توتر أمريكي– صيني مُحتمل

عفريت "تايوان" يخرج من العُلبة

شبح أزمة جديدة في مسلسل الأزمات بين واشنطن وبكين، يلوح في الأفق، تزامنًا مع ماراثون الانتخابات الرئاسية الأمريكية المزمع إجراؤها في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بعد التهديدات التي أطلقتها بكين في أعقاب الإعلان عن صفقة أسلحة أمريكية محتملة إلى تايوان المنشقة عن الصين.

وكالة رويترز الأمريكية ذكرت على لسان مصادر في وقت سابق، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمضي قدمًا في سلسلة مبيعات أسلحة إلى تايوان، وأن البيت الأبيض طلب من الكونجرس الموافقة على 3 صفقات أسلحة من أصل 7 مزمع إرسالها إلى تايوان، التي تتعرض لضغوطات مستمرة بشأن استمرار استقلالها عن الصين.

خريطة تايوان
تمرير!

ويبدو أن مجلس النواب في طريقه لمباركة الصفقة، وهو ما وضح جليًّا في ما نقلته مجلة نيوزويك الأمريكية عن أحد مساعدي لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، من قوله إن اللجنة تميل إلى إبداء الموافقة على صفقة الأسلحة إلى تايوان، وأي مبيعات أخرى إضافية من شأنها دعم القدرة الدفاعية في تايوان.

وبحسب ما ذكرته رويترز، فإن المعدات المعنية في الصفقة تشمل سلاح إطلاق متعدد طورته شركة لوكهيد مارتن يسمى نظام صاروخ المدفعية M142 عالي الحركة وصواريخ أرض – جو بعيدة المدى من صنع بوينج تسمى SLAM-ER وجراب استشعار خارجي لمقاتلة F-16 الطائرات.

الصين تهدد

وفي خطوة تصعيدية قبيل إتمام الصفقة، هددت الصين على لسان وزير خارجيتها  تشاو لي بأنها ستتخذ تدابير مشروعة ومضادة حيال الصفقة حال تمريرها، وطالبت بالإلغاء الفوري لأي مبيعات أسلحة إلى جزيرة تايوان، لأنها تعد انتهاكًا للاتفاقات طويلة الأمد التي تخلت واشنطن بموجبها عن علاقاتها مع تايوان.

صراع الصين وأمريكا - تعبيرية

الصين التي تعتبر تايوان قضية بالغة الحساسية بالنسبة لها، رأت أن الصفقة تهدد مبدأ “الصين الواحدة”، وتمس سيادتها وأمنها مباشرة، بخلاف تعديها على البيانات المشتركة الثلاثة بين بكين وواشنطن، وتعد تدخلاً في الشؤون الداخلية الصينية وهو أمر يضر بمصالحها، وهو ما دفعها لحث واشنطن على إدراك حساسية المسألة وتفهم الأمر.

و”الصين الواحدة” هي سياسة تتبعها بكين في علاقاتها مع الدول، وبموجبها تعترف الولايات المتحدة بأن في العالم صينًا واحدة وأن تايوان جزء لا يتجزأ منها ولا بد من أن يعود لها يومًا ما، وهو الأساس الذي أقامت بناءً عليه الولايات المتحدة علاقاتها مع الصين الشعبية.

ولأكثر من 4 عقود، وتحديدًا منذ إقامة العلاقات الرسمية مع بكين في 1979 في عهد الرئيس جيمي كارتر، التزمت الولايات المتحدة بمبدأ “الصين الواحدة” الذي تعترف فيه أمريكا بمطالبة بكين بتايوان، لكنها التزمت في الوقت ذاته بعلاقات دبلوماسية غير رسمية مع تايوان.

تايوان تستنكر

على مدى شهور مضت، كثفت الصين من عمليات اختراق الأجواء التايوانية من خلال مقاتلاتها وهو ما أثار حفيظة تايوان التي رأت في ذلك تهديدًا لاستقلالها، ودعت الأخيرة بكين لخفض التصعيد العسكري والالتزام بتعهد عدم الهيمنة.

ووجدت تايوان في تصريح لمسؤول صيني مؤخرًا ذهب بأنه لا يوجد ما يسمى “خط وسط” في مضيق تايوان -في إشارة منه للحدود البحرية بين الجانبين- وأن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، تهديدًا للسلم، واستفزاز واضح من الحزب الشيوعي الصيني يتطلب موقفًا دوليًّا.

ومنذ ما يربو على 70 عامًا، تتمتع جزيرة تايوان بالحكم الذاتي، بعد انشقاقها عن الصين في عام 1949 إثر حرب أهلية وأصبحت تسمى جمهورية الصين الوطنية، في حين تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها ستستعيده يومًا ما حتى ولو باستخدام القوة، وهو ما جعل توقيت صفقة الأسلحة الأمريكية استفزازًا للصين التي ربما تدرس شن عمل عسكري لضم الجزيرة. 

ترامب والرئيس الصيني
علاقات مأزومة

صفقة الأسلحة المحتملة إلى تايوان تأتي استمرارًا لحالة الشد والجذب التي تشهدها العلاقات الأمريكية الصينية على خلفية تفشي فيروس “كوفيد-19” واتهام أمريكا الصين بأنها السبب وراء نشر الفيروس، بجانب مسائل أخرى تتعلق بالتجارة والأمن.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عكف منذ تفشي الفيروس على توجيه الاتهامات إلى الصين بعدم الشفافية في ما يتعلق بنشر المعلومات حول كوفيد-19، باعتبار مدينة ووهان الصينية بؤرة انتشار المرض الأولى في العالم، كما أنه وجه اتهامًا للمسؤولين الصينين بأنهم تجاهلوا التزماتهم تجاه منظمة الصحة العالمية، وهو ما خلق توترًا مستمرًا بين البلدين.

وبالتوازي مع هذه التراشقات، يحتل التوتر في العلاقات التجارية بين بكين وواشنطن مكانة لا بأس بها ضمن هذه الأزمات، فقد صعدت إدارة ترامب إجراءتها التجارية تجاه الصين بفرض رسوم جمركية على وارداتها (وتعتبر الصين  أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة بقيمة 50 مليار دولار سنويًّا) ردًّا على ما وصفته واشنطن بأنه “سرقة للتكنولوجيا الأمريكية” من جانب الصين التي ضغطت على شركات أمريكية لمشاركة التكنولوجيا الخاصة بها مع شركات صينية.

“التجاذب بين الصين وأمريكا تشعّب ودخل مسارات متعددة”. هكذا وصف الأمر أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، طارق فهمي، في حديثه إلى “ذات مصر”، قبل أن يشير إلى أن الأزمة بين البلدين تشهد -بجانب الصفقة العسكرية المحتملة إلى تايوان- خلافات أخرى، منها مراجعة الاتفاقيات التجارية والرسوم الجمركية والضرائب على السلع والخدمات ذات الإنتاج المتعدد بالنسبة إلى الصين، وهي أمور لم تُحسَم حتى الآن.

وبحسب فهمي فإن استمرار ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، حال فوزه في الانتخابات المرتقبة على منافسه الديمقراطي جو بايدن، سيؤدي لاصطدامه مباشرة مع الصين، في محاولة لإعادة إحياء أزمة مضيق فرموزا (تايوان حاليًّا) التي حدثت في خمسينات القرن الماضي بين الصين وتايوان، فأمريكا تحاول أن تثبت للصين أن لديها بدائل وخيارات في التعامل مع أي أزمة بينهما.

المناظرة الأخيرة بين ترامب وبايدن
واشنطن تستفز بكين

أما تايوان فهي لم تَسْعَ لعقد مثل هذه الصفقة، ولكن أمريكا مهدت السبل لإتمامها وزجت بأسماء الشركات الأمريكية التي ستتولى هذا الدور، فهي تبحث عن ملفات كي تؤرق الصين بها، وضربها في النطاق الآسيوي وفي مناطق تأثيرها ومجالها الإستراتيجي، وتايوان هي النموذج التاريخي الأمثل لتوتير العلاقات مع الصين، بل فرصة ممتازة لتحقيق هذا الهدف الأمريكي.

ومن ناحية أخرى، “تسعى أمريكا لضرب الصين في رابطة دول جنوب شرق آسيا الاقتصادية والتي تسمى (الآسيان)، والصين متضررة لأنها تتعامل في المجموعة على اعتبار أنها أكبر شريك إلى جوار اليابان”، وفقًا لقول فهمي.

ويرى أستاذ العلوم السياسية أن واشنطن ستنجح في الخطة التي تسعى لتحقيقها تجاه الصين، ولكنها “ربما تكتفي بإتمام هذه الصفقة مع تايوان وعدم فتح صفقات أخرى، لأن داخل الكونجرس حديثًا دائرًا عن نية ما لتفعيل شراكة إستراتيجية كاملة بين أمريكا وتايوان، لا مجرد صفقة عابرة، وهنا تتشكل الخطورة لأن الصين لن تقبل ذلك، وسيكون هناك إصرارعلى ضرب المصالح الأمريكية اقتصاديًّا في مناطق كثيرة، ومحاولة وضع معوقات أمام الوجود الاقتصادي الأمريكي تحديدًا في إفريقيا وجنوب شرق آسيا، والصين تمتلك الأدوات التي تمكنها من تحقيق ذلك”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هاجر حسني

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram