وجهات نظر

“مائة ماعز”.. قصة غير رائجة لصعود وانهيار “القاعدة”

هشام النجار

نال اسم الشاب اليافع أسامة بن لادن- مؤسس وزعيم تنظيم القاعدة فيما بعد- شعبيته في أوساط أبناء اليمن الإندونيسيين المعروفين بالحضارمة، حيث اشتهرت أسرته بالكرم، وأخبرني أحد هؤلاء أنه تناول الغداء مع بن لادن أكثر من مرة بمطعم أورينتال جاكرتا عام 1983م بجدة، والذي يمتلكه إندونيسي، ويقدم المأكولات الإندونيسية، وهناك اختلط بن لادن بالحضارمة من زبائن المطعم.

كان أسامة كريمًا، يوفر بمنزل أسرته وجبة غداء مجانية كل يوم جمعة بعد الصلاة لمئات الأسر، تُذبح لأجلها أسبوعيًا مائة من الماعز.

وكان يساعد الغرباء في الحصول على الكفالة للإقامة بالمملكة، وتمتع بخصال طيبة، فهو كريم ومهذب وودود ودمث الخلق، فكيف إذن صار إرهابيًا دمويًا؟.

لو تُرك أسامة بن لادن لحاله دون تأثيرات خارجية وهو بتلك السمات والميزات لصار شخصًا مختلفًا يعطف على الناس، ويحنو عليهم، ويناضل لإطعام الفقراء، ويوفر المأوى لعابري السبيل، وفرص العمل للباحثين عنها، لا أن يصير قاتلًا متعطشًا للدماء.

زعيم لأخطر منظمة إرهابية

صار المهذب الثري في نهاية المطاف زعيمًا لأخطر منظمة إرهابية عالمية، لأن عقله تغذى من الخارج بأفكار تدحرجت من مصر إلى السعودية إلى أفغانستان، ومنها إلى العالم كله.

عندما صعد الاشتراكيون في مصر والعراق وسوريا واليمن إلى السلطة خاصمتهم المملكة، وفتح الملك فيصل أبوابها للإخوان، وعُين منظرو الجماعة وقادتها بجامعات المملكة مثل محمد قطب المصري، وسعيد حوى السوري، وعبدالله عزام الفلسطيني.

اقرأ أيضًا لـ هشام النجار: فلسفة بنجامين.. وفقه التغيير عن الإسلاميين

تشبع جميعهم دون استثناء، خاصة هؤلاء الثلاثة بمنهج سيد قطب، وانتشروا ينثرونه ويوسعونه ويعمقونه، كل بحسب ميوله، فحوى أعطاه الأبعاد الحركية وعزام منحه التأصيل الفقهي الحاد، أما “محمد”، شقيق سيد قطب، فهو شارحه الأكبر بتعبير الفلاسفة ومُفصّل ومُمنهِج مصطلحاته الكبرى كالحاكمية والجاهلية وغيرهما.

بن لادن وتأثير سيد قطب

وقع بن لادن تحت هذا التأثير الفكري المكثف فبدلًا من سيد قطب واحد صار هناك ثلاثة، وبدلًا من الإيجاز والبيان والعموميات المطلقة المحلقة في الخيال القطبي، أصبح هناك تفصيل وشرح ووضع خطط ميدانية وحركية، من شأنها تحريك الأفكار مدججة بالأسلحة والنيران في الواقع المعاش.

صار هناك بن لادن جديد لا يقدم مائة من الماعز بعد صلاة الجمعة لفقراء المسلمين، بل تزعم الجهاد العالمي ضد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، ولتحرير فلسطين كما أغراه حوى وعزام وقطب.

لقد كانت مجرد فكرة مطلقة دون برامج تفصيلية، وليس هناك أي مبحث عن كيفية تنظيم إدارة الدولة وتسيير شؤونها في مختلف المجالات، والشيء الوحيد الذي يركزون عليه تسويغًا لحمل السلاح هو أن أمير المؤمنين لا يُبدل إلا إذا مات أو استقال.

بهذا الطرح الانفعالي، الذي من الوارد أن يُغري صبيا متحمسا قبل أن ينخرط في معترك المعرفة وخبرات الحياة والتاريخ والواقع، توقف أسامة عن تقديم وجبة الماعز ومضى على فرسه من جبال أفغانستان لتبديل حكام المسلمين والعرب بآخرين ولإقامة دولة الإسلام، حيث أكد “قطب” و”عزام” أن الإسلام لا يُقام إلا من خلال حكومة إسلامية.

حلم غير متحقق

مات أسامة بن لادن عام 2011م دون أن يحقق حلم محمد قطب المستحيل، لأنه قائم على أساس مفكك متناقض وغامض، فإذا كانت الخلافة هي إضفاء الطابع الرسمي على الشريعة فلأيها نحتكم؟ فهناك تفاسير كثيرة للشريعة، فالدين واحد والشريعة مختلفة كما قال ابن عقيل، وهو ما دفع الإمام مالك لرفض عرض الخليفة، أبو جعفر المنصور بجعل الموطأ دستورًا، وقد جعل الله الخلافة لآدم ونسله للقيام مقام الرب في تحقيق العدالة والعمران والرفاهية على الأرض وليست نظامًا سياسيًا أو شكلًا من أشكال الدولة كما اعتقد منظرو القاعدة.

إذا كان الأمر متعلقًا بالبحث عن العدالة وانتقاد الظلم، فالنظرة النقدية التي تعبر عن انعدام المساواة والعدالة الاجتماعية بسبب الرأسمالية والليبرالية الجديدة في عصر العولمة، فهذا لا يختص بالمسلمين وحدهم، حتى إن البابا فرانسيس، طرح رؤية نقدية لتلك المظالم في أكثر من مناسبة، وإذا كان المسلمون يبغضون الظلم الناجم عن النظام السياسي والاقتصادي للغرب ويريدون حلولًا واقعية وفاعله لإزاحته أو حتى تخفيف وطأته، وإذا كانوا يبغضون ظلم الفلسطينيين ويحلمون بتحرير المقدسات والأرض المحتلة، فقد وضعهم تنظيم القاعدة في مأزق باستخدام الإرهاب كاستراتيجية، ما جعل كثيرين في الغرب يسوون بين المسلمين والقاعدة، فقد تحولت حركات المقاومة الوطنية الفاعلة إلى ميليشيا موصومة بالإرهاب، يتعاطف كثيرون مع من يضربها، وإذا كان الأمر متعلقا بتوحيد أو تجميع كلمة المسلمين والعرب فهذا ما يجتهد المصريون والسعوديون والإماراتيون وغيرهم لتحقيقه.

الطيب والشرير

مات أسامة ولم تُدفن معه رؤيته السياسية، التي بالغ خَلَفُه في تغطية عوارها بمزيد من قشور الأيديولوجيا الملفقة وبمرئيات وعظية عن الإلحاد والانحراف الأخلاقي، فهل كان الكفاح وحمل السلاح من البداية لأجل ذلك؟.. لا، لكنها فقط محاولات من الظواهري الذي كان شريكًا مع محمد قطب وعزام وحوى في اختراق عقل بن لادن، وحشوه بالمطلق الانفعالي بهدف وحيد، هو إيهام مستمعيه بأن الصبية الذين شاخوا ثبت أنهم تصدوا لقضايا وساحات أكبر من مداركهم ومعارفهم وخبراتهم، ولا يزالون يتحدثون عن عدم تحرير فلسطين والمسلمين المضطهدين.

كان هذا هو الفصل الأول من قصة محمد قطب مع القاعدة عندما دفع بشاب محدود المعرفة الدينية والثقافية إلى اعتناق فكرة ارتدت انعكاساتها على الإسلام كدين وعلى قضاياه وأوطانه من القاهرة إلى كابول إلى الرياض إلى بغداد إلى جاكرتا.

أردوغان.. النموذج الآخر

الركن الثاني الذي عول عليه قطب الأصغر لترجمة أفكاره إلى واقع، هو رجب طيب أردوغان، حيث يحتفظ الإسلاميون العرب والأتراك بهذه القصة المصاغة برومانسية للتدليل على العلاقة الطيبة التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمحمد قطب، تقول القصة إن أردوغان بعد فوزه بمنصب رئاسة الوزراء في تركيا، للمرة الأولى في عام 2002، توجه إلى المملكة العربية السعودية في إحدى زياراته الرسمية. وبعد أن أدى فريضة العمرة في مكة المكرمة، تحول بموكبه إلى منزل محمد قطب الكائن في المدينة. وأثناء الزيارة، قبل أردوغان، رأس قطب الأصغر ويده، ثم جلس يطلب منه الدعاء وزيارة تركيا والإقامة فيها. ولكن قطب اعتذر لرغبته في مجاورة البيت الحرام حتى آخر حياته.

محاضرات محمد قطب في تركيا وتنظيراته التي منحها لأردوغان ورفاقه في حركة مللي غوروش، التي أسسها نجم الدين أربكان عام 1969م، وهي وعاء الأحزاب الإسلامية في تركيا الحديثة، رسمت لهم الخطط لإقامة دولة إسلامية في تركيا، واصفًا الجيش التركي، الحامي للعلمانية، بـ”حامي الجاهلية” التي ينبغي مواجهتها بجهادية إسلامية، طارحًا مقاربة قطبية بين الحالتين التركية والمصرية.

حدد “قطب” لأعضاء مللي غوروش الطريق نحو إقامة الحاكمية الإلهية بتركيا عبر تغيير الوضع القائم بالكلمة أو النضال المسلح لإزاحة كافة أشكال التغريب الثقافي، ومثلت تنظيراته الأساس المنهجي للحركة.

البراغماتية والمناورة

أردوغان ليس كأسامة، فالأخير فتى حالم مضى بأفكار مطلقة زُرعت بعقل شخص لم تتم تربيته على الخبث والانتهازية فبعثرها برعونة في جبال أفغانستان وأوديتها الوعرة، بينما في نسخة أردوغان فقد اجتمعت الأفكار والتنظيرات والمناهج مع الميكافيلية، لذلك نجح المُريد الثاني ووصل إلى رئاسة الوزراء في أنقرة، ليس لأن المنهج صحيح، لكن لأن العنصر الجديد براغماتي تكتيكي مناور ساعدته الظروف الدولية، حيث رضخ الجيش التركي ومن ورائه الدولة العميقة لضغوط الغرب وقبل نتائج الانتخابات أيًا كان الفائز بها.

وضع أردوغان المبادئ التي تعلمها من محمد قطب مؤقتًا في درج مكتبه بمجلس الوزراء وتاليًا بالقصر الرئاسي، مُظهرًا سلوكا سياسيا، فأبقى على علاقات تركيا الاستراتيجية مع إسرائيل مثلا، وعلى قاعدة أنجرليك الأمريكية جنوب البلاد، داعيًا جماعة الإخوان في مصر لتأسيس دولة علمانية على غرار النموذج التركي، فأين مناهج القاعدة وخطط منظريها لتحرير فلسطين ومواجهة أمريكا وتأسيس حكومات إسلامية إذن؟

لم تتأثر رغم ذلك علاقة محمد قطب وأردوغان واعتبر استمرار مريده في السلطة تعويضًا عن إخفاق أسامة حتى في نيل ربع سلطة، حتى جاء موعد فتح الدرج بعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011م مع حاجة أردوغان إلى إسقاط النظام السوري ووضع نظام متأسلم موال كبديل.

قطب والمحسيني

شُوهد محمد قطب أكثر من مرة قبل وفاته في أبريل 2014م بصحبة المفتي الشرعي لجبهة النصرة قبل تحولها إلى هيئة تحرير الشام عبدالله المحيسني في تركيا، كدلالة على دور “قطب” في تمكين أردوغان من قيادة فصائل القاعدة لخوض مغامراته العسكرية وفق المنهجية القطبية التي حررها أردوغان من الأدراج بهدف التهام المنطقة العربية بجهود وكلائه التكفيريين السنة.

عفرين وغيرها من المدن السورية المحتلة نموذج عملي للدولة الإسلامية المزعومة، التي وضع أساسها النظري محمد قطب وطبقها أردوغان، فقطب حوّل مفهوم الجهاد الإسلامي من النضال في مواجهة غزاة من الخارج إلى أداة في يد غازٍ مستعمر همجي، وبيد أدواته من عناصر القاعدة الذين زعموا أنهم يقاتلون لتأسيس خلافة وأنهم يجاهدون ضد حكام العرب المرتدين.

بيَّن أسامة بن لادن وفكرته التي استقاها من “قطب” لخوض صراع كوني ضد أمريكا والغرب بزعم إنقاذ البشرية من تيهها وبؤسها المادي وبفرض الحكم الإسلامي على العالم، وبين أردوغان الذي غزا البلاد العربية والإسلامية من منطلق كونها ديار حرب، خسر عالمنا العربي والإسلامي مئات الفرص لتطويره ونهضته وتحسين أوضاعه الأمنية والاجتماعية والثقافية بالاستفادة الواقعية من منجزات البشرية في كل مجال، وتُركت الساحة لطامعين إقليميين لينهبوا أحلام شعوب العالم الذي لا يزال ثالثا.

انتهى القاعدة، كما نراه، وسيلة وأداة لإفقار المجتمعات العربية والإسلامية وإذلال وقهر أهلها، في حين لو لم يوجد شخص كمحمد قطب في مسيرة أسامة بن لادن، ولو لم يظهر شخص كعبدالله عزام في حياته، ولو لم يُوجد كيان كتنظيم القاعدة، لكان أسامة الآن بجسده النحيل وابتسامته الرقيقة وعباراته الودودة ولحيته البيضاء، يجهز المائة ماعز وطعام الغداء للمحتاجين والفقراء بمنزل أسرته بالكندرة.

هشام النجار

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى