تلفيقات التجديد الانتقائي

هيثم أبو زيد

كاتب مصري

جلس “المفكر الإسلامي” المعروف على المنصة، وقد احتشد أمامه عشرات الشباب، يطلبون ما يسمى بالفهم الصحيح للدين، محتمين بلافتة براقة سموها “الوسطية”، يبحثون تحتها عن حالة من التوفيق بين تعاليم دينهم وبين واقعهم، الذي تتلاحق فيه الأحداث والاكتشافات، وتقفز فيه العلوم قفزات هائلة في كل ساعة لا كل يوم.

لم يُطِلْ المحاضر في مقدمته حتى قرأ الآية 29 من سورة التوبة: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”. تعلقت الأبصار بـ”المفكر الكبير”.. ماذا سيقول الرجل في هذه الآية الواضحة، التي تهدم قاعدة المساواة بين أبناء الوطن، وتحول ملايين من غير المسلمين إلى مجرد ذميين، عليهم –إن إرادوا الاحتفاظ بدينهم والعيش بسلام- أن يدفعوا ضريبة للمسلمين، وأن يكون حالهم وهم يؤدون هذه الضريبة هو حال الهوان والذلة والصغار؟.

لو كان معنى الآية واردًا في حديث نبوي لهان الأمر، فما أسهل البحث عن ثغرة في الإسناد يرد بها الحديث، أو تصحيحه سندًا مع تعطيل حكمه بحجة أنه في مرتبة “الآحاد”، التي لا يجوز بنظر “الوسطيين” أن نقيم عليها أحكامًا هامة. ولو كانت الآية تحتمل وجهًا آخر للتأويل لكان من السهل الفرار إليه، لكنها قطعية في دلالتها، كما يعلم المحاضر المفوه، الموصول بالعربية وقواعدها، إلى درجة اختياره عضوًا بالمجمع اللغوي.

لم يبقَ عند “التلاميذ” صبر، يريدون –على عجل- ما يعيد إليهم اليقين بتوافق أحكام الإسلام مع أسمى ما عرفته البشرية من قيم إنسانية، من أهمها المساواة، وعدم التفرقة بين الناس على أساس العرق أو الدين؛ فقرر المحاضر الفصيح أن ينسخ الآية، لا بآية مثلها، ولا حتى بحديث كما يرى بعض الأئمة؛ بل باختراع عبارة منسقة، تبهر المتلقين، وترضي نزعتهم في التوفيق، فقال في ثقة: “الجزية عقد وليست وضعًا”، ثم واصل شارحًا: “الجزية كانت عقدًا واتفاقًا، بين دولة الخلافة الإسلامية من جهة، وبين أهل الذمة من جهة أخرى، وبما أن أحد أطراف العقد، وهو دولة الخلافة، لم يعد موجودًا، فليس على الطرف الآخر جزية”.

والحقيقة أن الرجل لم يزد على أن وضع النص في سياقاته الزمنية، وكذلك فعل من قبل حين تبنى ودعا لإباحة تولي المرأة منصب رئيس الدولة، مفسرًا الحديث الذي رواه البخاري وغيره بإسنادهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” بأنه “واقعة حال”، تخص ابنة كسرى، ولا يصح تعميمها. أما قوله تعالى: “الرجال قوامون على النساء” فرأى أن سياق الآية يدل أن القوامة هنا قوامة إنفاق، وإدارة أسرة، لا قوامة حكم وسلطة.

كما قدم “تنظيره” لإباحة تولي غير المسلم منصب الرئاسة في دولة ذات أغلبية إسلامية، مؤكدًا أن الظروف التي وردت فيها نصوص المنع قد اختلفت، وأن قوله تعالى: “ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا”، لا ينطبق على الدولة الحديثة، التي يعد الرئيس فيها رأسًا للسلطة التنفيذية المدنية، ولا يجمع معها الرئاسة الدينية، فلا يؤم الناس في الجمع والجماعات، ولا يخطب على المنبر.

وفي معرض الترويج لتلك “التجديدات” تتكرر كثيرًا عبارات وألفاظ كلاسيكية مثل: “أسباب النزول”، “واقعة حال”، “العموم والخصوص”، “الحكم معلل”، “الدليل محتمل”، وغيرها من العبارات التي تحول الحكم الفقهي إلى رأي بشري محض لا يتغير فقط بتغير الزمان والمكان، بل يتغير وفق الأمزجة، والتقديرات الشخصية.

تكمن أزمة مثل هذا الطرح، في أن أصحابه يرفضون تعديته إلى أحكام دينية أخرى، ويرفضون مد الخط على استقامته إلى مختلف أبواب الفقه، ولا يقبلون من غيرهم أن يطبق تلك الرؤية على كل آيات الأحكام والمعاملات، في حالة من الإصرار على احتكار “رؤى التجديد”، وقصره على محيط ضيق وعدد محدود من حملة “توكيل الوسطية” و”رخصة التجديد الديني”؛ بينما يفرض الاضطراد توسيع الدائرة، وضم الأشباه والنظائر، وتوحيد معايير الحكم.

ومن ذلك أن نقول: إن الحدود، والعقوبات البدنية، جاءت في سياق زمني مختلف، كانت فيه سطوة لقطاع الطرق والمغيرين على القوافل، فكان لا بد للسلطان من هيبة تسبق، وعقوبات تردع، فجاءت أحكام القطع والجلد والصلب. أما وقد تطور المجتمع، وعرف الناس وسائل أخرى تحقق الأمن، فلم يعد هناك داعٍ لتلك العقوبات البدنية.

ومن ذلك أن نقول: إن نصيب المرأة في الميراث جاء على النصف من ميراث الرجل عند تساوي المراكز، لأن المرأة في هذا الزمان كانت مكفولة دائمًا، تعيش في رعاية أبيها أو أخيها أو زوجها، أما وقد زاحمت المرأةُ الرجلَ في العمل، وتولت المناصب العليا، في التدريس والإدارة والحكم، وأصبحت في أغلب الأحيان تعول نفسها، فلا يجب علينا أن نتمسك بالحكم الشرعي الوارد في سورة النساء: “للذكر مثل حظ الأنثيين”، إذ إن هذا الحكم ورد في بيئة وزمان يختلف في عاداته وتقاليده عمّا يحياه المجتمع اليوم من مساواة بين الجنسين.

ومن ذلك أن نقول: إن تحليل الـ”دي إن إي” يثبت أو ينفي النسب على وجه اليقين، ولم نعد بحاجة اليوم للاعتماد على الحديث الصحيح الذي يقول “الولد للفراش، وللعاهر الحجر”، لأن إعمال هذا الحديث يرتب نسبة ولد الزنا إلى زوج أمه لا إلى الزاني، حتى لو كان زوج الأم غائبًا أكثر من عام، بل إن ابن قدامة يقول: لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها!

ومن ذلك أن نقول: إن قوله تعالى في سورة البقرة “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء”، وقوله في نفس السورة: “والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا”، قد وردا في زمن لم تكن فيه وسيلة تبين خلو الأرحام من الأجنة، فكانت “العدة” حتى لا تختلط الأنساب، أما وقد عرف العلم وسائل مؤكدة تظهر استبراء الرحم من عدمه، فلم يعد هناك ما يستدعي اتباع هذه الأحكام، لا سيما وأن القرآن أكد أن الحكمة من العدة هي التيقن من عدم وجود الحمل، حين قرر أن عدة الحامل تنتهي مع وضع حملها فقال في سورة الطلاق: “وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن”.

ما سبق مجرد أمثلة، ويمكن تطبيق هذا المنهج على كل آيات الأحكام، في القتال والأسرى والغنائم والزواج والطلاق والظهار والعقود والربا والبيوع والإجارة وغيرها من أحكام الشريعة؛ أما الانتقاء فهو اعتصام باللا منهج، واتباع للأمزجة والأهواء، تحت لافتات من العبارات البراقة من نوع “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، و”التفرقة بين الشريعة وبين الفقه”، لنصل في النهاية إلى آراء بشرية محضة تتدثر بعباءة الدين.

إن تعاقب الأيام والليالي، وكر السنوات والقرون، والتقدم السريع للعلم؛ أظهر أن كثيرًا من النصوص جاءت لظروف بيئية محلية، وسياق تاريخي، يختلف في كل شيء عن حياة الناس اليوم، كما أن حقائق الواقع تؤكد أن دول العالم الإسلامي جميعًا تخالف هذه الأحكام، مع تباين بينها في مقدار المخالفة، وأن كل ما يطرحه رموز “الوسطية” من رؤى و”تجديدات” ليست في حقيقتها إلا تعطيلًا لبعض الأحكام الشرعية التي تسبب عنتًا للجماهير، أو حرجًا لتيارات الإسلام السياسي، وتتصادم بوضوح مع قيم الحرية والمواطنة والدولة الحديثة، لنظل في حالة اللف والدوران والسير في المحل.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search