أثر الانتهاك لا يزول

"مقبولة" تستعيد ذكريات 5 سنوات من الأسر

لا يخلو بيت إيزيدي من قصة مؤلمة مع تنظيم “داعش” الذي هاجم قراهم عام 2014، و”مقبولة باجو” ناجية إيزيدية من تنظيم “داعش” الإرهابي، عانت هذه التجربة المريرة، وترى أن سردها لحكايتها بتفاصيلها المؤلمة انتصار لها ولقريناتها من الأسيرات الإيزيديات اللاتي نجون من الأسر واللاتي لم تستطعن النجاة، وخصت “ذات بمصر” بقصتها.

لم تتلقَّ “مقبولة” التعليم كما يجب في المدرسة، كونها كانت تسكن في مجمع للمُهجرّين الإيزيديين يفتقد للخدمات، ولا تعرف الكتابة والقراءة، حالها كحال الكثير من الإيزيديين في تلك المنطقة، لكن يبدو أن ما لاقته من عذاب شكّل لديها وعيًا كافيًا بضرورة أن تحكي قصتها، وأن يُوثّق ما جرى لها ولأقرانها من الإيزيديين.

“مقبولة” (32 عامًا) من قرية تل القصب، وهو مجمع أنشأه نظام “صدام حسين” في الثمانينيات من القرن الماضي، بهدف نقل المهجرين الكرد الإيزيديين من قراهم، وبحسب الإحصاءات التي قدمها “علي عيسو” -مدير منظمة إيزدينا الإعلامية والحقوقية- فقد بلغ عدد القرى الإيزيدية التي جرفها النظام العراقي السابق 322 قرية، وتم نقل سكان هذه القرى إلى مجمعات تفتقد لأدنى مستوى خدمي، وهي عشرة مجمعات ومن ضمنها مجمع تل القصب (9 كم جنوب شرق منطقة شنكال/سنجار في إقليم كردستان العراق).

أن تكوني فتاة إيزيدية أسرها تنظيم داعش، فالأمر يعني أن لا هوية لك ولا حُرمة، أنتِ إنسان مستباح بكل ما تعنيه الكلمة من معنى”، هذا ما تؤكده مقبولة في بداية شهادتها على الأسر.

تقول مقبولة: “في الثالث من الشهر الثامن من عام 2014 تم أسري في منطقة قنة، وأُسرت عائلتنا بالكامل حينها، وقتلوا والدي أمام أعيننا، وقيدوا إخوتي الشباب وعصبوا أعينهم، واقتادوهم إلى مكان مجهول، ولا نعرف عنهم أي معلومة حتى الآن”.

وتكمل الفتاة الإيزيدية: “أما الفتيات والنساء والأطفال، فقد اقتادونا إلى مدينة تلعفر، واحتجزونا في مدرسة المدينة، قبل أن يأخذونا إلى الموصل، حيث بقينا في سجن بادوش، ثم أعادونا إلى تلعفر وبقينا هناك خمسة أشهر، وباعونا بعد ذلك في سوريا لمجموعة من مسلحي التنظيم. كنا مجموعة كبيرة حين جرى بيعنا”.

وتضيف: “أخذونا إلى مدينة الرقة بالتحديد، وكنا في البداية في مزرعة كبيرة قرب المدينة، أنا وزوجة أخي وزوجات أعمامي، بعد ذلك سجلوا أسماءنا جميعًا، ووزعونا على عوائل التنظيم، وأعطوني لعائلة سورية كانت من إدلب، وكان اسم رب العائلة “أبو عبيدة” واسمه الحقيقي محمد وكان من أمراء داعش”.

وتتابع: “أما الشباب فهم في الغالب تمت تصفيتهم، والأطفال تعرضوا لعمليات غسيل للأدمغة، حتى البعض منهم باتوا متبنين لفكر التنظيم ويكفّرون أهلهم”.

يعقب “علي عيسو” -مدير منظمة إيزدينا الإعلامية والحقوقية- على كلام مقبولة قائلًا: “لم يكن هدف التنظيم في هجومه على مناطق الكرد الإيزيديين المغانم أو السيطرة على الأرض فقط، بل كان الهدف اجتثاث هذه الديانة ومعتنقيها، وتأليب أطفال الإيزيديين على ذويهم”.

“لم ينجُ من الأسر من عائلتي سوى أخ واحد، وذلك لأنه كان ضمن قوات البيشمركة”، تقول “مقبولة”.

وتكمل: “أخي قام بتحرير أمي في تلعفر، وحرّر أختي التي هربت من الموصل، وبقيت زوجة أخي وأولادها ثلاث سنوات لدى التنظيم، وقد دفع أخي في المرة الأولى لشخص عربي من منطقة ربيعة أكثر من عشرة آلاف دولار، لكنه لم يفعل شيئًا، كان التنظيم قد فصل أولادها عنها، وبعد ذلك دفع أخي مرة أخرى أكثر من عشرة آلاف دولار وقام بشرائها من التنظيم”.

لم تفلح محاولات الأخ الناجي الوحيد في تحرير “مقبولة” من الأسر، ولم تفلح محاولاتها أيضًا بالهروب من مناطق سيطرة التنظيم الإرهابي.

تروي “مقبولة” تفاصيل محاولات الهروب الفاشلة، وما فعله التنظيم بابن أخيها حتى يمنعه وأمه من الهرب فتقول: “كسر التنظيم يَدَيْ ورِجْلَيْ ابن أخي، وقطعوا أذنه كي لا يحاولا الهرب مجددًا. هو حتى الآن يتلقى العلاج في الخارج. أخي حاول أن يدفع النقود لتخليصي، لكن المهرّب تعرض للانكشاف، وتم إلقاء القبض عليه. تعرضنا للتعذيب والضرب المبرح لمدة أربعة أشهر، وعلمت لاحقًا أنهم قتلوا المهرّب”.

وتكمل “مقبولة”: “حاول أخي أن يعرف أي معلومة عنا، إلا أن المعلومات التي وصلته كانت متضاربة، منهم من قال له: أختك قتلها التنظيم، ومنهم من قال إنها قُتلت في غارة جوية، وفي النهاية توفي أخي على إثر سكتة قلبية قهرًا عليّ، لأنه لم يستطع تخليصي من التنظيم”.

حاولت “مقبولة” مرات عدة أن تهرب كما تروي: “حاولنا كثيرًا أن نهرب، وفي كل مرة كانت القوة الأمنية تكتشف أمرنا، ومن ثم يضعوننا في السجن ويقومون بتعذيبنا ويعقابوننا.

وتعرّضتُ لقصف الطيران ثلاث مرات، ونجوت من الموت بأعجوبة، وأُصبت أكثر من مرة نتيجة القصف، ولاقيت ظلمًا كبيرًا على يد عناصر التنظيم خلال السنوات الخمس التي بقيت فيها أسيرة لديهم”.

الهروب.. سيجارة بيد مقاتل دليل الخلاص

لم يكن من السهل أن تتحرك أي امرأة في مناطق سيطرة التنظيم، فكيف لأسيرة إيزيدية أن تتحرك ومجرد الخروج من المنزل يجعلها موضع تهديد، لذا كان من الصعب جدًّا على “مقبولة” الهروب إلى مناطق خارجة عن سيطرة “داعش”.

لكنّ تقلّص مناطق سيطرة التنظيم، والإرباك الذي حصل في صفوفه قبل القضاء على آخر معاقله في بلدة الباغوز بريف دير الزور خلال العام الماضي؛ مهّد الطريق لكثير من النساء الأسيرات للهرب إلى بر الأمان.

تحكي “مقبولة باجو” عن الأوضاع في بلدة الباغوز قبل هروبها منها قائلة: “حاولت عدة مرات الهروب، وتعرضنا لقصف الطيران أكثر من مرة، وبقيت معهم حتى حوصرنا جميعًا في الباغوز، وهناك تعرضنا لقصف الطيران والقصف الأرضي والمدفعي، وعمت الفوضى، ولم نكن نستطيع التحرك بسبب الجثث في الشوارع، ولم يكن هناك شيء لنأكله، كنّا نطبخ لأطفالهم البرغل. كانت أيامًا صعبة جدًّا”.

وتكمل “مقبولة”: “في النهاية استطعت الهروب من الباغوز مع امراة من منطقة زورافا، وطفلة عمرها عشر سنوات، دون أن يساعدنا أحد، وضعنا أرواحنا على أكفنا وهربنا، ولم نكن نعلم هل سننجح أم سنُقتل، كنا فقدنا الأمل في كل شيء”.

نجحت الفتاة الإيزيدية ورفيقتاها في الهروب خلال هذه المحاولة في بداية مارس عام 2019، لكن بقي الخوف ملازمًا لهنّ بعد أن ذُقْنَ الأمرّين من التنظيم، تقول “مقبولة”: “نجحنا في الهروب هذه المرة، ووصلنا إلى حاجز لقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، وكنا خائفات جدًّا، لأن التنظيم كان قد هددنا بأنه لو قبض علينا ونحن نحاول الهروب فسيقطع رأسنا”.

وتضيف: “حين اقتربنا من الحاجز العسكري سألنا المقاتلين: من أنتم؟ قالوا لا تخافوا، لسنا داعش. كانوا من حلب وبعضهم كرد، لكن بقي الخوف يسيطر علينا إلى أن شاهدناهم وهم يدخنون. طمأنتنا السجائر، لأن داعش يعتبر التدخين حرامًا، وسلمنا أنفسنا لهم، وقلنا نحن إيزيديات وطلبنا مساعدتهم”.

وتكمل: “بقينا عند قوات سوريا الديمقراطية لمدة يومين، ومن ثمّ سلمونا لبيت الإيزيديين، وبقينا هناك لمدة شهر، حتى استطاعوا تأمين أرقام أهلنا، وذهبت للعيش مع عائلة أختي، وليس لي أحد، وأدعو الله أن لا يضيع حقنا، لاقيت ظلمًا كبيرًا على يد هؤلاء”.

من جحيم الأَسْر إلى مرارة الذاكرة

التعذيب الذي تعرضت له “مقبولة” وهي أسيرة لدى التنظيم، لم يذهب أثره بمجرد الخلاص من الأسر الذي ظنته نهاية لأوجاعها، لكنها بدأت حكاية جديدة مع الألم والفقد.

تقول “مقبولة”: “لو سردت قصتي مع داعش منذ الآن ولمدة سنة فلن أنتهي منها، وحين أتساءل عن وضع عائلتي وما حصل معنا، تتفتح الجراح مرة أخرى، من فظاعة ما حصل معنا، فبعد أن عدنا لم نجد الراحة، ليس لنا أب ولا إخوة، كنت على أمل أن ألقى أخي الوحيد الذي كنت أظنه قد نجا، لكن للأسف لم أجده حيًّا، كذبَ الجميع عليّ بخصوصه، كانوا يقولون لي إنه مسافر، لكن بعد فترة علمت أنه توفي. هذا كان صعبًا. لكن الأصعب بالنسبة لي أن أعود ولا أجد أي فرد من عائلتي. قصصنا صعبة جدًّا وروايتها أصعب، لكن لا أريد أن تضيع هذه القصص”.

تسكن “مقبولة” اليوم عند أختها في مخيم “باعدرا” بإقليم كردستان العراق، وباقي أفراد العائلة من الناجين استطاعوا الوصول إلى دول أوروبية، حسب ما تروي لنا، وهي تنتظر أي معلومة عن إخوتها الذين فقدت الاتصال بهم من أول يوم لها في الأسر، وحتى اليوم.

تؤكد “مقبولة” أنها تتألم حين تسرد حكايتها، لكنها تقول في ختام حديثها: “أحكي لتوثّقوا ما حصل لنا، حتى لا يضيع حقنا، اكتبوا عن حكاياتنا. يجب أن يعرف العالم كله ما حصل لنا هذه المرة”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

شهادة

باز بكاري

صحفي سوري

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram