تقييد الطلاق

السعودية تستجيب للواقع: اليمين أمام القاضي

ربما بدأت المراجعة الفقهية في الدين الإسلامي منذ قرنه الأول وفي وجود النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- نفسه، أي منذ 1400 عام، إذ أجبر الواقع الفقهاء على التجديد، واحتلت مسألة الطلاق صدارة النقاش الفقهي، وكان من ضمن الخلاف فيها “وقوع الطلاق المثلث ثلاث طلقات”، وكان هذا ما دأب عليه المسلمون منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وجاء ابن تيمية فأحيا السنة النبوية في اعتبار الطلاق المثلث طلقة واحدة، مخالفًا “تجديد عمر” في المسألة، فاستعاد الوضع الأول للطلاق، ما أثار عليه العلماء في حينه، ورغم أن الأمر مثل أزمة كبرى بين العلماء وبين ابن تيمية، ناله منها ما ناله من الذم والقدح، فإن اجتهاده وتجديده ذاك سرعان ما أصبح عمل جميع المسلمين في وقت قصير، وذلك تحت سطوة الواقع والضرورة الحياتية.

يمين الطلاق يضع الشرع والمؤسسات والأسر على المحك

في العصر الحديث، عاد الطلاق ليكون محور خلاف من جديد، باعتبار الصورة القائمة له في أرض الواقع عبئًا على كاهل الشرع والمؤسسات، لأن استمرار صلاحيات إنهاء الحياة الزوجية في يد الزوج فقط واستغلاله هذه الصلاحيات الشرعية في التنكيل بزوجته وأطفاله بلا ذنب بات غير واقعي ولا إنساني. لذا، ومع إلحاح الواقع وضغط المستجدات، بدأ الحديث منذ فترة عن ضرورة الاستغناء عن الطلاق الشفوي لعدم ملاءمته الحياة المعاصرة، ولحفظ حقوق المرأة في إثبات الطلاق، وضمان النتائج المترتبة عليه من حقوق للأم ومستقبل الأبناء.

المشاكل الزوجية
الطلاق بالحضور أمام القاضي وإلا القبض على الزوج

ورغم تردد العديد من المؤسسات الدينية، التي تعد المسئول الأول عن التجديد الديني، في تناول قضية الطلاق الشفوي، فإن المملكة العربية السعودية حازت الأسبقية بإدخال تعديلات على قانون الأحوال الشخصية تقضي بإلزام الزوجين الحضور أمام القاضي للحصول على صك طلاق، وذلك للحد من عبثية الإجراء الذي ينهي حياة أسر كثيرة بلا تفكير في مراحل ما بعد الطلاق، وما يترتب عليه من ضياع حقوق الزوجة والأبناء، وعليه فإن الإجراء القانوني الجديد في المملكة لن يمكّن الرجل من التطليق إلا بعد حضوره وزوجته أمام القاضي، ولن يتمّ إصدار أي صك طلاق إلا بعد حسم موضوعات النفقة والحضانة وزيارة الأبناء، وستتمّ إحالة الزوجين الراغبين في الطلاق وفقًا للتعديلات الجديدة إلى مركز المصالحة، كمحاولة أخيرة لإعادة العلاقة الزوجية بينهما مرة ثانية، خاصة حال وجود أطفال، وإذا أصر الطرفان على الطلاق فلا بد لهما من الاتفاق على تفاصيل ما بعد الطلاق، وإذا امتنع الزوج عن الحضور أمام المحكمة لإثبات الطلاق فللمحكمة إحضاره بالقوة الجبرية.

الصك الرسمي الجديد الذي يُطلب عند الطلاق بالسعودية
"نفع الناس أولى".. رأي العلماء في الطلاق

“الطلاق بهذا الشكل الذي أعلنته المملكة السعودية أصبح أمرًا وديًا وشرعيًا، وهو عين ما يراه ويريده الشرع الذي نص على أنه إن وجد من يوثق الطلاق يكون الأمر أولى وأفضل وأنفع للناس وللأسرة”. هكذا أيَّد الدكتور محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، الخطوة السعودية، وأضاف لـ”ذات مصر” أنَّ الطلاق أمر جليل يهتز له عرش الرحمن، فالله تعالى أحله وأراد من عباده ألا يتسرعوا فيه وأن يجعلوه آخر حل عند الاضطرار، فقد نفّر الله المسلمين من التسرع في الطلاق وبغَّضه إلى النفوس، وقال النبي محذرًا المرأة: “أَيّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلاَقَ في غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ”، وقال عليه الصلاة والسلام محذرًا الرجال: “ما بال أحدكم يلعب بحدود الله، يقول، قد طلقت، قد راجعت”.

“الطلاق يسهم بشكل كبير في ضياع الأولاد، وتحويلهم لأيتام رغم حياة آبائهم وأمهاتهم”، تابع “مهنا”: “ما فعلته السعودية من ضرورة الاتفاق قبل الطلاق، وإحضار الزوج والزوجة أمام المأذون أو قاضي الطلاق، لا ينكره شرع ولا عقل، فالنبي قال: (لا ضرر وضرار)، واشتراط حضور الزوجة لعقد الطلاق كما فعلت السعودية يمثل تطبيقًا عمليًا لمنع الضرر الواقع على السيدات”.

سعادة كبيرة بالقرارت السعودية أبدتها الدكتورة “آمنة نصير”، عميدة كلية الدارسات الإسلامية السابقة وعضو مجلس النواب المصري، ورأت فيها “تجديدًا ممتازًا يحتاج لتأصيله ودراسته، لما فيه من وقف لحالة التسرع في الطلاق وعلاج لانعدام الوعي بمراحل الطلاق الشرعي، حيث وجب وجود حكَم من أهل الزوج وحكَم من أهل الزوجة قبل أي عملية طلاق، وتدخل المصلحين الرسميين وفقًا للقرارات السعودية يمثل الحلقة المفقودة في واقعنا المعاصر”.

الدكتورة آمنة نصير

“واقعنا كئيب وغريب، إذ يحدث الطلاق بين الزوجين، وبعده يبدأ التفكير في مراجعة الأمر وما كان من خلافات، ما جعلنا نرى أرقامًا مفزعة في أعداد المطلقين بلغت قرابة ربع مليون حالة سنويًا في مصر وحدها”، بحسب “نصير”، مضيفة: “بمثل هذه التشريعات سيمكن تطبيق الشرع في الطلاق بشكل صحيح، فما شرعته المملكة شرعي بشكل كامل، فالطلاق الشفوي في الشرع حق للرجل المؤهل والواعي بمعنى كلمة الطلاق، أما ما نراه من رعونة وسوء استغلال لكلمة الطلاق يجبرنا على ضرورة إعادة النظر في الأمر، وقد وعت السعودية ذلك بتشريعاتها الجديدة في الطلاق”.

تدعو “نصير” إلى ضرورة حدوث مراجعة عامة وإجماع جديد بين المؤسسات الدينية الحالية لإلغاء الطلاق الشفوي، معتبرة أن الأمر “لم يعد نزهة أو خيارًا، وحال أي رفض لمراجعة الطلاق الشفوي فسوف يتجاوز الواقع والجمهور العام المؤسسات ويلجئأون لخيارات أخرى”، محذرة مما أسمته بـ”تجديد فوقي عبر السلطات، أو تحتي عبر الجماهير”.

أما الدكتور “أحمد عمر هاشم”، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، فقال إن الحديث عن إلغاء الطلاق الشفوي يحتاج لتنسيق بين المؤسسات الدينية والمؤسسات الاجتهادية الكبرى، مثل مجمع البحوث الإسلامية في مصر، وهيئة كبار العلماء بالسعودية، متمنيًا سرعة البدء في هذا التنسيق لأهميته، وأوضح: “هذه المؤسسات هي التي تتوافق على التجديدات اللازمة ليكون هناك إجماع، فالتجديد الآن لم يعد برأي فردي مثلما سبق، وتعديلات مهمة وكبرى في الأحوال الشخصية في أي بلد من البلدان، لا بد لها من اجتهادات كبرى وتوافق بين المؤسسات”.

الدكتور أحمد عمر هاشم
عرقلة الطلاق أمر مطلوب كلما أمكن

الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أكد أن ما أقدمت عليه السعودية من إلغاء للطلاق الشفوي والطلاق الغيابي أيضًا يوضح أن المملكة تقدمت خطوات بعيدة المدى نحو احترام الإنسان والمرأة والحفاظ على الأسرة وتجديد الخطاب الديني، وما فعلته يتفق مع حقوق الإنسان وحقوق المرأة والشرع الشريف، فالعقود الرسمية، حسب قوله، لا يمكن إلغاؤها شفاهة بأي حال من الأحوال.

“الجندي” يشير بشكل عام إلى انتهاء ما يسمى بـ”التعاقد الشفوي” عام 1931، إذ كان كل شيء يتم التعاقد عليه شفاهة، سواء بيع العقارات والأراضي أو نقل الأموال وامتلاكها، والدولة شريك في كل معاملات الناس، بما فيها الزواج، ولا بد أن تكون حاضرة وشريكة في الطلاق، بحسب “الجندي”.

يبرر “الجندي” توثيق الطلاق بأنه ضرورة لـ”عرقلة عملية الطلاق” لأن فيه هدمًا للأسرة، وقال إن “هناك فرقًا كبيرًا بين أن يطلق الرجل زوجته في لحظة وينتهي كل شيء، وبين أن يذهب لإحضار شاهدين ثم يتصل بمأذون لتحديد موعد ويتدخل طرفان من الأهل، واستنكر بقوله: “الأمر الذي يبغضه الله، وهو الطلاق، نجعله حاليًا يتم في لمح البصر، فيما نضع في نفس الوقت عراقيل أمام الزواج، فهل هذا يرضي الله؟”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبدالوهاب حسن

صحفي مصري مهتم بالشئون الدينية وقضايا التجديد.

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram