأكاديمية ويست بوينت فإن تقارير الاستجواب التكتيكي هي جزء من الملفات الورقية التي ينشئها الجيش الأمريكي للمعتقلين الذين يحتجزهم خلال العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب، لتسجيل إفادات المعتقلين وتحديد موقعه في الشبكات التنظيمية، وتتضمن أيضًا وضعية المحتجز وسماته الشخصية والظروف العامة التي أحاطت بعملية استجوابه وغيرها.

وتمت عمليات استجواب المحتجزين داخل العراق، في بيئة عدائية بالنظر إلى طبيعة القوات القائمة بمهمة الاستجواب والاحتجاز، وهوية المعتقلين الذين اتهموا بالانخراط في نشاطات معادية للوجود الأمريكي في البلاد.

لكن اللافت للنظر في التقارير الأمريكية التي تناولت هوية زعيم تنظيم داعش، اعتمادها بشكل كبير على افتراضات أساسية تربط بين أمير عبد المولى الصلبي وزعيم تنظيم داعش الحالي، وتسليمها بالأقوال التي أدلى بها داخل مقر احتجازه، حتى في ظل وجود عدد من الشواهد التي تطعن في دقة الرواية الأمريكية، منها أن أعضاء التنظيمات الإرهابية يذكرون معلومات غير دقيقة خلال التحقيقات لإبعاد الشبهة والإدانة عن أنفسهم ومحاولة تضليل أجهزة الأمن، فضلًا عن وجود تقارير أخرى تدعي أن المولى سجن مع أبوبكر البغدادي، والذي اعتقل في فبراير 2004 وأطلق سراحه بعد بضعة أشهر فقط، بينما “الصلبي” جرى القبض عليه في 2008، ما ينفي اجتماعه مع البغدادي في السجن.

تقرير أممي: لا يمكن الجزم بهوية “الهاشمي”

إلى ذلك، يكشف تقرير سابق للجنة الجزاءات المعنية بمتابعة ملف تنظيمي القاعدة وداعش داخل مجلس الأمن الدولي، في عام 2020، أن بعض الدول الأعضاء زعمت أن أبو إبراهيم الهاشمي هو ذاته أبوعمر قرداش/ أمير عبد المولى الصلبي، القيادي السابق بتنظيم داعش.

ويذكر التقارير الأممي أن أيا من الدول الأعضاء لم تتمكن من تأكيد المعلومة السابقة، مضيفًا أن اختيار “الهاشمي” قد يكون اختيارًا مؤقتًا حتى يتمكن تنظيم داعش من إيجاد بديل مناسب لزعيمه الكاريزمي “أبوبكر البغدادي”.

تقرير الأمم المتحدة عن زعيم داعش
تقرير الأمم المتحدة عن زعيم داعش

ويؤكد تحليل سابق منشور بموقع “ذات مصر” في أغسطس الماضي، أن حجي “عبدالله قرداش” قد قُتل خلال وقت سابق، وذلك استنادًا إلى تقرير نُشر بصحيفة “النبأ” الأسبوعية الداعشية بتاريخ 1 أغسطس 2019.

وتضمن تقرير صحيفة النبأ إشارة إلى اسم “أبوعمر قرداش” متبوعًا بـ”تقبله الله”، وهذا الدعاء يستخدمه في رثاء قادته المقتولين، كما أقرت ابنة “قرداش”، التي اعتقلتها القوات الأمنية العراقية في وقت سابق بمقتله، وذلك حسب تقرير سابق لـ”العربية. نت”.

صحيفة النبأ
صحيفة النبأ تعترف بمقتل قرداش

في حين تُشير إفادات لمنشقين عن داعش، من بينهم “أبوعيسى المصري”، أحد كوادر تنظيم داعش السابقون، أن أبو عمر قرداش لا يصلح لقيادة التنظيم وفقًا للمعاير الحركية والشرعية التي يحددها، لأنه مبتور الرجل اليمنى وهذا يقدح في أهليته لتولي قيادة سرية أو كتيبة وليس تنظيمًا بأكلمه.

ترويج مستمر لأمير داعش

وفي ظل استمرار الخلاف والسجال حول هوية زعيم داعش، واصلت الآلة الدعائية للتنظيم تأكيد قدرته الاستثنائية في القيادة، إذ تضمنت كلمات المتحدث باسم داعش أبوحمزة القرشي والتي كان آخرها في أكتوبر 2020، دعوةً لمقاتلي داعش في جميع أنحاء العالم للسمع والطاعة لليادة وعدم الخلاف عليها وتجديد البيعة لـ”أبوإبراهيم الهاشمي”.

وفي أوقات سابقة، بثت المكاتب الإعلامية لأفرع داعش في أفغانستان وباكستان وليبيا واليمن وغيرها إصدارات مرئية، أظهرت مقاتلي التنظيم وهم يؤدون البيعة/ يمين الولاء لـ”الهاشمي”، وهو ما يُظهر التفاف مقاتلي داعش حوله في الفترة الراهنة، بجانب نجاح بعض الأفرع الداعشية في إفريقيا في تحقيق انتصارات ملفتة في ظل قيادته للتنظيم.

ونجح التنظيم أيضًا في استثمار زخم العمليات التي شنتها الأفرع الداعشية وتحريض مناصريه في أوروبا وغيرها من الدول على تنفيذ هجمات ضد الدول المعادية للتنظيم، وبالفعل استجاب بعض عدد منهم لهذا التحريض كما فعل أبودجانة الألباني/ كوجتيم فيزولاي منفذ هجوم العاصمة النمساوية فيينا في نوفمبر الماضي، والذي بث مقطعًا مصورًا قبل العملية وهو يبايع “الهاشمي” الذي نجح بشكل واضح في الحفاظ على التنظيم بعد مقتل سلفه أبوبكر البغدادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى