زوايا

“توحيدة الإنجليزية”.. العاهرة التي قتلت جنود الاحتلال انتقامًا لابنها المناضل

في شارع كلوت بك بالقاهرة، والذي كان يعرف حينها بـ”شارع البغاء”، فتحت بيتها للتسرية عن جنود الاحتلال الإنجليزي، يأتون إليها للشرب والرقص، فأخذت لقبها منهم، خاصة أنها كانت الغانية المفضلة لديهم.. لكنها لم تتخيل يومًا أن يكون جزاؤها في مقابل ذلك قتل ابنها الوحيد على أيدي هؤلاء الجنود.. إنها توحيدة، التي عرفت بـ”توحيدة الإنجليزية”.

صعاليك المدن يصدون غزو الإنجليز

في 11 يوليو 1882، أطلقت مدفعية الأسطول الإنجليزي أولى قذائفها على الإسكندرية، ما دعا حكومة الثورة العرابية إلى الإفراج عن المسجونين، ودعتهم للانضمام إلى المقاومة.

في كتابه “هوامش المقريزي“، يعلق الكاتب الصحفي صلاح عيسى على ذلك، بقوله: “وهكذا انضم الأشقياء إلى الفلاحين وصعاليك المدن في صد الغزو”، مشيرًا إلى أنه في الأوقات التي يتعرض لها الوطن للخطر، يغير كثيرون موقفهم إلى الانتماء للوطن، بما في ذلك الصعاليك والجنائيون.

وفي أثناء ثورة 1919، مات كثيرون كي لا يسقط علم مصر في التراب.. كان من بينهم طلبة صغار وشبان ومشردون لا مهنة لهم، تحدث عنهم عباس العقاد في مؤلفه عن سعد زغلول بعنوان: “سعد زغلول سيرة وتحية“، قائلًا: “وتجددت المظاهرات من طلاب المدارس والأزهر وطوائف شتى من الجمهور، فقابلها الجنود البريطانيون بإطلاق المدافع الرشاشة غير مفرقين بين كبير وصغير، ولا بين مشترك أو غير مشترك في المظاهرة”.

ثورة 1919
مشاهد من ثورة 1919 (wikimedia)

وبلغ بطش الجنود الإنجليز أنه في يوم الجمعة 14 مارس عام 1919، أطلقت سياراتهم المدرعة نيرانها على حشود بجوار مسجد الحسين في القاهرة، فقتلت العشرات وجرحت كثيرين، ولم يكن الحشد متظاهًرا، لكنهم كانوا خارجين من المسجد بعد أداء الصلاة.

اجمد يا شيخ علي.. الثبات يا شيخ علي

وبحسب ما يورده صلاح عيسى، أطلق جنود الاحتلال الإنجليزي رصاص “دمدم” المحرم دوليًا على المحتشدين أمام المسجد.

وينقل “عيسى” عن الطبيب علي إبراهيم باشا -أول عميد لطب قصر العيني لاحقًا، وكان حينها طبيب امتياز- حكاية صبي في الخامسة عشرة من عمره، استقبله في المستشفى مصابًا.

في الليل حُمّ الصبي، وبدأ بالهلوسة بما استبطنه عقله من مشاهد ما حدث: “اجمد يا شيخ علي.. الثبات يا شيخ علي.. يا بختك يا شيخ علي.. نلتها والله ومت شهيد، هات الراية.. الراية معايا يا شيخ محمد.. اضرب يا شيخ محمد.. ما تخافش.. الثبات.. آه يا دماغي.. خذ الراية يا شيخ محمد”.

ولم يمض سوى القليل من الوقت حتى لفظ الصبي أنفاسه الأخيرة..

يقول صلاح عيسى: “كانت وفاته كحياته معجزة.. مات دون أن ينزف قطرة دم واحدة”.. وفي الصباح حدثت المفاجأة!

توحيدة الإنجليزية تتسلم جثة ابنها الوحيد

جاءت أسرة الصبي في الصباح تتسلم جثته، وهنا تحدث المفاجأة بالنسبة للطبيب.. إذ اكتشف أن الفتى هو ابن توحيدة الإنجليزية.

كانت دهشة الطبيب أن والدة الصبي أخذت لقبها “الإنجليزية” من خدمتها جنود الاحتلال الإنجليزي.. كانت غانيتهم المفضلة، وكان بيت الدعارة الذي تديره مشهورًا بلقبها “الإنجليزية”.

وعلى غير المتوقع في مثل هذه الحالات، تسلمت توحيدة جثة ابنها الصبي، ودفنته دون أن تذرف دمعة.. لكن لم يعلم جنود الإنجليز أن هذا لم يكن إلا هدوء ما قبل العاصفة.

وفقًا لمؤلف كتاب “هوامش المقريزي”، أقامت توحيدة في اليوم التالي مباشرة حفلة كبرى في منزلها، دعت إليها مجموعة كبيرة من أصدقائها الإنجليز، وتحدث حي البغاء كله بالحفلة الفخمة التي أريقت فيها الخمور، التي سالت أنهارًا، وارتفعت نغمات الموسيقى وملأت الضحكات أرجاء الحي السعيد.

اقرأ أيضًا: آمنة ومثيرة.. لماذا يلجأ كتاب الـ”بيست سيلر” إلى الرواية التاريخية؟

وقع الجنود والضباط في فخ توحيدة، إذ إنها وسط صالة المنزل كانت تضحك وترقص، وهي في قمة فتنتها، وأخذت تترامى على ضيوفها الإنجليز معابثة، تمنح القبلات واللمسات، وتخطف غطاء الرأس من واحد لتضعه فوق رأس آخر، وبينما هم على هذه الحال أخذت توحيدة مسدسين من وسط أحد الضباط، وأخذت ترقص بهما، وفي غيبة الوعي لم ينتبه أحد لما تفعل، وفجأة انطلق الرصاص، وأصيب كثيرون من الجنود والضباط، وقتلت والدة الصبي ضيوفها الأعزاء، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في الصباح بقصر العيني.

وينقل صلاح عيسى تعليق الطبيب علي إبراهيم، الذي روى الحكاية، إذ قال: “تنازلت توحيدة عن لقب الإنجليزية بالدم، أصرت على أن تموت وهي توحيدة المصرية”.

توحيدة ليست “الست توحيدة”

وفي مؤلفه “القاهرة وما فيها“، روى الكاتب مكاوي سعيد، الواقعة ذاتها، مشيرًا إلى أن منزل توحيدة كان في حي البغاء، بشارع كلوت بك، وتفنن في تقديم المتعة للإنجليز، لذا لقبت بـ”توحيدة الإنجليزية”، واشتهرت به في مصر كلها.

شارع كلوت بك
طابع بريدي بصورة لشارع كلوت بك (تصوير: ماكس رودمان)

ويشير “سعيد” إلى أنه خلال الحفل الأخير الذي أقامته، ابتهج جنود الإنجليز وضباطهم بمشهدها حينما وقفت ترقص بالمسدسات، قائلا: “لقد أصبحت توحيدة إنجليزية فعلا، الكاب على رأسها والمسدسات في يديها”، وبينما هم على هذه الحال أطلقت الرصاص عليهم، وأصيب الكثير منهم، ولم تمض سوى لحظات حتى امتلأ جسدها برصاصهم، فلفظت أنفاسها ومنحها الشعب لقب “توحيدة المصرية”.

ولفت مؤلف الكتاب إلى أن هناك سيدة أخرى أتت إلى مصر عام 1900، قادمة من لبنان، عرفت باسم “الست توحيدة”، وكان لها كتاب شهير عرف باسم “طقاطيق الست توحيدة”، لكي لا يحدث خلط بينهما.

“كلوت بك”.. العاهرات يلجأن إلى شارع عدوهن

وعلى هامش ذكر شارع كلوت بك، يطلعنا مؤلف “القاهرة وما فيها”، على قصته، قائلًا: “حضر الطبيب الفرنسي أنطوان براثيليمي كلوت إلى مصر عام 1825، وكان من المشهور عنه عداؤه ومحاربته للنساء العاملات بالبغاء”.

اتهم الطبيب الفرنسي هؤلاء النسوة بالتسبب في كثير من الأمراض الخطيرة، وكرمته الدولة المصرية بإطلاق اسمه عام 1873 على الشارع الذي يبدأ من ميدان الخازندار في العتبة إلى ميدان باب الحديد (رمسيس حاليًا).

ويشير مكاوي سعيد إلى أنه “مع بداية الحرب العالمية الثانية، أصبح هذا الشارع من أهم مراكز بيوت الدعارة المرخصة رسميا في القاهرة، ولم تكن الداعرات مصريات فقط، بل الأوروبيات أيضا تنافسن في تقديم الخدمات للجنود مع الأستراليات”، متابعا: “ومن عجائب القدر أن الشارع الذي حمل اسم عدو العاهرات (كلوت بك) أصبح ملجأ لهن”.

معاذ سعد فاروق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى