سياسة

تكتيك العودة إلى المدن: داعش يحط فوق “ساحة الطيران” ببغداد

بينما ينشغل العراقيون بمتابعة اليوم الأول لـ”جو بايدن” في البيت الأبيض، وبعد أيام من تأجيل مجلس الوزراء العراقي انتخابات البرلمان المبكرة لتصير في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وعلى مقربة من ساحة التحرير التي لم تنطفئ بها جذوة “الانتفاضة التشرينية”، أطل تنظيم “داعش” برأسه مجددًا، بعد غياب عن “ساحات المدن” منذ أكثر من عام ونصف العام، ليضرب قلب بغداد عبر انفجارين متتاليين في “سوق باب الشيخ” بساحة الطيران، صباح الخميس 21 يناير/ كانون الثاني 2021، أسفرا عن سقوط 32 قتيلاً و110 جرحى، وذلك حسب ما أعلنت وزارة الصحة العراقية.

فما الذي تعنيه هذه العودة؟ وهل العراق على مشارف “مفاجأة مدوية” كما حدث في 2014؟

تفجير بغداد المزدوج.. “أيادٍ داعشية”

أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الهجوم المزدوج، وقال عبر وكالة “أعماق”، التابعة للتنظيم، عبر على “تليجرام”، إن “أحد الانتحاريين اتجه نحو تجمع في ساحة الطيران المركزية وعندما بدأ الناس التجمع فجّر حزامه الناسف، وأضاف أن انتحاريًّا آخر فجّر نفسه عندما بدأ الناس في التجمع بعد الانفجار الأول”.

تبني داعش لتفجيرات بغداد

ورغم أن عمليات داعش لم تنقطع منذ هزيمته في عام 2017، واستمرار المخاوف من عودته بقدر أكبر، وهي المخاوف التي عبرت عنها وثيقة لمديرية الاستخبارات بوزارة الداخلية العراقية، مُحذِّرةً من مخطط خطير يعتزم تنظيم داعش تنفيذه في الأيام المقبلة، فإن هذه العملية تختلف عن سابقاتها، وذلك بالنظر إلى اعتبارين:

أولهما: دلالة التوقيت: فتوقيت “عملية ساحة الطيران” يثير العديد من علامات الاستفهام، خاصة لتزامنها مع:

  • تولي بايدن: يترقب العراقيون طريقة تعاطي الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن مع الملف العراقي، خاصة مع وجود ملفات حساسة تنتظر حسمها على طاولة “الحوار الإستراتيجي” بين واشنطن وبغداد، يجيء في مقدمتها: انسحاب القوات الأمريكية، ووضعية “ميليشيات إيران” في العراق.
جو بايدن
  • الانتخابات المبكرة: يأتي التفجير في الوقت الذي يعمل فيه مصطفى الكاظمي على تهيئة المناخ السياسي والأمني الملائم وتذليل العقبات اللوجيستية والفنية أمام الانتخابات التشريعية المقبلة، والتي يُعوِّل عليها من أجل إحداث تغييرات جوهرية في بنية حكم ما بعد 2003، استنادًا إلى المطالب الإصلاحية التي يحملها المتظاهرون العراقيون منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019.
  • التصعيد الأمريكي/الولائي: تصاعدت الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية والفصائل المسلحة الموالية لإيران منذ مقتل زعيم فيلق القدس “قاسم سليماني” بغارة أمريكية في 3 يناير/ كانون الثاني 2020، ما يُعزِّز من الإشارات بأن الخرق الأمني الذي أسفر عن الحادث كان متعمدًا، بشكل يدفع نحو خلق “فوضى أمنية” تُخفِّف الضغط على الميليشيات المسلحة، ويصرف النظر إلى “داعش”.

أما ثاني الاعتبارات، في دلالة المكان: حيث ركزت بقايا التنظيم منذ هزيمته في عام 2017 على العمليات العسكرية في الأطراف والمناطق الجغرافية الوعرة، وذلك في ضوء تبني “إستراتيجية شد الأطراف“، فوفقًا للمتحدث السابق باسم العمليات المشتركة، العميد يحيى رسول فإن التنظيم:

“يركز على المناطق الصعبة (جغرافيًّا) مثل الصحراء التي تشكل 30% من مساحة العراق، وتوجد مفارز لتنظيم داعش الإرهابي في مناطق غرب نينوى وسلسلة جبال بادوش والعطشانة، وأيضًا في صحراء الأنبار، وبعض مناطق كركوك- خصوصًا الجنوبية منها”.

لكن يجيء اختيار مكان التفجير المزدوج في قلب العاصمة ليشير إلى أن التنظيم بدأ يتخلى عن الصحراء والولوج إلى مرحلة “ضرب المدن”.

ما بعد الباجوز.. مؤشرات استعادة المبادرة

أبوبكر البغدادي، زعيم داعش السابق

على الرغم من التحديات الوجودية التي واجهها تنظيم داعش منذ أن خسر آخر معاقله في بلدة باغوز بمحافظة دير الزور السورية في مارس/ آذار 2019، ومقتل أول خليفة للتنظيم “أبو بكر البغدادي” في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وفقدان التنظيم “خلافته المكانية“، فإن خلاياه ما زالت قادرة على شن هجمات وعمليات التنظيم لم تتوقف.

فخلال 2020 تصاعدت وتيرة الهجمات التي شنها التنظيم بنحو يدعو للقلق، وفق ما أشار إليه المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي، في استعادة لأجواء ما قبل غزو الموصل. فخلال الثلاثة أرباع الأولى من عام 2020، شن التنظيم نحو 426 عملية في سوريا، كما نفّذ خلال الفترة ذاتها في العراق نحو 834 عملية، كما أن تقديرات الولايات المتحدة تشير إلى وجود ما بين 14 إلى 18 ألف من مقاتلي داعش ينشطون بين سوريا والعراق حاليًّا.

وفي ما يخص أهم ملامح “العودة الوشيكة” لتنظيم داعش، فوفق ما أشار إليه كتاب إدارة التوحش“، والذي يعد بمثابة الدستور والمرجعية لداعش، فإن التنظيم يعمل من خلال 3 مراحل متتابعة:

  • المرحلة الأولى: مرحلة شوكة النكاية والإنهاك
  • المرحلة الثانية: إدارة التوحش
  • المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة وتسمى شوكة التمكين

ومنذ خسارة “دولة الخلافة المزعومة”، فإن التنظيم تراجع إلى مرحلة شوكة النكاية والإنهاك، والتي تتمثل في العمل على إنهاك القوات الأمنية والجيش العراقي، مُرتكزًا في ذلك على عدد من التكتيكات، أهمها: عمليات الاغتيال، وحرب العصابات، وتكتيكات الكر والفر، والتفجيرات، والابتعاد عن سياسة “إمساك الأرض”.

وقد سعى داعش لـ”اغتنام الفرص” المُغذية لعودته، ومنها:

  • انسحاب القوات الأمريكية: والذي بدأ في إبريل/ نيسان عام 2020، وهو الشهر الذي شهد زيادة في عدد الهجمات بنحو 119% عن الشهر الذي سبقه.
  • جائحة كورونا: فقد زاد عدد هجمات داعش بقدر كبير في أوائل عام 2020 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019، ناهيك بنفاذ التنظيم من الثغرات الأمنية، ما جعل وزير الدفاع العراقي جمعة عناد يُصرِّح بأن “90% من عمليات داعش في العراق وقعت بسبب إهمال القوات الأمنية والعسكرية”.
  • استمرار معركة “كسر العظام” بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي و”الميليشيات الولائية”، وذلك لحصر السلاح بيد الدولة.
  • استمرار مسببات “الانتفاضة التشرينية“: من عنف وفساد مالي وسياسي وتردي خدمات.

سيناريو 2014… مقاربات العودة

منذ ما يزيد على 3 أعوام مع كل عملية يقوم بها التنظيم، دائمًا ما يُطرح التساؤل التقليدي: هل يعود تنظيم “داعش” ليكرر غزو الأراضي العراقية على غرار ما حدث إبان سقوط الموصل 2014؟

عناصر داعش

ثمة العديد من التحليلات المُعمَّقة والمعلومات والإحصاءات حول مسارات وإحداثيات “عودة التنظيم” والعوامل الدافعة والأخرى المعوقة لها، يمكن حصرها في مقاربتين، هما:

  • مقاربة التهويل: والتي تأسست على فرضية مفادها أنه بتحليل نوعية ومستوى العمليات التي يقوم بها “داعش” في الآونة الأخيرة، فإن التنظيم في طور شبيه لما كان عليه قبيل “اجتياح المدن” و”قيام الخلافة”، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى المبالغة في تقدير المخاطرة الكامنة وتقييم التهديد الذي يمثله التنظيم، ويمكن فهم ذلك بالنظر إلى عدد من الاعتبارات:
  • أولها: عدم انقطاع العمليات التصعيدية للتنظيم طوال الأربعة أعوام الماضية وبوتيرة متسارعة.
  • ثانيها: استمرار البيئة الممهدة لعودة التنظيم، فالأحزمة الريفية المتاخمة للمدن تشكل جيوبًا وملاذات آمنة لفلول داعش، مع ما تعانيه تلك المناطق من تهميش وغياب لدور الدولة.
  • ثالثها: استمرار القدرات المالية للتنظيم، فقد قدر تقرير فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة في يوليو/ تموز 2020 بأن لديهم احتياطيات تقدر بنحو 100 مليون دولار، وتقدرها وزارة الخزانة الأمريكية بـ300 مليون دولار.
  • رابعها: إن “عنصر المفاجأة” الذي أحدثه استيلاء التنظيم على الأرض والصدمة التي سببتها “الجرائم الداعشية” لم تُمح من الذاكرة والواقع، وهو ما يشكل هاجسًا كبيرًا يعظم من مخاوف العودة.
  • مقاربة التهوين: ثمة محاولات تنظيرية للتقليل من المخاوف السابقة، يستند أنصارها على أنه رغم الحقيقة المؤكدة: وهي أن داعش يرغب في تكرار اجتياح عام 2014، بيد أن أسباب “السقوط المدوي” لم تعد موجودة، ووجودها في المستقبل المنظور يبقى غير مرجح، وذلك استنادًا إلى المعطيات التالية:
  • أولها: الظرف التاريخي الذي مرّ به العالم العربي واللحظة الفريدة التي خلّفتها أحداث “الربيع العربي”، والذي استغلها التنظيم، لم تعد قائمة.
  • ثانيها: على الرغم من الأخطاء المتراكمة والمستمرة، فإن العراقيين باتوا أكثر دراية بالتهديدات الوشيكة، وأكثر قدرة على تشخيص التغييرات في بنية التنظيم ونشاطه.
  • ثالثها: لم يقترب التنظيم حتى اللحظة –رغم تصاعد عملياته- من القدرات الهائلة وسعة الانتشار التي تمتع بها في الأعوام التي سبقت اجتياحه الأراضي العراقية.
  • رابعها: فشل “داعش” على مستوى الحكم والإدارة في المناطق التي سيطر عليها، ناهيك بالخسائر العسكرية الفادحة التي مُني بها، قوَّضت من قدرة التنظيم على التجنيد واستقطاب عناصر جديدة.

الخلاصة، أن “تفجير الطيران المزدوج” ينذر بالخطر، ويؤشر لانتقال داعش إلى مرحلة جديدة من التصعيد المُهلك مع الدولة العراقية، ويؤكد السعي الحثيث نحو الغاية الكبرى، وهي العودة إلى “السيطرة المكانية”، وهو ما يُبقِي احتمالية عودة “داعش” قائمة، ولكن -إن حدثت- فلن تكون على شاكلة “مفاجأة الموصل”.

محمد علي سالم

باحث متخصص في الشؤون العراقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى