زوايامختارات

توترات أوروبا–تركيا في “شرق المتوسط”.. مسارات الحل المحتملة

تعددت مظاهر ومسارات التوتر بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، كان أبرزها -مؤخرًا- مسار التوتر داخل منطقة شرق المتوسط، بسبب النزاعات البحرية بين كل من تركيا واليونان وقبرص حول سيادة كل دولة على المناطق الاقتصادية الخاصة بها.

اتسم هذا الصراع بأنه ممتد منذ نشأة هذه الدول، ووفق دراسة غالب دالي على موقع معهد بروكنجز، بعنوان: Turkey, Europe, and the Eastern Mediterranean: Charting a way out of the current، فهناك ثلاث قضايا رئيسية أسهمت في بلورة هذا المشهد الصراعي، تمثل أولها في الخلاف حول حدود المياه الإقليمية اليونانية وملكية بعض الجزر في بحر إيجه، في حين تتعلق القضية الثانية بمشكلة عدم ترسيم الحدود البحرية وتحديد سيادة كل دولة على المناطق الاقتصادية الخاصة بها في شرق المتوسط، بينما تلخصت القضية الثالثة في أزمة انقسام جزيرة قبرص بسبب التدخل العسكري التركي هناك عام 1974.

حساسية هذه القضية تنبع من كونها تتعلق بمبادئ السيادة لكل دولة، ومن ثَمَّ فإن المفاوضات بطبيعتها ستكون مُكلِّفة سياسياً، الأمر الذي أسهم في تعدد الأطر الخاصة بالتسوية، على سبيل المثال تهدف اليونان إلى اللجوء للتحكيم وفق قواعد القانون الدولي، في حين تُفضِّل تركيا المفاوضات الثنائية، لأنها ستخضع للأدوات الدبلوماسية أكثر من المبادئ القانونية.

ترسيم الحدود البحرية

أزمات شرق المتوسط ودوافع استعادة الدور الأوروبي

تصاعدت الأزمات في منطقة شرق المتوسط بسبب تطورين جيوسياسيين مهمين: أولهما الاكتشافات الكبيرة لمصادر الطاقة، وثانيهما تطورات الأزمة الليبية وما لها من انعكاسات سلبية على الأمن الإقليمي الأوروبي، وقد جاءت هذه الأزمات بالتزامن مع تراجع النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة هناك، الأمر الذي أسهم في اتجاه الاتحاد الأوروبي نحو استعادة دوره في تسوية هذه الأزمات.

وتجب الإشارة هنا إلى أن تفاقم الوضع في منطقة شرق المتوسط وليبيا كان بسبب تشابك دول هذه الأزمات في الكثير من القضايا الأخرى داخل منطقة شرق الأوسط، ما أدى إلى زيادة نطاق هذا الصراع الجيوسياسي ليصل إلى الحدود الآمنة لأوروبا.

وفيما يلي أبرز العوامل التي أسهمت في الدفع بالدول الأوروبية نحو استعادة دورها في مواجهة مُهدّدات أمنها الإقليمي:

  1. طبيعة الصراع في منطقة شرق المتوسط

إن الأزمة في منطقة شرق المتوسط في جوهرها لا تتعلق باكتشافات الطاقة، خاصةً أنه لم يتم اكتشاف أي من هذه المصادر في المناطق المُتنازع عليها، ولكن تكمن جذور الأزمة في سيادة كل دولة على الحدود البحرية ومناطقها الاقتصادية الخاصة.

هذه الاكتشافات أسهمت في تصاعد التوترات في ظل اختلاف المسارات الخاصة بترسيم الحدود البحرية هناك، وعلى ذلك تحولت هذه النزاعات البحرية إلى مواجهات جيوسياسية وصراعات على السيادة بين تركيا واليونان وقبرص، والتي زاد تفاقمها التطورات على الأرض في أزمة ليبيا.

وبالتالي دفعت هذه الصراعات الجانب الأوروبي إلى إعادة النظر في طبيعة هذه المشكلات، خاصةً أنها تتعلق بمفهوم السيادة لكل دولة، وما يمكن أن تنطوي عليه هذه التوترات من تهديدات لأمن الدول الأوروبية.

  1. اختلاف الاستراتيجية الأمريكية

اتخذت الإدارة الأمريكية السابقة خلال فترة الرئيس دونالد ترامب مجموعة من القرارات التي يمكن تفسيرها على أنها نوع من الابتعاد عن حلفائها في أوروبا، ومن غير المُرجَّح أن تتجه الولايات المتحدة إلى تغيير هذه السياسة بعد وصول الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن إلى البيت الأبيض، وذلك بسبب الأزمات الداخلية التي تواجهها الإدارة الجديدة.

ومن ثَمَّ، أصبح من الضروري على الدول الأوروبية أن تبحث عن تسوية لهذه الأزمات، خاصةً أن هناك أكثر من دولة أوروبية منخرطة في هذه الأزمات بصورة مباشرة.

  1. جهود الوساطة الأوروبية

قادت ألمانيا الجهود الأوروبية نحو تعزيز جهود الوساطة الإقليمية والدولية لتسوية هذه الأزمات وخفض التوترات، ولكن من جانب آخر فإن هذه الجهود تظل محكومة بمدى سرعة استجابة الدول لها، ومستوى القدرة على تشخيص هذه الأزمات، ثم الانطلاق نحو تسويتها.

بعض الشروط الخاصة بنجاح هذه المبادرات لتسوية النزاع بين تركيا واليونان وقبرص، تتمثل في تخفيف حدة التصعيد بين هذه الدول، والدعوة إلى وقف مؤقت للتنقيب عن مصادر الطاقة في المياه المتنازع عليها، بالإضافة إلى تنسيق الجهود الداخلية لدول الاتحاد، خاصةً بين ألمانيا وفرنسا فيما يتعلق بإيجاد أرضية مشتركة في سياساتهما الخارجية تجاه تنفيذ هذه المبادرات، باعتبار أن فرنسا إحدى الدول الأوروبية الموجودة بصورة مباشرة في مواجهة تركيا داخل منطقة شرق المتوسط والأزمة الليبية.

  1. تنامي الدور الروسي

من المؤكد أن استمرار الصراع في منطقة شرق المتوسط يمكن أن يسهم في إيجاد فرص كبيرة أمام جهات خارجية أخرى للعب دور مؤثر هناك مثل روسيا، التي تهدف إلى تعزيز نفوذها في مناطق الجوار الأوروبي، كما تتصاعد المخاوف الأوروبية من تنامي العلاقات الروسية–التركية في الكثير من المجالات والتنسيق المشترك بينهما في القضايا الإقليمية والدولية، ما يُضعِّف الموقف الأوروبي في تسوية الأزمة.

وقد دفعت هذه المخاوف الاتحاد الأوروبي إلى العمل على مواجهة التدخلات الروسية في شرق المتوسط أو في الأزمة الليبية، بالإضافة إلى مواجهة التقارب الروسي-التركي، من خلال العمل على انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط، أو عبر العمل على آلية مفاوضات ثلاثية تشمل الاتحاد الأوروبي ودول منتدى غاز المتوسط وتركيا، وذلك للتعامل مع هذه الأزمات، واستكشاف السبل التي يمكن أن تجعل احتياطيات غاز شرق المتوسط مصدرًا للتعاون بدلا من الصراع.

سفن تركية

أهداف تركيا في شرق المتوسط

تهدف تركيا من تدخلها في منطقة شرق المتوسط أو الأزمة الليبية إلى سد عجزها من موارد الطاقة، في ظل اعتماد احتياجاتها بشكل أساسي على روسيا وإيران، اللذين صارا منافسَين إقليميين لأنقرة، وهو الأمر الذي دفع تركيا إلى خفض وارداتها النفطية منهما، حيث انخفضت واردات تركيا في النصف الأول من 2020 بنسبة 44.8% من إيران، وبنسبة 41.5% من روسيا مقارنة بنفس الفترة عام 2019.

وقد أسهمت الثروات المُكتشفة حديثًا في البحرين، المتوسط والأسود، إلى زيادة الطموح التركي نحو التنقيب عن الهيدروكربونات لمواجهة عجز الميزانية، حيث يُعد استيراد موارد الطاقة المصدر الرئيسي لعجز ميزانية الدولة، ووفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركي والبنك المركزي فإنه خلال السنوات الخمس الماضية بلغ إجمالي عجز ميزانية تركيا نحو 220 مليار دولار.

ضمن هذا السياق، ضاعفت تركيا من أنشطتها الخاصة بأعمال التنقيب عن مصادر الطاقة في كل من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأسود، والتي تُوِّجت في أغسطس 2020 باكتشاف حقل “تونا-1” للغاز في البحر الأسود.

من ناحية أخرى، تهدف تركيا -من تدخلها في هذه الأزمات- إلى أن تصبح مركزا إقليميا للطاقة وممرًّا لها نحو الدول الأوروبية، وفي سبيل تحقيق ذلك وقّعت تركيا صفقات لخطوط أنابيب النفط والغاز مع أذربيجان والعراق وإيران وروسيا، بحيث يمر أي مشروع خط أنابيب في شرق البحر المتوسط ​​إلى أوروبا عبر أراضيها، ومع ذلك فإن علاقات تركيا المتوترة مع جميع الدول المطلة على البحر المتوسط تقف حائلا أمام تحقيق هذه الطموحات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التعاون بين دول شرق المتوسط اتخذ طابعا مؤسسيا منذ يناير 2020 من خلال منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل والأردن وفلسطين وإيطاليا، لتحقيق التعاون والاستفادة من الثروات المكتشفة حديثا. وعلى الرغم من توجيه الدعوات إلى تركيا بالانضمام إلى المنتدى، فإن تصاعد المخاوف التركية من تهميشها داخل إطار الطاقة والأمن الناشئ في شرق المتوسط دفع بها إلى استخدام منطق القوة وفرض الأمر الواقع، من خلال التنقيب عن هذه الثروات في المناطق الاقتصادية لدول أخرى كي تحقق أهدافها وتعرقل جهود التعاون بين دول المنتدى.

أردوغان والسراج

استراتيجية “الوطن الأزرق” واستغلال الأزمة الليبية

إن السياسة التركية تجاه الأزمة الليبية تقع ضمن استراتيجية ما يُعرف بـ”الوطن الأزرق”، وهو المفهوم الجيوسياسي للاستراتيجية البحرية التركية، التي تقوم على افتراض أن تركيا محاصرة في الأناضول، وبالتالي تحتاج إلى الحفاظ على إمكانية الوصول إلى البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط.

وقد تبلورت هذه الاستراتيجية بصورة واضحة بسبب مشاعر العداء التركية للمجتمع الغربي، وبروز المشاعر القومية، التي من شأنها إضفاء الشرعية داخليا على السياسة التركية في شرق المتوسط.

وقد تمكنت تركيا، وفق هذا التصور، من توقيع مذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019 ضمن استراتيجياتها، المتمثلة في عرقلة تعاون دول منتدى شرق المتوسط، حيث سمحت الاتفاقية الأولى بترسيم الحدود البحرية لتركيا مع ليبيا وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لكليهما، والتي تمتد من الساحل الجنوبي لتركيا على البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الساحل الشمالي الشرقي لليبيا، دونما اعتبار للجزر اليونانية الرئيسية مثل كريت ورودس، وكانت صفقة الحدود البحرية هي الثمن التي حصلت عليه تركيا في مقابل اتفاقية التعاون العسكري، حيث قدمت تركيا الدعم العسكري المباشر لحكومة الوفاق في مواجهة قوات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، في الوقت الذي لم تستجب فيه الدول الأوروبية لدعم حكومة الوفاق.

ويمكن القول إن السياسة التركية تجاه ليبيا لم تكن تتعلق بالأزمة هناك بصورة أو بأخرى، بقدر ما كانت ترتبط بتحقيق أهدافها في منطقة شرق المتوسط، لأنه وفق اتفاقية التعاون البحري سيتعين على خط أنابيب الغاز الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي أن يمر في المنطقة التي تم ترسيم الحدود البحرية داخلها بين تركيا وحكومة الوفاق، وهو الأمر الذي يؤشر على استمرار السياسة التركية في عرقلة هذه المشروعات.

من ناحية أخرى، أسهمت السياسة التركية تجاه ليبيا في دفع كل من اليونان ومصر إلى توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية في أغسطس 2020، كما شهد مسرح عمليات البحر المتوسط مناورات عسكرية مشتركة بين مصر والإمارات واليونان وقبرص وفرنسا، بالإضافة إلى ذلك، أرسلت فرنسا حاملة الطائرات، شارل ديجول، كنوع من أنواع الردع للسياسة التركية، بجانب دعمها اليونان وقبرص في مواجهة تركيا.

وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل هذه التطورات عن موقف هذه الدول المعارض للسياسة التركية في الأزمة الليبية.

تركيا والاتحاد الأوروبي

مسارات التسوية

تشير مجموعة التوترات في منطقة شرق المتوسط والأزمة الليبية إلى أن عملية تسوية هذه المشكلات تواجه تحديات مختلفة بالنظر إلى طبيعة السياسات التركية وأيضًا القضايا موضع الخلاف، وأنه في المدى القريب يجب أن تكون أولوية الدبلوماسية الألمانية والأوروبية التركيز على إدارة الصراع وتجميده بدلا من تسوية النزاع بصورة نهائية، خاصة أن هذا التوجه لا يمكن تحقيقه في هذه المرحلة، وتأسيسًا على ذلك تتعدد مسارات تسوية الأزمة شرق المتوسط على النحو الآتي:

  1. الضغط في اتجاه وقف أعمال التنقيب التركية

هناك اختلاف في طبيعة التوترات بين دول شرق المتوسط، على سبيل المثال فإن الخلاف بين فرنسا وتركيا يختلف بصورة جذرية عن الخلاف بين تركيا واليونان، ومن ثم يمكن للدبلوماسية الأوروبية أن تتجه نحو تفكيك الصراع بين تركيا واليونان بدلا من التفاوض على الوصول إلى تسوية شاملة للأزمة في شرق المتوسط، وهو الأمر الذي يمكن أن يسهم تخفيف حدة التوترات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة بين تركيا وباقي الدول الأخرى.

  1. دبلوماسية المؤتمرات

تمثل المؤتمرات الدولية إحدى الآليات المهمة للتخفيف من حدة التوترات في شرق المتوسط، وتزداد أهمية هذا الطرح بسبب وجود دعوات تركية وأوروبية لعقد اجتماعات دورية للدول المطلة على شرق المتوسط مع إمكانية مشاركة المنظمات الإقليمية والدولية والدول الكبرى في هذه الاجتماعات.

  1. إعلان خطة أوروبية لتسوية الأزمة

يمكن للاتحاد الأوروبي أن يعتمد على الخطط التي أسهمت في تحقيق التعاون بين دول القارة والدول المجاورة، مثل الإعلان عن خطة شومان جديدة أو عملية برشلونة جديدة لتحقيق التعاون بين الدول الأوروبية وتعزيز المنافع المتبادلة، أو من خلال تعزيز العلاقات بين دول أوروبا ودول جنوب البحر الأبيض.

وتستند هذه الخطط على فرضية أنه يجب التعامل مع شرق البحر الأبيض المتوسط كمساحة عمل مشتركة وأن موارده الاستراتيجية من النفط والغاز يجب أن تعزز فرص التعاون بدلا من الصراع.

وفي هذا الصدد، يجب على الاتحاد الأوروبي إما محاولة تسهيل انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط أو وضع إطار عمل ثلاثي بحيث يمكن لدول منتدى غاز شرق المتوسط، والاتحاد الأوروبي وتركيا، البحث عن طرق لإنهاء هذا النزاع وتحقيق التعاون.

المصدر:

مصطفى صلاح

كاتب وباحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى