وجهات نظر

تنظيم النسل والتدين المغشوش

لا يكف أتباع جماعات الغلو عن شن غارات الفكر المنحرف، ونشر المفاهيم المغلوطة بعد تغليفها بغلاف ديني مخادع.. وخلال الفترة الماضية، كثفوا هجومهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وقنواتهم التحريضية، ضد فكرة تنظيم النسل، وجهود الدولة لمواجهة الزيادة السكانية الكبيرة، التي تلتهم كل جهود التنمية والارتقاء.

يُصور العقل المتدين والحركي المتشدد الدعوة لتنظيم الأسرة باعتبارها فكرة شيطانية، تخالف تعاليم الدين، وتنسجم مع مؤامرة غربية ما لتقليل نسل المسلمين، ولا يتورعون في معركتهم تلك من استخدام نصوص من القرآن والسنة، بعد تقديمها بفهم سطحي ساذج، لا يقبله من كان له أدنى صلة بفهم الكتاب والسنة، وإدراك حقائق الواقع، وتعقيدات التطور المجتمعي.

تطلق جماعات الغلو أتابعها عبر منصات عديدة، لمحاربة فكرة تنظيم النسل، باستخدم النصوص الشرعية، وكأن هؤلاء الاتباع يمتلكون القدرة على استنباط الحكم الشرعي، والاستدلال عليه من القرآن والسنة.. وذلك بعد أن نشروا بين الجماهير ولسنوات طويلة مفهوما منحرفا يتمثل في الاكتفاء بالنص لاستخراج الحكم الفقهي.. دون دراية كافية باللغة العربية، ولا علوم الحديث والتفسير، ودون أدنى معرفة بقواعد أصول الفقه، ولا مناهج الاستدلال.

ومن الآيات التي يستشهد بها هؤلاء، قوله تعالى: “ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرقكم وإياهم”، وقوله: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم”.. ويعلم من يطالع أي تفسير من تفاسير القرآن، أن النهي في الآيتين عن قتل أولاد موجودين حقيقة، لا سيما الإناث، كما كانت تفعل بعض القبائل العربية في الجاهلية.. وفي هذا يقول الإمام القرطبي في تفسيره: قوله تعالى “ولا تقتلوا أولادكم من إملاق”: الإملاق الفقر: أي لا تئدوا – من الموءودة – بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم. وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر، كما هو ظاهر الآية.

كما يستشهد هؤلاء المرجفون بحديث “تناكحوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة”، وبغض النظر عن مدى صحة الحديث الذي ضعفه بعض كبار العلماء، فإن سوقه بهذه الطريقة توحي بأن الكثرة مطلوبة لذاتها، حتى لو كان الأولاد فقراء معدمين، لا تتوفر لهم سبل العيش الكريم، ولا التعليم المناسب، ولا الرعاية الصحية الواجبة، مع أب منشغل، وأم مكدودة بالأعباء، فلا وقت للحنان، ولا للتربية والتوجيه.. وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكثرة التي لا قيمة لها ولا وزن، ولا ترضي صديقا، ولا ترهب عدوا إذ قال: “بل أنتم يوم إذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل”.. وبالطبع، فإن إهمال الأولاد، يتعارض مع التوجيه النبوي: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

ولأن الغرض مرض، يتجاهل المرجفون نصوصا استدل بها العلماء على أن كثرة العيال قد تكون سببا للفقر والحاجة، ومنها قوله جل شأنه في سورة النساء: “ذلك أدنى ألا تعولوا”.. وقد فسرها بعض الأئمة ومنهم الشافعي رضي الله عنه بأنه الافتقار من كثرة العيال، وفي هذا يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: وقوله: “ذلك أدنى ألا تعولوا” قال بعضهم: أي أدنى ألا تكثر عائلتكم.. قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي، رحمهم الله، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: “وإن خفتم عيلة” أي فقرا .. وقال الشاعر فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل.. وقال صاحب الكشاب منتصرا لرأي الشافعي: “والذي يحكى عن الشافعي أنه فسر أَلَّا تَعُولُوا بأن لا تكثر عيالكم”.

كما يتجاهل من لا هم لهم إلا إظهار الدولة المصرية وكأنها تحارب الإسلام، أن الصحابة كانوا يلجؤون إلى “العزل” بقصد عدم الإنجاب، وأن جمهور العلماء يبيحه ولا يرى فيه حرجا.. كما يصرون على تجاهل ما استقر في الفقه الإسلامي من أن الإمام له أن يقيد بعض المباحات بقصد التنظيم، أو لحاجة يقتضيها الواقع وتغير الظروف والأحوال، وشواهد هذا مبسوطة في كتب المذاهب لا تكاد تحصى.

لا يمكن لمن كان صاحب دين وضمير حي، أن يستبيح لي عنق النصوص لأجل أغراض سياسية دنيئة، ولا أن يحرف الكلم عن مواضعه بغرض إزعاج خصومه وإظهارهم وكأنهم أعداء للدين محاربين للشريعة.. كما إنه لا يصح عند من شم رائحة العلم الشرعي أن ينكر المختلف فيه، وأن يصر على المخالفة فقط لأجل المخالفة، ومصر بلد العلم والعلماء، وفيها الأزهر الشريف، المؤتمن على العلم الشرعي، والفهم الصحيح للنصوص، وإذا قال علماء الأزهر بأن تنظيم النسل لا شيء فيه، وأنه مباح في شريعة الإسلام، فلا يجوز لفارغ مسطح، ليس له حظ من علم ولا فقه ولا لغة ولا إدراك للواقع أن يعترض ويرفض ويحرم ويفسق ويكفر، وليس له أن يستشهد بنص، ولا أن يمارس “الاستدال” وكأنه أفنى عمره في دراسة أصول الفقه وتقريرات الأئمة والعلماء.

لا يمكن لشريعة الإسلام، التي جعلت من حفظ النفس مقصدا أعلى، أن تقبل باستجلاب أولاد كي يعيشوا معدمين، لا يسعهم مسكنهم، ولا يلقون تربية جيدة، ولا تعليما مناسبا، ولا يفهمون معنى احترام الخصوصية، ولا يجدون ما يستحقون من رعاية وتوجيه، وتوفير للماكل والملبس، في عصر شديد التعقيد، ازدادت فيه الضرورات والحاجيات، بسبب التطور التقني، ورفض سوق العمل لغير المتأهلين وأصحاب الكفاءة.. فتكون النتيجة كارثية، تتمثل في مظاهر التسولن والتطاول على الناس، وصولا إلى ارتكاب الجرائم، كالقتل والسرقة والسطو المسلح.

لا يوجد في الشريعة الإسلامية، أي نص يمنع الدولة من اتخاذ ما تراه من إجراءات لتنظيم النسل، ليس فقط من أجل مواجهة الفقر، وتقليلا للزيادة السكانية التي تلتهم كل أشكال التنمية.. بل حتى مراعاة لعدد المدارس والمستشفيات وزحام الطرق وتلوث البيئة وكفاءة وسائل الحماية المدنية، والضغط على البنية التحتية ومرافقها المختلفة، من طرق وصرف صحي ومياه شرب وكهرباء.. فالأمر لا يقتصر على الطعام والشراب.. وصحيح أنه لن يموت في بلدنا أحد من الجوع، لكنه قد يسد جوعه بأن يكون عبئا على المجتمع، أو بالتسول المقيت، أو حتى بالجريمة.. لذا، فليس أكذب من تلك العبارة التافهة المضللة التي يطلقها أصحاب العقول الضيقة والأغراض الرخيصة والتدين المغشوش، حين يطالبون الناس بكثرة الإنجاب قائلين: “العيل بييجي برزقه”.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى