تنقيب عثمانلي

سفن تركيا.. الماضي قبل الغاز أحيانًا

“نحن بصدد اتخاذ خطوات جديدة ومختلفة في ليبيا وشرق البحر المتوسط، ونأمل أن يحقق جنودنا في شرق المتوسط ملاحم بطولية كتلك التي حققها أمير البحارة العثمانيين، خير الدين بربروس، (1478-1546)، وهم بالفعل سيواصلون كتابة تلك الملاحم”..

بهذه الكلمات عبّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن نيّات بلاده في البحر المتوسط في الأول من يناير/ كانون ثان 2020، خلال اتصالٍ هاتفي مع جنود أتراك بولاية هكاري جنوب شرق تركيا لتهنئتهم بالعام الميلادي الجديد.

كانت هذه التصريحات غيضًا من فيض أحلام تركيا في البحر المتوسط والبحر الأسود، وحقول الغاز، التي أثارت شهية الرئيس التركي، المدفوعة بمخططات عودة الخلافة العثمانية، ذلك الحلم الذي يراود أردوغان منذ صعوده للحكم، وبالفعل كانت أولى خطوات أردوغان نحو ذلك، الدفع بسفن تركية في مياه المتوسط  للتنقيب عن الغاز، وربما من قبله تنقيب عن الماضي التليد.

السفن، التي دفعت بها تركيا للتنقيب عن الغاز في المتوسط، حملت أسماء عثمانية تركية بامتياز، وليست أي أسماء، إنما هي لشخصيات عثمانية شهيرة، دائمًا ما كان يستشهد بها أردوغان في أحاديثه المتواصلة عن غزوات العثمانيين في البحر المتوسط، وجاءت أسماء تلك السفن كالآتي: يافوز، الفاتح، عروج ريس، عتمان، جنكيز خان، بربروس، القانوني.

فما معنى هذه الأسماء؟ وإلام تعود؟ وما دلالات تسميتها في هذا الوقت الذي يتصارع فيه العالم على حقول الغاز؟

أردوغان يلقي التحية لسفينة تركية

يافوز

وهي سفينة تنقيب تركية انضمت إلى أسطول السفن التركية في البحر المتوسط للتنقيب عن الغاز في العام الماضي، في أماكن النزاع بين اليونان وتركيا حول موارد الطاقة بالبحر المتوسط.

ويافوز أو “Yavuz”، اسم تركي مذكر وشائع في اللغة التركية ويعني “القاطع أو الحاسم”، وأشهر من أطلق عليه هذا الاسم هو السلطان العثماني سيلم الأول بن بايزيد الثاني، الملقب بـ”يافوز”، أي القاطع أو الشجاع عند الأتراك، وهو تاسع سلاطين الدولة العثمانية، التي حكمت بين 1512 و1520.

الفاتح

وهي إحدى السفن التركية العملاقة للتنقيب عن الغاز، وقامت بأول عمليات تنقيب لها في حقل تونا بالبحر الأسود، وتقول مصادر تركية إن السفينة دخلت الخدمة منذ عام 2011، وتُعد من أفضل السفن حول العالم التي تمتلك تكنولوجيا فائقة بإمكانها إجراء عمليات تنقيب حتى عمق 12 ألف متر.

وتُنسب السفينة إلى السلطان محمد الثاني بن مراد العثماني، الملقب بالفاتح، لفتحه مدينة القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) وقد أبحرت هذه السفينة للمرة الأولى إلى البحر الأسود للتنقيب عن الغاز في 29 مايو/أيار 2020، وهي الذكرى 567 لفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، حسب صحيفة “ترك برس”.

السفينة التركية الفاتح

عروج ريس

في أغسطس/آب 2020، أشعلت السفينة التركية “عروج ريس” فتيل الأزمة في البحر المتوسط، بعد أن أرسلتها تركيا لإجراء مسح زلزالي عن حقول الغاز في البحر المتوسط.

وعروج ريس أو الريس عروج، وبالتركي “Oruç Reis”، شخصية حقيقية تعود إلى العصر العثماني وهو بحّار وقرصان تركي اسمه عروج بن أبي يوسف يعقوب التركي، اشتهر بغزواته البحرية في شمال إفريقيا والبحر المتوسط، وتعاون مع السلطان المملوكي قنصوه الغوري لمحاربة البرتغاليين، وفي محاولة منه لكسب رضاء الدولة العثمانية، أرسل عروج الهدايا إلى السلطان العثماني سليم الأول، وكانت هذه بداية العلاقات مع الدولة العثمانية، التي مهدت لسيطرة العثمانيين على البحر المتوسط.

السفينة التركية عروج ريس

بربروس

سفينة خير الدين بربروس، سفينة أبحاث تركية، باشرت أعمال التنيقب عن الغاز في منطقة “جوزال يورت” بالبحر المتوسط في 2018، ويقول وزير الطاقة التركي، فاتح دونماز، في تصريحات سابقة نشرتها وكالة الأناضول التركية الرسمية في أكتوبر/تشرين الأول 2018، إن السفينة ستواصل مهامها “رغم ما تعرضت له من تحرش من إحدى الفرقاطات اليونانية”، بحسب تعبيره.

والسفينة التركية تنسب إلى البحار التركي خير الدين بربروس، وهو شقيق البحار أبو يوسف يعقوب “عروج ريس”، واسمه الحقيقي خضر بن يعقوب.

ويعد بربروس قائد قوات البحرية العثمانية، وتولى حكم الجزائر لاحقًا، ويعود إليه الفضل مع شقيقه عروج في سيطرة العثمانيين على البحر المتوسط، ولهذا السبب قال العثمانيون عنه: “لو كان للبحر أسدٌ، فهو خيرُ الدين”.

القانوني

وهي سفينة تنقيب تركية دخلت إلى أسطول السفن العثماني للتنقيب عن الغاز في البحر الأسود  في سبتمبر/أيلول 2020، ومن المتوقع أن تقوم بعمليات تنقيب عن الغاز رفقة سفينة “الفاتح” اعتبارًا من العام المقبل، بحسب وزير الطاقة التركي لوكالة الأناضول الرسمية.

مثل أخواتها، فإن السفينة أطلق عليها اسم أحد سلاطين الدولة العثمانية، سليمان باشا بن سليم الأول العثماني، الملقب بـ”القانوني”، وهو عاشر سلاطين الدولة العثمانية وصاحب أطول فترة حكم من 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1520م حتى وفاته في 7 سبتمبر/أيلول سنة 1566م.

السفينة التركية القانوني

عتَمان Ataman  وجنكيز خان Cengiz Han

وهما سفينتان تركيتان تقومان بعمليات تنقيب عن الغاز في شرق المتوسط وإجراء المسح الزلزالي رفقة سفينة عروج ريس أو أورك ريس.

وعَتمان هو النطق التركي لاسم عثمان بن أرطغرل، وهو مؤسس الدولة العثمانية، وإليه ينتسب سلاطينها.

أما اسم جنكيز خان، فيعد أشهر من سُمي به هو القائد المغولي جنكيز خان، وتقول صحيفة Sözcü التركية اليومية إن “جنكيز خان يعتبر في الأصل مواطنًا تركيا”.

وبحسب موقع مؤسسة “bilimler” التركية، وتعني “قرية العلوم”، يُعتبر جنكيز خان في العموم تركيًّا، فقد تحدث أيضًا باللغة التركية المنغولية. الأهم من ذلك، قدم جنكيز خان نفسه على أنه تركي في خطبه، وينسب الصينيون أصل جنكيز خان إلى الأتراك.

ويقول الكاتب والمفكر السياسي المختص بالشأن التركي، الدكتور بشير عبد الفتاح، لـ”ذات مصر” إن إطلاق اسم “جنكيز خان” على إحدى سفن التنقيب التركية رغم أنه ليس عثمانيًّا، يأتي بسبب أن أصول جنكيز خان تعود إلى قيرغيزستان المرتبطة باللغة التركية، لذلك فالأتراك يعتبرون كل من يتحدث اللغة التركية، حتى في دول القوقاز، امتدادًا للعالم التركي، ما يعني استحضار فكرة الهيمنة العثمانية والتركية من جديد.

الدكتور بشير عبد الفتاح
الوطن الأسود.. والأزرق!

يشير “عبد الفتاح” إلى أن الهدف من إطلاق الأسماء العثمانية عمومًا هو استحضار فكرة “العثمانية الجديدة”، التي يسعى لها الرئيس التركي أردوغان من خلال استعادة فكرة الوطن الأزرق المقصود به “البحار”: “تركيا لها وطنان، الأول هو الوطن الأسود والمقصود به الأرض، والآخر هو الأزرق المقصود به البحار، ولهذا السبب أطلقت تركيا على سفن تنقيبها أسماء بحارة عثمانيين سيطروا على البحار مثل خير الدين بربروس وعروج ريس، لإعطاء إشارات ودلالات رمزية على استعادة الهيمنة العثمانية”.

“تركيا لديها أزمة في أمن الطاقة”، يشرح “عبد الفتاح: “تستورد أكثر من 90% من أمن الطاقة، وبالتالي أي فرص لوجود نفط أو غاز سيخفف الضغط على الميزانية التركية، التي تنفق نحو 50 مليار دولار سنويا على احيتاجاتها من الطاقة، لكن هذا ليس السبب الوحيد لتركيا، فهناك أسباب أخرى، وهي استعراض القوة العسكرية واستعادة فكرة الهيمنة العثمانية”.

ومؤخرًا اعتادت تركيا سحب سفن تنقيبها من منطقة شرق المتوسط، بعد تصاعد الأزمة بينها وبين قبرص من ناحية واليونان من ناحية أخرى ومصر من ناحية ثالثة، بعدما لقي وجودها في المنطقة الغنية بالغاز معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومصر، والأخيرة تحديدًا رسّمت حدودها البحرية مع قبرص، وأرسل الجانبان هذا الاتفاق إلى الأمم المتحدة لاعتماده، ثم جاء إعلان القاهرة لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يهدف إلى “العمل على إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية”، كما أن مصر حذرت تركيا سابقًا، عبر بيان لخارجيتها، من “التنقيب في منطقة بحرية غرب قبرص، ليس لأن تركيا تتعدى على المياه الإقليمية المصرية شرق المتوسط، ولكنه إجراء دبلوماسي تحذيري يسبق إجراءات أخرى قد تليها أكثر إيجابية على الصعيد الدبلوماسي، من منطلق أن مصر ضمن دول منتدى غاز شرق المتوسط وأن تركيا ليست ضمن دوله وأنها تخالف القانون الدولي وبنود اتفاقيات المنتدى”، ما يودي بالأحلام التركية في استعادة مجد الماضي أو غاز الحاضر، كأنه خروج من المعادلة بنحوٍ أو بآخر.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبدالله قدري

صحفي مصري

مشاركة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search