زوايامختارات

تنظيم القاعدة الأمريكي.. “الكاوبوي” يلعب بالجهاديين

تنظيم القاعدة الأمريكي..

“الكاوبوي” يلعب بالجهاديين

خيوط قد لا تظهر للعيان أو تمثل شيئًا ذا بال لمن يتابع مجريات الحالة الإرهابية في العالم بنظر تقليدي روتيني، وعندما نقترب أكثر ونتتبع مسار أحدها لنهايته ونبدع في قراءة الحدث تتشكل أمامنا قصة مدهشة بتشابكات مختلفة تمامًا عما هو ظاهر على سطح الأحداث وعما كنا نتوهمه مع بداية إمساكنا بالخيط.

ما نعلمه عن عبد المجيد عبد الباري أو محمد إموازي، الذي يُعرف أيضًا بـ”الجهادي جون” مغني الراب السابق في لندن -اعتقلته إسبانيا بعد سفره إلى سوريا- أنه اكتسب سمعة سيئة بعد أن وقف مع رأس مقطوع، وهو واحد من 4 جهاديين بريطانيين شكلوا ما عُرف بـ”خلية البيتلز”.

لم يبدأ “عبد المجيد” داعشيًّا، فخلية صبية لندن أنشأها زعيم القاعدة السابق، أسامة بن لادن، وهي التي أرسلها إلى معسكرات التدريب في الصومال وأمر أعضاءها بالعودة إلى المملكة المتحدة لتنفيذ هجمات إرهابية.

إذا سرنا مع خيط عبد المجيد عبد الباري نحو الأعمق نجد أنه عاش بأحد أحياء غرب لندن وبشارع محاط بالأشجار، معتادًا التسكع فيه بصحبة زملائه الجهاديين في خلية “صبية لندن”.

لا تهمنا هنا مسيرة الجهادي جون، فهي معروفة، وقد ظهر في سوريا ضمن صفوف داعش، مُظهرًا همجيته بقطع رؤوس 3 رهائن في سوريا، شأنه شأن كثيرين ظهروا في الكادر بتلك البشاعة.

تهمنا في مسيرته تلك الفترة التي  قضاها في بريطانيا قبل اعتناقه أفكار داعش، بنفس الحي الذي يقيم به منظّر القاعدة هاني السباعي، لنقتنص تلك المفارقة، التي جمعت بين معتنقي جهاد العدو البعيد والعدو القريب في عائلة واحدة وبحي لندني واحد، وهي القضية التي تشتغل عليها أجهزة المخابرات الغربية الآن.

بعدها بعقدين سيُطلق سراح والد جون، المحامي المصري عادل عبد الباري، صاحب المسيرة الحافلة ضمن هيكل القاعدة القيادي، سواء من خلال العمل الإعلامي كمتحدث باسم “بن لادن” وكمؤسس لمكتب المعلومات الإعلامية لزعيم القاعدة السابق ونشاط التجنيد والإشراف على العمل الإداري والمالي بالتنظيم.

فما المغزى من وراء إطلاق سراح القيادي بالقاعدة المصري عادل عبد الباري، المتحدث السابق باسم أسامة بن لادن، من سجن فيدرالي بالولايات المتحدة الأمريكية ليعود إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها؟ ولماذا الآن؟


الظواهري

سُجن “عبد الباري” على خلفية دوره في هجمات إرهابية على السفارتين الأمريكيتين عام 1998م بكينيا وتنزانيا، والتي أدت إلى مقتل 224 شخصًا، وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين، وبعد عام من الهجوم اعتقل في لندن عام 1999م وسلمته بريطانيا عام 2012م إلى الولايات المتحدة وحُكم عليه بالسجن 25 سنة بتهمة التآمر على القتل.

لا تخلو خطوة الإفراج عن “عبد الباري” من دوافع سياسية وأمنية بالنظر إلى حاجة الأجهزة الأمنية الغربية لاختراق عدد من ملفات التنظيمات الجهادية، في وقت تشهد جملة من التحولات، سواء في ما يتعلق بمن يخلف قيادة القاعدة بعد الظواهري على خلفية مخاوف من أن تؤول قيادة التنظيم إلى أحد القادة المقيمين بإيران، وفي ظل التنافس على السيطرة على حركة الجهاد في ضوء خطط أمريكا لتسكين القاعدة محليًّا في العديد من المناطق حول العالم، بالتوازي مع خطط حرمان إيران من توجيه القاعدة وبعث نسخته للجهاد العالمي عبر قادة القاعدة الذين تؤويهم طهران لتوظيفها في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.

عاد عادل عبد الباري بعد الإفراج عنه إلى الحي الذي ترعرع فيه نجله، الذي صار داعشيًّا متعطشًا للثأر من أمريكا، تجسيدًا لتشابك يسعى الغربيون والأمريكيون لفضه بين الجهاد العالمي، الذي يعتنقه “عبد المجيد”، والجهاد المحلي الذي كان والده أحد تجلياته، فهو تاريخيًّا من قيادات جماعة الجهاد المصري المتورطة في اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، فضلاً عن دوره في قضية تفجيرات حي خان الخليلي غرب القاهرة، الذي يكتظ بالسياح في منتصف التسعينات.

لا يريد الأمريكيون “عبد الباري” في نسخته المعولمة، التي أعقبت نسخته المحلية عندما كون خبراته العملياتية كعضو بارز في القاعدة، رافضًا مراجعات جماعة الجهاد، التي طرحها منظر التنظيم الشهير سيد إمام.

رجل الاستخبارات الأمريكي، صاحب مشورة الإفراج عن عبد الباري، يوجهه للتكفير عن ذنوب نسخته العالمية، فقد كان أحد القادة الداعين للتحول من المحلية للعالمية، واضعًا رؤاه في التقريب بين فكر جماعتي الجهاد وتنظيم الجماعة الإسلامية في مصر، مع فكر القاعدة بمجلة أطلق عليها “الدليل”، وهو المسار الذي انتقل به من قيادي جهادي محلي اتهم في قضية طلائع الفتح عام 1993م ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري الأسبق، عاطف صدقي، إلى جهادي دولي قريب من قادة القاعدة الكبار مثل سيف العدل وأسامة بن لادن، ويضطلع بدور رئيس في تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام في 1998م، وشاغلاً منصب قائد خلية لندن للجهاد الإسلامي التي دمجت في القاعدة لاحقًا عام 1998م، ومتنقلاً بين باكستان واليمن وإيران وأفغانستان قبل أن يُلقى القبض عليه عقب تفجيرات نيويورك 11 سبتمبر/ أيلول 2001م.

الرسالة الأكثر وضوحًا من واشنطن بشأن إطلاق عادل عبد الباري هي الموجهة إلى الساكن في نفس الحي بغرب لندن، هاني السباعي.


مقاتلو داعش

“السباعي”، صاحب التأثير والنفوذ الفكري الواسع في أوساط الجهاديين الشباب في بريطانيا وغيرها، يتجاوز تأثيره الاتصال المباشر بالخلايا القاعدية النائمة والنشطة في الغرب، إلى كونه ثالث ثلاثة من أهم منظري القاعدة مسموعي الكلمة بجانب أبو قتادة الفلسطيني وأبو محمد المقدسي الأردني.

تدرك واشنطن أهمية هاني السباعي في ترجيح كفة أحد هذين المنظرين وجعل رؤيته هي الأكثر قبولاً وانتشارًا بالأوساط الجهادية في العالم، خاصة إذا كانت القضية المثارة حاليًّا بين ثلاثتهم هي الموقف من اتفاقية السلام بين طالبان وواشنطن وبيعة قادة القاعدة لزعيم طالبان، فأبو محمد المقدسي ينتقد “طالبان” ويفتي بحرمة توجهاتها الأخيرة ويطلب انفصال القاعدة عنها، وينحاز أبو قتادة الفلسطيني إلى تكتيك طالبان ويطالب بتعميمه على جميع أفرع القاعدة.

الأجهزة الأمنية الأمريكية ممتنة لموقف هاني السباعي الأخير عندما رجح رؤية أبو قتادة، واصفًا طالبان بأنها “مدرسة في فن المفاوضات”، واعتبر أنها لم تتنازل عن الشريعة تدعيمًا للمسار الذي تتبناه وترجيحًا له في أوساط القاعدة في مواجهة المنظرين والقادة المتشددين، وضد مزايدات ومساعي داعش لتوظيفه بغرض سحب البساط من تحت أقدام طالبان والقاعدة لتزعم حركة الجهاد العالمي ضد العدو البعيد.

إطلاق سراح قيادي بالقاعدة في حجم عادل عبد الباري وعودته إلى بريطانيا بمثابة مكافأة لمنظر القاعدة الأول في الغرب ورمانة ميزان منظري القاعدة الثلاثة، هاني السباعي، مقابل ترجيحه المؤثر لإستراتيجية طالبان وعدد من أفرع القاعدة الجديدة، في اتجاه إنهاء حالة العداء مع العدو البعيد ومهادنة أمريكا، لا بل اتخاذها حليفًا وعقد اتفاقيات سلام معها.

واشنطن، التي تحرص على تطوير إستراتيجيتها في مكافحة الإرهاب، بحيث لا تعتمد فحسب على القوة والدفاعات المادية والقانونية وغيرها، يهمها أن تمتلك أوراقًا تلعب بها في ظل تحكم طهران في جناح مؤثر بتنظيم القاعدة.

بالتزامن مع توتر العلاقات بين إيران والولايات المتحدة منذ مقتل قاسم سليماني وإسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة ركاب أوكرانية وصولاً إلى قصف قواعد أمريكية في العراق، ومع غموض مصير قيادة القاعدة وأنباء موت الظواهري، توجد رغبة أمريكية في تقوية جبهات قاعدية بعيدًا عن القيادات المقيمة بإيران، خاصة مع حرص طهران على أن تلعب دورًا في إعادة تشكيل التنظيم وتوجيهه من جديد استنادًا لتحكمها في توجهات وقرارات المرشحين المحتملين لأيمن الظواهري.


المقدسي

بإعادة عادل عبد الباري إلى بريطانيا تفتح واشنطن مسارًا منافسًا لاستيعاب قادة القاعدة الكبار والقدامى والمؤثرين في مقابل سعي غالبية القادة في التنظيم، خصوصًا القدماء منهم، وبعد مقتل أهم القيادات بدءًا من بلاد المغرب الإسلامي مرورًا بجزيرة العرب ووصولاً إلى سوريا لإيجاد الملاذ الآمن في إيران، ما يعزز تحالفات طهران مع تنظيمات السلفية الجهادية السنية خاصة القاعدة لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط، الأمر الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

تلك إذًا هي الخطة الأهم في مباراة الكاوبوي الأمريكي ضد داعمي القاعدة من خصومه وفي مقدمتهم إيران، وتتلخص في تسكين قادة محتملين للقاعدة بعد الظواهري في العواصم الأوروبية ليقودوا مسار حرف القاعدة عن عقيدة قتال العدو البعيد واستهداف الغرب إلى تبني نموذج الجهاد المحلي والرضا بتجربة حكم محلية ترعاها واشنطن، مقابل خطة طهران التي كانت تقضي بالسيطرة على قرار القاعدة من خلال قادة مقيمين على أراضيها يوجهون التنظيم لاستهداف المصالح الأمريكية والغربية.

الجهاد على الطريقة السباعية

تقوية جبهات أخرى غير جبهة إيران التي تأمل أن يكون القائد الجديد للقاعدة من ضمن المجموعة المقيمة بأراضيها، وترويض أفرع القاعدة لتسير على الطريقة “السباعية”، نسبة إلى هاني السباعي المقيم في لندن والمغرم بفلسفة طالبان الجديدة، “مهادنة أمريكا ونيل السلطة”، هذه هي العناوين العريضة للعبة الأمريكية مع القاعدة.

تحول تنظيم القاعدة الآن في مجمله بفضل سياسة العصا الأمريكية التي تقنص متمرديه المعولمين بـ”الدرونز والجزرة”، التي تسبغ على تائبيه الشرعية الدولية من سؤال: “كيف نواجه أمريكا”، الذي طرحه أيمن الظواهري في رسالته التي بثها عام 2018م داعيًا لاستنزافها حتى الموت و”حتى ترحل عن أرضنا صاغرة حسيرة بإذن الله، كما رحلت من قبل عن فيتنام وعدن والعراق والصومال”، إلى سؤال: “كيف ننال رضا أمريكا” لنتمكن من خلال غطائها السياسي حكم منطقة من مناطق الشرق الأوسط.

لدينا لقطتا سعادة رئيستان في هذا المشهد المأساوي الذي تقطع فيه رؤوس وتتناثر فيه الأجساد أشلاء، سعادة من منحوا الضوء الأخضر للطائرات دون طيار لاستهداف أحد قادة التمرد والعصيان ممن لا يزالون في وهمهم القديم بشأن جهاد العدو البعيد، لأن عقله المخابراتي يخبره بأن هؤلاء القادة الموتى غالبًا ما يصطحبون معهم إلى مدافنهم مخططاتهم والجهات التي كانوا يتواصلون معها.

أما من يُسمح لهم بالبقاء أحياء وتغض الدرونز بصرها عنهم فهم من جرى تحييدهم وتدجينهم لأنهم مختلفون تمامًا، يجمعهم مع الأمريكيين اتفاق ضمني مفاده الاعتراف والشرعية والحكم مقابل كف الأذى عن الغرب.


أبوقتادة الفلسطيني

اللقطة الثانية سعادة هاني السباعي وهبة الله أخوندزاده وأبو محمد الجولاني وأبو قتادة الفلسطيني ومن لف لفهم من قادة القاعدة الجدد بفرصة الحكم التي هي بمثابة الحلم ومنتهى أمل الفصائل الجهادية السنية، التي تتشوق لكسر النحس الذي يلاحقها متنقلة من ساحة قتال إلى أخرى دون الإمساك بسلطة والتمتع بثمرة “الكفاح المسلح” الذي طال أمده.

أي قيادي قاعدي الآن مهووس بعقد مقارنات بينه وبين نظيره الشيعي الموالي لإيران، يتحسر متسائلاً: كيف تحول حزب الله من ميدان الفعل العنيف المتمرد إلى التمتع بالسلطة؟ وكيف نجح تيار الإسلام السياسي الشيعي في استثمار عملياته على الأرض سواء أكان ضد المصالح الأمريكية والغربية أم في الداخل العربي منذ تشكيل ميليشياته الأولى للدفاع عن مصالح الطائفة عقب تأسيس موسى الصدر حركة المحرومين عام 1975م والتي شكلت جناحًا عسكريًّا تحت اسم حركة أمل، لتحكم في غضون سنوات أو على الأقل تشارك في السلطة في إيران ولبنان والعراق.

قادة القاعدة منبهرون حد المرض بتجربة الميليشيات الشيعية ويطمحون إلى استنساخ تسلسل مسيرتها بداية بشن هجمات انتحارية على أهداف غربية وأمريكية -وها قد مر القاعدة بتلك المرحلة- وصولاً إلى ترسيخ الهيمنة على المشهد السياسي المحلي والنمو والسيطرة على العديد من العواصم العربية بتفاهمات في الكواليس مع الأمريكيين وصولاً إلى حكم الدول بنسخة سنية لدولة الملالي.

يتوق الجهاديون السنة لفك النحس الذي لازمهم طويلاً ليستقروا بعد رحلة شاقة في ميادين الحرب والترحال والملاحقات والقنص والعمل تحت الأرض، وأن يتحول تيارهم إلى حركة جماهيرية تنخرط في معترك السياسة وتمارس الحكم كمثيلاتها الشيعية.

وإذا كان “حزب الله” قد حظي بفرصة كهذه من خلال دعم إيراني فائق وهو من دونه عاجز عن التوافق والدخول في المعترك السياسي وعن السيطرة على مساحة من الأرض وممارسة الحكم، فبعض أفرع القاعدة كذلك تسعى لنيل الفرصة الفريدة التي تعجز عن تحقيقها بمفردها من خلال داعم خارجي، وها قد عثرت عليه، وهو نفسه الشيطان الأكبر وعدوها البعيد سابقًا.

جهاد القاعدة الآن مختلف ما يدفع إلى إعادة التعريف به وتوصيفه كحالة جديدة لا تنتمي إلى بداياته عندما كان يضرب في العمق الأوروبي والأمريكي، ولا لفترته الوسطى عقب غزو العراق عام 2003م عندما عثر على مركز تعبئة نموذجي في قلب المنطقة العربية ضد المصالح والقوات الأمريكية، فهو الآن ينشط لتعميم تطبيق معايير أجهزة المخابرات الغربية، ويتعاون قادته في كبح بعث عالمية التنظيم عبر التبليغ عن القادة المتمردين وزرع الشرائح الإلكترونية في أجسادهم لتستدل الدرونز الأمريكية عليهم، قانعين بتجارب حكم محلية داخل ساحات إفريقية وشرق أوسطية.

لينأى بنفسه عن التفسير الذي يعطيه تنظيم القاعدة للجهاد الدولي، لم يكتفِ أبو محمد الجولاني كنموذج لهؤلاء القادة الجدد بإظهار المزيد من المحلية بل نشط في ملاحقة قادة وأعضاء، سواء من القاعدة ومِن غيره لا يلتزمون بالضوابط الأمريكية للنشاط الجهادي المحلي لكي يحظى هو باعتراف دولي بسلطته المحلية على إدلب.

تنظير هاني السباعي المقيم بلندن تحت بصر أجهزة المخابرات الغربية، وتطبيقات الجولاني الذي يقدم نفسه لأمريكا والغرب كشرطي ضد كل من يتبنى الجهاد العالمي وجوهر وفحوى اتفاقية السلام بين واشنطن وحركة طالبان الأفغانية، جميعها بمثابة “مانفيستو” وخطة عمل للكيانات المسلحة الانفصالية المناوئة لحكومات بلادها في حال احتاجت إلى اعتراف دولي بنشاطها.


عادل عبد الباري مع محمد إموازي

لعبة الكاوبوي الخطيرة

تمضي هنا الولايات بصحبة القاعدة في ذات اللعبة الخطيرة التي لعبتها مع جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي، تحت وهم تحقيق الأمان والسلام للغرب مقابل تمكين الجماعات المتطرفة من حكم بلاد العرب والمسلمين.

يوجد تبادل أدوار بين 3 جماعات تكفيرية رئيسة على الساحة العالمية مع الوضع في الاعتبار تشاركها في الأصول واختلافها في بعض التطبيقات والممارسات والتوقيتات، فالآن يتقدم القاعدة ويأخذ مكان الإخوان ويأخذ داعش مكان القاعدة في لعبة مشابهة لما كان يحدث في السابق من تفريق بين معتدل ومتطرف ومحلي وعالمي.

تحييد فصائل جهادية والتفاوض معها وتمكينها من السلطة وصبغ الشرعية على جماعات متطرفة مآسيها وكوارثها حاضرة في المنطقة العربية، معناه أن أمريكا تسير بممحاة على جهود الدول العربية التي تحاول أن تقلص وتحد من مساحات التطرف والعنف في الشرق الأوسط وفي العالم بمحاربتها لمجمل الحالة دون تجزئة وهمية.

من يقف وراء المعادلة الجديدة هي نفس الجهات التي روجت في السابق لفزاعة القاعدة والجهاديين في سبيل التمكين للإخوان، وهي التي تستفيد الآن من طرح فزاعة داعش للتمكين للقاعدة في مناطق إستراتيجية في العالم في أفغانستان وإفريقيا وسوريا واليمن وغيرها.

لهذه اللعبة نتائج خطيرة على المدى البعيد، فإذا كان الدفع بالفصائل والكيانات التابعة للقاعدة باتجاه الانخراط في ديناميكيات الصراع المحلي سيعزل الأفرع القاعدية عن المركز وسيقلص من مستويات الاستجابة لتنفيذ هجمات ضد المصالح الغربية، فهو من جهة أخرى يضع اللبنة الأولى لطور جديد من الإرهاب والتطرف الذي سيسيطر مع مرور الزمن على مساحات واسعة مجهزة للاستغلال الجهادي بإفريقيا والمنطقة العربية.

شعور أمريكا والدول الغربية بالأمان مضلل ومؤقت، لأنها وهي تسهم في تمكين هذه النماذج في بلاد بعيدة عنها كي تتقي شرها، تمنح الجهاديين فرصًا ثمينة لتأسيس دويلات جهادية في جميع أنحاء العالم في غضون سنوات.

تمكين الجهاديين هو إضعاف لحلفاء واشنطن وهي مرحلة سيبني عليها تنظيم القاعدة لاحقًا، لأنه سيقتنص الفرصة وسيتكيف مع المستجدات بما يمنحه الاطراد في التطور والنمو، وسط واقع تمزقه الصراعات المحلية تتوافر فيه عوامل التجنيد وتجديد الدماء واستعادة القوة، ساعتها لن يكون التوجه إلى المحلية نهاية المطاف إنما فقط مرحلة تكتيكية للعودة بموارد أكبر وقوة مضاعفة للجهاد العالمي من جديد.

سياسة تسكين وتمكين المتطرفين في تجارب محلية ستفاقم مشكلة الإرهاب العالمي على المدى البعيد وستسمح بنمو شكل جديد من الإرهاب في السنوات المقبلة، في ظل شركاء وحلفاء ضعفاء ومساحات رحبة أمام المتطرفين اقتصاديًّا وجغرافيًّا لاستعادة قواهم من دون عوائق أمنية كما كان بالماضي، ما يعني أن الوضع لن يستغرق كثيرًا حتى يتحول إلى مشكلة عالمية أشد خطورة.

بالتوازي يمنح هذا التطور الحركات الجهادية الكثير من الثقة والأمل في تحقيق أهدافها على غرار ما صنعته طالبان الأفغانية التي ستتحول إلى أيقونة يقتدي بها الجهاديون في كل مكان، ما يعني الدفع في اتجاه ممارسة العنف تحت عنوان الجهاد ضد الحكومات والجيوش الوطنية لتمكين المتطرفين من السلطة في مناطق متفرقة من العالم.


مقاتلو القاعدة

تضفي الولايات المتحدة الأمريكية شرعية غير مستحقة على فصائل مسلحة متطرفة فاشلة إداريًّا تعتمد على فرض الإتاوات والضرائب وفاسدة ماليًّا، تطبق أقسى نماذج السلطة متمثلاً في الاستبداد الديني، إذا ما نظرنا إلى واقع حال هيئة تحرير الشام في سوريا كنموذج، غير أن كل هذا لا يزعج واشنطن ما دام قادة هذا الفصيل الجهادي أو ذاك لا ينوون تنفيذ عمليات خارج مساحة سيطرتهم.

على غرار الإسلام السياسي الشيعي المدعوم من إيران سيكون الإسلام السياسي السني؛ فحسن نصر الله بإمكانه تجميد حال لبنان تحت خط الفشل والعجز والانهيار دون عقاب أو محاسبة، ولكونه زعيم ميليشا مسلحة يستطيع الحديث من فوهة بندقيته كقائد عسكري وزعيم سياسي ومنظر إستراتيجي وخبير اقتصادي ومفكر ديني وعارف بشؤون الصحة والتعليم، دون أن يفيد لبنان المنكوب أدنى إفادة في أي من تلك المجالات.

يجري التخطيط والتنفيذ لاستنساخ هذه الحالة في الجانب الآخر من المنطقة العربية من خلال فصائل القاعدة وجهادها المحلي، ليعم الفشل الجميع برعاية خارجية ووكالة من الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، فهل قُدر للعالم العربي والإسلامي أن يعيش ضحية رغبة أرباع موهوبين وفشلة في شؤون الاقتصاد والإدارة في الوصول غير المستحق للسلطة، لمجرد ظن وهمي من الولايات المتحدة وبعض دول الغرب مفاده أن هذا الحل سيمنحهم شعورًا بالأمان؟

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هشام النجار

صحافي مصري

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى