تلاوة خالدة

 

هذه تلاوة نموذجية، تمثل حالة من الكمال والجلال، حتى يصدق فيها قول الشاعر، حوت الجمال فإن ذهبت تزيدها في الوهم حسنا ما استطعت مزيدا.. وهي نموذجية لأنها تعد خير تمثيل لأداء الشيخ محمد صديق المنشاوي، وصوته الفريد، وفنه الذي يأخذ بالقلوب والوجدان، وهي أيضا مثال ممتاز على ما بلغته مدرسة التلاوة المصرية من رسوخ وقوة وعنفوان.

ويبدوا أن استحضار هذه النماذج الفذة، والإشارة إليها والتنبيه إلى عظمتها أصبح لازما وواجبا، بعدما وجدنا كثيرين ممن لم يُحكموا علما، ولم يفقهوا نغما، ولم يُحسنوا استماعا يحتفون بأصوات يعلوها الصدأ، وبتلاوات هي خبط من التنافر، وبانتقالات نغمية تصلح لنضرب بها المثل في النشاز وانعدام الذوق، وبأدعياء قراءة يتمايلون أمام الميكرفون كالغواني، بعد أن جلبوا مجاميع المرتزقة لتهتف لهم هتافات مزورة مأجورة وقحة.

بموهبة الكبيرة، وتأهيل قوي، استطاع المنشاوي أن يبدأ التلاوة في المحافل وعمره لم يتجاوهنا، يكون اسم محمد صديق المنشاوي عونا وسندا ومرتفقا.. في تلاوة يدرك من يعي أنها ذروة: أحكام تجويدة منضبطة، ومخارج حروف تخرج في سلامة وسلاسة، وتسلسل نغمي مرتب، وتوازن عجيب بين الخشوع والطرب.. وكل هذا يصدر عن صوت قده الله من المادة الخام للخشوع.

لا يتسع المجال لتقديم تحليل نغمي دقيق للتلاوة، لكن يمكن أن نشير إلى المسارات النغمية الرئيسة: استهلال معتاد بمقام البياتي، مع ملامسة خفيفة للشورى، واستخدام جملة راست سريعة للتصعيد في الدقيقة الرابعة، ليمسك بعدها بمقام الصبا حتى الدقيقة 11.40، والتي ينتقل فيها إلى النهاوند.

وقد توقف المنشاوي مع النهاوند وقفة طويلة في هذه التلاوة، وقدم منه أنماطا بديعة، وبطريقة كانت مسجلة حصريا باسمه.

في الدقيقة 14.30 انتقال جميل إلى الراست، وتحديدا مع قوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد.. يشبع الشيخ مقام الراست، ثم يعود إلى الصبا في الدقيقة 18.22 مشيعا جوا من الروحانية والانكسار، لا يخرج منها إلا بالعودة للراست مع ملامسة جمل من البياتي.

يدخل الشيخ إلى سورة الرحمن بمقام الراست، وفي الدقيقة 27 يكرر آخر سورة ق بمقام البياتي، ويدخل به إلى أول سورة الرحمن، ثم يكرر المقطع مرة أخرى بمقام الحجاز مضيفا ثراء نغميا جديدا إلى التلاوة، قبل أن يعيد المقطع مع قفلة راست مميزة جدا.

يعرج الشيخ على الصبا مرة أخرى، بعد قوله تعالى الشمس والقمر بحسبان، قبل العودة الخاشعة إلى البياتي تمهيدا للختام.

تلاوة لا تزيد عن 36 دقيقة، لكنها وجبة روحانية وفنية كاملة.. والغريب، أن الخشوع والروحانية صفة ملازمة لصوت المنشاوي، حتى وهو يقرأ بمقامات ذات طابع طربي مبهج، مثل الراست أو السيكاه.. رحمه الله.

اضغط لقراءة.. المنشاوي في ليبيا

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search