سياسة

الضغط والاحتواء.. تكتيكات الحكومة الأفغانية لإنهاء تمرد طالبان

تدرك الحكومة الوطنية في أفغانستان أنها بصدد مرحلة عصيبة بعد إتمام القوات الأمريكية انسحابها المرتقب من البلاد في سبتمبر القادم، ولذا تستبق الأمور وتنوع أدواتها وتكتيكاتها في محاولة للضغط على طالبان، وإخضاعها لمسار شراكة سياسية وأمنية بينهما.

عكست الوسائل التي يوظفها المسؤولون الأفغان توقعهم لمختلف السيناريوهات ما بين فرضية اختيار قادة طالبان لمواصلة مسار العنف، وبث الفوضى سعيًا وراء هدف الهيمنة الكاملة، مقابل إمكانية قبول الحركة التفاوض والانحياز للشراكة والتحلي بالمصداقية أو أقله البراغماتية بعد اكتشاف استحالة إعادة الزمن للوراء وعدم مقدرتها منفردة على فرض الهيمنة على كامل التراب الأفغاني.

تكتيكات ورسائل رسمية في التعامل مع طالبان

بدت تكتيكات ورسائل المسؤولين الأفغان متناقضة ظاهريًا، نظرًا لأنها تتوخى استجلاب الضغوطات الأمريكية والخارجية على طالبان من جهة، ومن جهة أخرى تحاول احتواء قادة الحركة وإقناعهم بفداحة سلوك العنف والاقتتال وجذبهم لمنطقة توافقية من منطلق أرضية تفاوضية ترسي المصالح المشتركة، أما إذا صمموا على المعادلة الصفرية والمكوث في ميادين القتال فهناك استعداد أيضًا من جانب الجيش والحكومة لهذا السيناريو الذي لا يستطيع طرف حسمه لصالحه بسهولة.

مقاتلو طالبان
مقاتلو طالبان

وأطلق مسؤولون أفغان مؤخرًا تصريحات تشي باستمرار العلاقة المتينة التي تجمع بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وبأن الأخير راكم نفوذًا لافتًا في أفغانستان خلال السنوات الأخيرة بعد تشتت في كل من باكستان وإيران استمر طوال مرحلة انتقالية كانت خلالها طالبان على هامش المشهد، أما الآن فالقاعدة ناشط بقوة في أفغانستان في ثلاث عشرة ولاية أفغانية تحت حماية طالبان.

اقرأ أيضًا: مع اقتراب الانسحاب الأمريكي.. غرام طالبان والقاعدة مستمر رغم اتفاقية السلام

ويتوخى المسؤولون الأمنيون والعسكريون الأفغان إشعار الأمريكيين بأن تنظيم القاعدة ازداد قوة وحضورًا منذ توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان العام الماضي، وهو ما يفسر تكرار إعلانهم عن إما ضبط أو مقتل عناصر من القاعدة والمقاتلين الأجانب خلال المعارك التي تخوضها القوات الأفغانية حاليًا في مواجهة هجمات طالبان في العديد من المناطق الأفغانية.

تدحض هذه الرسائل مزاعم المسؤولين الأمريكيين بشأن انقضاء مخاطر القاعدة والمجموعات الإرهابية بأفغانستان، وتكرس حقائق مغايرة على الأرض تستدعي إعادة التقييم من قبل الإدارة الأمريكية بشأن مستقبل الأوضاع في أفغانستان خاصة ما يتعلق بمخاطر انفراد طالبان بالمشهد.

جو بايدن
الرئيس الأمريكي جو بايدن

وتجلب الحكومة الأفغانية عبر هذه الرسائل ضغوطًا خارجية مضاعفة على حركة طالبان، بالنظر إلى أن العامل الرئيسي الذي بنت عليه واشنطن قرار سحب قواتها في سبتمبر من هذا العام هو تفكيك طالبان علاقاتها بالقاعدة وتعاونها مع الأطراف الدولية في مكافحة الإرهاب العابر للحدود وعدم وجود ما يمثل تهديدًا مباشرًا لضرب الولايات المتحدة انطلاقًا من أفغانستان.

تقريب المسافات

بجانب هذا التكتيك يحاول المسؤولون الأفغان احتواء طالبان وإغراء قادتها بشراكة آمنة وعادلة مع الحكومة المحلية، وهو ما عكسته تصريحات سابقة للرئيس الأفغاني، نشرتها مجلة ديرشبيجل الألمانية، ومفادها أن انحياز طالبان لخيار السلام مرهون بتوقف الغرب عن مهاجمتها.

ووعد الرئيس الأفغاني أشرف غني بإطلاق سراح سبعة آلاف سجين من طالبان في حال أوقفت الحركة القتال ومضت باتجاه عقد اتفاق سلام شامل مع الحكومة الأفغانية.

الرئيس الأفغاني أشرف غني

تصب هذه المراوحة بين تكتيكات الضغط والاحتواء في مساعي تقريب المسافات بين الحكومة وطالبان عبر تفتيح وعي قادة الحركة على جملة من مقتضيات الواقع التي من شأنها كبح أحلام الانفراد والهيمنة الجامحة، ومن ضمنها أن طالبان كي تضمن حضورًا فعليًا في مستقبل المشهد السياسي لن تنفعها فقط قوتها وسلاحها بل هي بحاجة لاعتراف دولي ورضا إقليمي وقبول شعبي، وهو ما لا يمكن تحققه بدون خروج نهائي من معسكر الجماعات الإرهابية المحظورة والانطلاق من أرضية توافقية مع باقي المكونات الأفغانية الوطنية.

للمزيد: حركة طالبان.. رحلة القتال والحكم من “قندهار” إلى “مفاوضات الدوحة”

وفي حين تخطط طالبان لاكتساب شرعية سياسية تمكنها من حكم البلاد من وراء مزاعم تحريرها الأرض الأفغانية وهزيمتها للولايات المتحدة وقوات الناتو، طرح المسؤولون الأفغان رواية مختلفة للأحداث تحرم قادة طالبان من جني ثمار تلك الدعايات المتعسفة التي تعتمد على حرف الوقائع عن سياقاتها وتسلسلها الطبيعي بغرض اختطاف انتصار دعائي يخدم مصالح الحركة.

التصور الأفغاني الرسمي مبني على أن خروج القوات الأمريكية النهائي كان سيتم سواء نشطت طالبان مجددًا أو لم تفعل، نظرًا لكونه انسحابًا تدريجيًا بدأ فعليًا في العام 2014، مع تولي أشرف غني الرئاسة عندما انسحب مئة وثلاثون ألف جندي أمريكي ومن جنود الناتو، وقد مرت أفغانستان بعمليات انسحاب مهمة قبل عقد الاتفاقية المنفردة بين واشنطن وطالبان في فبراير عام 2020.

الانسحاب الأمريكي وارتباك طالبان

قرار الانسحاب الأمريكي والدولي وفق المسؤولين الأفغان كان مفاجئًا لحركة طالبان ورعاتها، وتسبب في حدوث ارتباك في صفوفها وفي أوساط الجماعات المتطرفة عمومًا، حيث بات تبرير الحرب وحمل السلاح بمعنى الجهاد في مواجهة قوة أجنبية فاقدًا لقيمته ومغزاه، وفي حال واصلت طالبان القتال ضد أطراف محلية إلى ما لانهاية فهي تثبت ليس فقط أنها ناكثة لعهودها مع الأطراف الدولية بل أيضًا أنها لا تهمها مصالح الشعب الأفغاني ولا تقدر ضرورة الحفاظ على ما تحقق طوال عقدين.

القوات الأمريكية في أفغانستان
الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

يُعد انخراط طالبان ضد هذا المسار من شأنه تخريبًا للمؤسسات التي بُنيت حديثًا خاصة قطاع الأمن الذي بناه الأفغان بمساعدة دولية وكان سيتيح لهم القيادة ومواصلة التطوير وإجراء الانتخابات الوطنية وتعظيم الاستفادة مما تحقق على المستوى الاجتماعي والتعليمي والثقافي والسياسي بعد رحيل القوات الأميركية، على الرغم من العديد من العثرات ومكامن الخلل.

الكرة في ملعب طالبان

يشوب طرح طالبان لنفسها بقوة السلاح كطرف متحكم أوحد في المعادلة الكثير من الأوهام وإساءة التقدير، بداية من فرضية اكتساب الشرعية بزعم هزيمة الناتو والولايات المتحدة، مرورًا بمزاعم تحريرها للأرض وهي تواصل القتال ضد أطراف محلية وتحيد القوات الدولية وما يسببه هذا السيناريو من فوضى شاملة تدفع لتدخلات إقليمية وتعيد البلاد كملاذ للتنظيمات الإرهابية، وانتهاءً بالانقلاب على المكتسبات الأفغانية الجامعة والاهتمام بالسلطة أكثر من الاهتمام بالسلام.

بذلك تكون الحكومة الأفغانية قد ألقت بالكرة في ملعب طالبان؛ فإما أن تقبل الحركة بالتسوية السياسية واقتسام السلطة والاندماج في المجتمع والحكومة كسبيل أوحد للإنقاذ وللحفاظ على مصداقيتها لدى القوى الدولية ولدى الشعب الأفغاني بمختلف مكوناته العرقية والإثنية، أو أن تختار مواصلة التمرد ما يعني رفض الانتخابات وإدارة الظهر لحقوق جميع الأفغان بمن فيهم المرأة والأقليات.

مفاوضات طالبان والحكومة الأفغانية
مفاوضات طالبان والحكومة الأفغانية

إذا اختارت طالبان هذا المسار فستقف بالجهة المقابلة للرغبة التي أبداها الشعب الأفغاني عندما انعقد مجلس السلام في أغسطس عام 2020م والتي تبناها مجلس الأمن الدولي بقراره رقم 2513 الرافض لعودة إمارة طالبان، والمُطالِب بأفغانستان موحدة وديمقراطية ومحايدة.

عشوائية طالبان

تفتقر طالبان للخطط والبرامج الواقعية المقنعة خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وتقويض التنظيمات المتطرفة المسلحة مثل القاعدة وتنظيم الدولة؛ حيث أن الطريق الأمثل لتحقيق ذلك هو الاتفاق مع الحكومة الأفغانية والتنسيق معها وهو ما ترفضه الحركة.

مُضي طالبان قدمًا في مسار الحرب وشن الهجمات على الأطراف المحلية وعلى القوات الأفغانية سيواجَه بمقاومة شرسة من الحكومة الأفغانية بالتعاون مع حلفاء محليين وداعمين من الخارج، ما يعني احتمال فقدان طالبان جزءًا من مواردها وقواها البشرية وهو ما سيجعلها رهينة لنجدة تنظيم القاعدة الذي لن يتوانى في انتهاز الفرصة الثمينة، وسيجعلها بحاجة دائمة للتعاون مع الجماعات الإرهابية الأخرى لتعويض خسائرها.

مقاتلو طالبان

ولا تدعم ممارسات طالبان مزاعم قادتها بشأن إنكار صلتهم بالقاعدة حيث لم تبدِ الحركة ما يؤكد عزمها على احترام اتفاقها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ووضح هذا من خلال حرصها على مضاعفة حجم اعتداءاتها وعنفها والذي يتسع نطاقه كلما اقترب موعد انسحاب القوات الدولية، ما يعكس نواياها الحقيقية المتعلقة برفضها أن تكون جزءًا من أي حكومة توافقية مقبلة.

طالبان والشراكة مع القاعدة

وعلى ضوء التقارير الإستخباراتية الأمريكية والغربية والتقرير الأممي الذي وصف تفصيليًا العلاقة بين الطرفين عام 2020، فإن طالبان والقاعدة ما زالا شريكين إستراتيجيين، علاوة على أن مجريات الأحداث تشي بأن هذه العلاقة أقوى من أن يفككها اتفاق هش لن يحول دون وقوع حرب أهلية محتملة أو ممارسة طالبان لديكتاتوريتها الأصولية التي تحتاج من أجل تكريسها لجهود كل حلفائها الجهاديين.

تنظيم القاعدة

ولذا تصب عشوائية طالبان في التعاطي مع أهم الملفات التي تشغل القوى الدولية والمحيط الإقليمي والشعب الأفغاني وهو الملف الأمني وتحقيق الاستقرار في أفغانستان وفي الإقليم في صالح موقف الحكومة الأفغانية التي يبعث مسؤولوها برسائل للأمريكيين مؤداها وضع القوى الخارجية أمام مسؤولياتها بعد الانسحاب لاتخاذ ما يلزم لإجبار طالبان على التسوية السياسية والتنسيق الأمني، وإلا فالبديل هو ترك الساحة للقاعدة وغيره من التنظيمات المتطرفة المسلحة لإعادة بناء قواعدها داخل البلاد.

برامج الحكومة

في المقابل بدت خطط وبرامج الحكومة الأفغانية ورئيس الدولة أكثر تماسكًا وإقناعًا؛ حيث طرح الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمدزي مقترحا لدمج مقاتلي طالبان في القوات المسلحة الأفغانية، آملا في ضمهم لجهود الدولة في القضاء على مقاتلي القاعدة وداعش.

كشفت أطروحات الرئيس الأفغاني وحكومته حركة طالبان سياسيًا وأمنيًا؛ ففي حين تحظى خططه بشأن عقد اتفاق سياسي مع طالبان، ووقف إطلاق النار، وإجراء انتخابات رئاسية، وتشكيل حكومة انتقالية تشارك فيها طالبان بقبول دولي ورضا محلي، ترفض الحركة الانتخابات، وتصر على استعادة الحكم الديني، وإقامة إمارة إسلامية على غرار حكمها بين 1996 و2001م، وبينما يقترح الرئيس “غني” الدمج والتنسيق الأمني لمواجهة المتطرفين تنسق طالبان مع القاعدة وغيره لشن هجمات على القوات والمؤسسات الحكومية.

ورغم تكثيف عملياتها وإحرازها بعض الانتصارات العسكرية مؤخرًا إلا أن الأمور بالنسبة لطالبان لن تكون بسهولة استيلائها على المدن الكبرى من دون مقاومة خلال حقبة التسعينات، فضلًا عن أن هناك إمكانية لإقامة تحالفات عسكرية بالداخل لصد هجمات طالبان مع أمراء الحرب المناهضين لطالبان لاسيما من غير البشتون والذين قاتلوا في السابق إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، ولعبوا دورًا هاما في طرد طالبان من السلطة.

رهان الرئيس الأفغاني

يراهن الرئيس الأفغاني وحكومته في حال عدم التوافق واستمرار القتال على دعم السكان المحليين الكارهين لحكم طالبان، ومقاومة المناطق الشمالية غير البشتونية، فضلًا عن مؤازرة الأعراق الرئيسية بالبلاد، ما يعني تخيير طالبان بين مسارين لا ثالث لهما إما السلام ودمج مسلحيها في القوات الحكومية والمجتمع الأفغاني، أو الحرب مجهولة النهايات، مع الوضع في الاعتبار أن هذه ليست أفغانستان عام 1996م، فهي الآن في مرحلة مختلفة وبواقع مغاير وعصية على الاستسلام.

حركة طالبان
السفير زلماي خليل زاده والملا بارادار يوقعان اتفاقية السلام لأفغانستان في الدوحة، فبراير 2020

يُذكِّر المشهد الأفغاني الراهن الآن بدرس الانسحاب السوفييتي قبل أكثر من ثلاثين عامًا؛ حيث لم تندلع الحرب الأهلية التي دمرت البلاد عقب الانسحاب كمجرد نتيجة لرحيل القوات السوفييتية، بل انهارت الأوضاع بسبب الفشل في صياغة خطة واقعية قابلة للتطبيق لإدارة مستقبل أفغانستان.

ترسل الحكومة الأفغانية نصائحها وتحذيراتها للولايات المتحدة الأمريكية كي لا تتخلى واشنطن عن دعمها على كافة المستويات، فانهيار نظام نجيب الله لم يحدث إلا بعد سحب روسيا دعمها المالي عام 1992م ما أدى لاندلاع الحرب الأهلية، وتبعث برسائل لطالبان مفادها أنها مستعدة لجميع الخيارات، وأنها تحمل بيد غصن الزيتون وبالأخرى سلاح المقاومة.

هشام النجار

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى