تنظيمات الإرهاب تتمسك بالساحل الإفريقي: بيئة خصبة ومال وفير

علي بكر

باحث متخصص في شؤون الحركات الإسلامية

كشف تصاعد الهجمات الإرهابية، خلال العام الماضى بمنطقة الساحل الإفريقي، عن مدى تنافس التنظيمات الإرهابية على وجودها في تلك المنطقة، للاستفادة من عواملها الجغرافية والسياسية والقبلية لتوسّع انتشارها، ما جعل العديد من المراقبين يصفونها بـ”واحة الإرهاب الفسيح”، خاصة بعد أن صارت تلك المنطقة بوابة عبور عناصرها إلى وسط إفريقيا، وهو ما خلق حالة صراع بين كل من تنظيمي القاعدة وداعش، سرعان ما تحول إلى مواجهات مسلحة تسقط فيها المئات من القتلى والجرحى من عناصر تلك التنظيمات.

وكشفت إصدارات كلا التنظيمين، خلال الأشهر الماضية، عن حجم المنافسة الشرسة بينهما، كان من أبرزها ما كشف عنه تنظيم القاعدة في العدد السابع من مجلته “ثبات” الصادر في 7 ديسمبر/ كانون الأول 2020، والذي كشف فيه عن شن عناصره عدة هجمات على مواقع تنظيم داعش شرق مالي، ما أسفر عن مقتل وإصابة ما يقرب من 30 من مقاتلي داعش، في محاولة منه للقضاء على الوجود الداعشي والانفراد بتلك المنطقة، وهو ما يطرح تساؤلاً حول أهم الأسباب التي جعلت التنظيمات الإرهابية تتسابق نحو وضع قدم لها في منطقة الساحل الإفريقي.

انتشار غير تقليدي

صارت منطقة الساحل الإفريقي محط أنظار التنظيمات الإرهابية بمختلف أطيافها وأشكالها خلال السنوات الأخيرة، بعد أن صارت تتسم بالهشاشة السياسية والأمنية، في ظل ضعف جيوش المنطقة وتواضع قدراتها العسكرية، ما جعلها عاجزة عن ضبط الحدود التي تمتد لآلاف الكيلومترات، لذا صارت صحراؤها الكبيرة غير المراقبَة تسهل عملية انتقال عناصر التنظيمات بين دول الساحل الإفريقي، فتحولت بالتبعية إلى تنظيمات عابرة للحدود رغم كونها فروعًا لتنظيمات دولية عابرة للقارات، فصارت تطمح دائمًا إلى التوسع والانتشار.

تنظيم القاعدة، الذي يعد الأكبر من بين كل التنظيمات في منطقة الساحل الإفريقي بسبب تعدد مجموعاته وكثافة مقاتليه وانتشارهم على نطاق واسع، لم يعد يكتفي بهذه الدرجة من الوجود، بل سعى للسيطرة على كل المجموعات المسلحة الأخرى في تلك المنطقة، عبر الدخول معها في تحالفات تنظيمية، على غرار تحالف “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، التي أُعلن عنها في مارس/ آذار 2017، والتي ضمت -إلى جانب المجموعات القاعدية- كلاً من جماعة “أنصار الدين”، التي تعبر عن قبائل الطوارق، وحركة “تحرير ماسينا”، الممثلة لعرقية الفولاني، ما جعلها المظلة القاعدية الكبرى في القارة الإفريقية.

أما تنظيم داعش، فيبدو أنه بات يدرك بنحو جازم أن منطقة الساحل الإفريقي صارت الخيار الأمثل لنقل ثقله التنظيمي إليها، بعد حالة التراجع والانحسار التي تعرض لها خلال الأعوام الماضية في سوريا والعراق، لكونها تمثل تربة خصبة لنمو الإرهاب وانتشاره، ما جعله يحرص على انتشاره بقوة هناك رغم الضربات التي تعرض لها من منافسِه، تنظيم القاعدة، والتي أدت إلى اختفائه عن الساحة قرابة عامين، قبل أن يعاود الظهور مجددًا مطلع 2018، عبر بيان حمل عنوان “معًا في مواجهة الكفار”، يتودد فيه إلى قادة تنظيم القاعدة ويطالبهم بالتعاون في مواجهة التحالفات العسكرية الرامية إلى لقاء التنظيمات المسلحة في الساحل، وهو ما رفضه تنظيم القاعدة واستمر في هجماته على مواقع تنظيم داعش.

أهداف متعددة

يمكن القول إن هناك مجموعة من الأهداف تسعى التنظيمات الإرهابية المختلفة لتحقيقيها بتعزيز وجودها في منطقة الساحل الإفريقي، والعمل على إقصاء كل المجموعات المنافسة، ويمكن تحديد أبرز تلك الأهداف في النقاط التالية:

تعزيز القدرات التنظيمية

تتسم منطقة الساحل الإفريقي بمجموعة من الخصائص الطبوغرافية تجعلها محط أنظار التنظيمات الإرهابية الساعية لتعزيز قدراتها العسكرية والتنظيمية، عبر إقامة معسكرات تدريب لإعداد المقاتلين عسكريًّا وتهيئتهم تنظيميًّا وفكريًّا، ما يسهم بمرور الوقت إلى تأسيس ما يشبه الإمارات الجهادية في مناطق نفوذها، من خلال تأسيس هيئات خدمية وأمنية وقضائية تساعد بها السكان المحليين، الذين يعانون انعدام الأمن والاستقرار، ما يجعل لديها القدرة على تبرير هجماتها الإرهابية وتسويقها بين المتطرفين على أنها “نوع من الجهاد في سبيل الله”، على غرار ما أعلنه تنظيم داعش في مجلة النبأ (عدد رقم 264) الصادر في منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2020، عن نجاح عناصره في شن العديد من الهجمات ضد القوات الفرنسية والأممية، التي تأتي في إطار حرصه على مواصلة الجهاد ضد الكفار في منطقة الساحل الإفريقي.

الاستفادة من مصادر التمويل

رغم أن معظم سكان منطقة الساحل الإفريقي يعانون الفقر الشديد بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، سواء أكان بسبب الفساد السياسي أم الصراعات القبلية والعرقية وسوء عدالة التوزيع، فإنها تصنف كمنطقة غنية بمصادر التمويل غير التقليدية للتنظيمات الإرهابية، التي تدر عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا، على غرار عمليات تهريب البشر والهجرة غير الشرعية وتجارة المشتقات النفطية، إلى جانب عمليات خطف الرهائن مقابل الحصول على فدية مالية ضخمة للغاية، وهو ما كشفت عنه الاحتفالية التي نظمها “القاعدة” في بلاد المغرب الإسلامي بمناسبة الإفراج عن 200 من عناصره والحصول على 25 مليون يورو مقابل الإفراج عن رهينة فرنسي وإيطاليين اثنين، ما خلق حالة من المنافسة الشرسة بين التنظيمين على تلك المصادر، التي تمثل أحد شرايين الحياة الرئيسة للتنظيمات الإرهابية.

التوسع في الاستقطاب والتجنيد

تعد منطقة الساحل الإفريقي غنية بالموارد البشرية التي تحتاج إليها التنظيمات الإرهابية المختلفة للتجنيد في صفوفها، بسبب انتشار الأفكار المتطرفة التي أوجدتها المجموعات السلفية المتعددة، التي تنشط في تلك المنطقة منذ ثمانينات القرن الماضي، ما أدى إلى وجود تربة خصبة لتقبل الأفكار القاعدية والداعشية، التي تعد لافتة للانتباه أكثر من تلك الأفكار التقليدية، واعتقد مراقبون أن الفكر السلفي بات يمثل البوابة الخلفية للانخراط في التنظيمات الإرهابية، خاصة بعد أن تمكنت تلك المجموعات من خلق مزيج بين أفكارها السلفية وبين توجهاتها القبلية والعرقية، بنحو يجعل من السهل تجنيد عناصر جديدة، خاصة أن تعاظم القدرات المالية لتلك التنظيمات ساعدها على شراء ولاءات زعماء القبائل لتسهيل نشر أفكارها في مناطق نفوذها.

التحول إلى تنظيمات مستقلة

يعد الساحل الإفريقي المنطقة الوحيدة في العالم التي ينشط بها أكثر من تنظيم عابر للحدود، رغم كونها فروعًا لتنظيمات عابرة للقارات، سواء أكانت داعشية أم قاعدية، ما شجعها على التوجه نحو نوع من الاستقلالية التنظيمية، خاصة بعدما صار لديها كل المقومات اللازمة لهذا الاستقلال التنظيمي والإعلان عن نفسها ككيان مستقل بمصادر تمويل متنوعة ومعسكرات تدريب، ما سينعكس مباشرة على قيادات تلك التنظيمات ويمنحهم قدرًا كبيرًا من القوة والنفوذ ويجعلهم رموزًا بارزة في سماء الإرهاب الدولي، على غرار “إياد أغا غالي”، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الملقب بـ”بن لادن الساحل والصحراء”، بعد تعاظم نفوذه عقب توليه قيادة الجماعة، وكذلك “أبو الوليد الصحراوي”، زعيم تنظيم داعش، الملقب بـ”عدو فرنسا الأول في الساحل الإفريقي”، حيث لم يكن لتلك القيادات الوصول إلى هذه المكانة والشهرة لو أنها وجدت في منطقة أخرى غير الساحل الإفريقي.

أخيرًا، وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول إن منطقة الساحل والصحراء صارت محط أنظار التنظيمات الإرهابية بمختلف أطيافها، لما تتسم به من عوامل سياسية وجغرافية وقبلية تساعدها على الانتشار والتمدد بنحو مطرد، ما جعلها تتسابق على تعزيز وجودها بها كبؤرة من الصعب السيطرة عليها، ما لم يوجد تعاون دولي حقيقي قائم على رؤية إستراتيجية واضحة لمواجهة خطر تلك التنظيمات.           

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram