تقلبات “توكل كرمان”.. أين حياد الفيسبوك المأمول؟!

د. هاني نسيرة

كاتب وخبير سياسي

أثار إعلان “توكل كرمان”، المولودة في فبراير سنة 1979 في السادس من مايو الجاري، انضمامها لمجلس الإشراف على محتوى الفيسبوك وإنستجرام، ردود فعل عنيفة وحادة عربيًّا ودوليًّا، تفوق تلك التي واجهتها عند حصولها على نوبل في أكتوبر سنة 2011، وتهدد مستقبل الموقع التواصلي الأكبر في العالم، وحياديته المأمولة فيه.

حملت بعض الاعتراضات حجة منطقية، وهي الخلفية الأيديولوجية والحزبية للناشطة اليمنية، التي وُلدت في أسرة من قيادات جماعة الإخوان في اليمن. ورغم خلافها التكتيكي بعد المقاطعة العربية لقطر جزئيًّا مع حزب الإصلاح الذي يمثلها؛ يظل تماهيها المرجعي والفكري مع الفكر الإخواني والأصولي عمومًا، فتعتبر نفسها تلميذة مخلصة تربت على كتابات “القرضاوي” وتتلمذت على كتابات الراحل الدكتور “محمد عمارة”، وترى جماعة الإخوان فوق التاريخ وحركته، كما ترى -كما ذكرت- الرئيس الأسبق “محمد مرسي” آخر الأنبياء كما ذكرت في نعيه بحسابها على موقع تويتر.

لكن بينما تلبس “كرمان” أقنعة منظومة حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ونجحت في ذلك غربيًّا بشكل كبير؛ فهي تدعو إلى علمانية مؤمنة، وتُخفي من خطاباتها الرسمية وتغريداتها -قدر الإمكان- تحيزاتها الأيديولوجية الحادة. لكن الملاحظ أن التحريض والانحياز لا يزالان السمة الأبرز للناشطة اليمنية، التي تزن بمكاييل متعددة كل موقف، وتستعد دائمًا للتحولات الحادة وما تحمله من تناقضات.

ومن هذا التناقض، أن الناشطة التي تخاطب الغرب بلغته، ولا تزال على مواصلة الثورة والإصرار على إنتاج الربيع المأمول؛ لا تنتبه ولا تشير إلى فشل ومسئولية صانعيه عن تحوله إلى ربيع إخواني ثم داعشي أرعب العالم أجمع، وكان أكبر تهديد عالمي شهده العالم في العصر الحديث، كما ذكرت الأمم المتحدة عام 2015. وبينما كانت ترفض السياسة الإيرانية في سوريا وتُصر في حواراتها على طرد الاحتلال الفارسي -كما تسميه في اليمن- نجدها تدافع عن إيران وتبدي إعجابها بسياساتها بعد مقتل قائد الحرس الثوري السابق “قاسم سليماني”، وتصف السياسة الإيرانية بالحكمة، وأنها جنبت إيران مصيرًا مشابهًا للبلاد المسلمة الأخرى مثل العراق وأفغانستان، ولا توجّه النقد الشديد لإيران كما كانت تفعل قبل المقاطعة العربية لقطر، وقد سبق أن وصفتها بأنها أصل كل الكوارث في العالم العربي.

وكما تحولت “كرمان” لصالح قطر وتركيا وإيران؛ تحولت عن السعودية والإمارات ودول الخليج، واستمرت تدعو للثورات ضدها، بل وتدعو للاحتجاج أثناء موسم الحج، وبينما كانت تعلن تحديها لـ”نصر الله” وحلفاء الانقلابيين الحوثيين وتهديدهم بالجيش المصري الداعم للشرعية، نجدها تعود وتصفه بالأوصاف التي لا تليق.

فضلًا عن كل هذه التحولات والتناقضات والانقلابات الذاتية والخطابية التي لا تُضيف للفكر والواقع العربي شيئًا، بل تحريضًا على العنف، فقد اتهمها بعض الثوار اليمنيين بتوريط الشباب اليمني في العنف أثناء ثورة سنة 2011، فيما عرف بأحداث بنك الدم التي دعت لمهاجمته، كما أنها من دعت لطرد المبعوث الأممي من اليمن بعد الانقلاب الحوثي، رغم أنها كانت دائمًا تُثني على عمله، ومن دعت لاستقالة “عبدربه منصور هادي” ثم دعته للبقاء والمواجهة من أجل الشرعية، ثم عادت لتصفه بالمومياء واللعبة في يد تحالف دعم الشرعية!

تقلبات لا تنفي التحيز وتثير سؤال الولاء، مما يجعل اختيار فيسبوك وإدارته لـ”توكل كرمان” لتحمي العالم من الكراهية، أمرًا مثيرًا للاندهاش وقابلًا بقوة للنقد والتفنيد.

استثناء كبير.. وفروق كبيرة

بعيدًا عن أي تحيز سياسي وحزبي أو أيديولوجي لها أو عليها، يمكن القول إن الناشطة اليمنية “توكل كرمان” هي الفائزة والاستثناء الكبير بين شباب وشابات الربيع العربي، فقد صارت تملك مؤسسة خيرية كبيرة باسمها في العاصمة التركية إسطنبول، كما تملك وتدير قناة تليفزيونية باسم “بلقيس”، وحصلت على نوبل سنة 2011، كما ترشحت في 6 مايو الجاري 2020 لتكون ضمن محكمة المحتوى العالمية للفيسبوك وإنستجرام، بينما كان مصير الآخرين الشهادة أو الانزواء أو الاختفاء. ويكفي مثالًا أن نذكر مصير السوريتين “رزان زيتونة” و”سميرة خليل” ومعهما الشقيقان “ناظم” و”وائل” الذي بقي مجهولًا منذ يناير عام 2013 بعد أن اختطفتهم بعض الميليشيات المسلحة في ريف دمشق. تم توقيف أحد ممثليها “إسلام علوش” في محكمة بمارسيليا مؤخرًا نتيجة قضية رُفعت بهذا الخصوص.

ولعلّ هذا الاستثناء الذي نجحت “توكل كرمان” فيه (حصلت على الجنسية التركية عام 2012، وهجرت اليمن منذ أعوام) يفسر كثيرًا من تحولاتها وتناقضاتها، وكونها ليست أكثر من صوت احتجاجي تدعو للثورة المستمرة، وترفض كل اختلاف، ولكنها لا تعرف أين تقف من أجل لحظة بناء الدول، وهجرت منذ أعوام بلدها اليمن، ليعاني من الانقلاب الحوثي الذي تُندد به، ولكن ترفض حرب الدفاع عن الشرعية التي دعت إليها وشجعتها في السابق، ولكن انقلبت ضدها قبل المقاطعة العربية مع قطر في يونيو سنة 2017. ومع أنها اشتهرت بالدفاع عن حرية التعبير وحرية الصحافة التي مر يومها العالمي قبل قليل، تتجاهل دائمًا أوضاع الصحفيين وحرية التعبير في تركيا حيث تقيم.

يبدو أن الأخريات في مشهد الثورات العربية سنة 2011 كان واضحًا ومتسقًا مع نفسه، ولاقى في سبيل ذلك ما لاقى، أو انزوى محترمًا لذاته وقناعاته، لكن “توكل كرمان” وحدها في قدرتها على التحيز والتقلب والتحول بين الأضداد نجحت في أن تكون استثناء لم يعد يقنع أحدًا حتى في اليمن، فضلًا عن الشرق الأوسط، ومن هنا كان اختيارها والفرص التي تنهال عليها موضعًا للتساؤل أيضًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search