زوايامختارات

توسع وانتشار ثم انكماش: التحولات العسكرية لـ”القاعدة” في اليمن

توسع وانتشار ثم انكماش:

التحولات العسكرية لـ”القاعدة” في اليمن

عانى “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” بعد توسعه الإقليمي عامي 2015–2016 من نكسات كبيرة أعاقت قدراته العملياتية، وشهد كذلك تحولات أجبرته على تكييف إستراتيجيته معها، إلا أنه لم ينهزم بالكامل، بل على العكس، فقد نجح في الاستفادة من المشاعر المعادية للحوثيين في سبيل تعزيز تموضعه مرة أخرى.

في هذا السياق، نشر “مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح” ورقةً بحثية يحدد فيه مراحل نشاط “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”، وقسمها إلى 3 مراحل، نعرضها في ما يلي:


عناصر من تنظيم القاعدة

التوسع (2015-2016)

تَشكّل “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” عام 2009 من اندماج فرعي القاعدة في السعودية واليمن، وزاد نشاطه بسبب عدم الاستقرار السياسي، الذي أعقب انتفاضة اليمن 2011، واستغل الانقسام الذي طال الجيش اليمني للسيطرة على عدة مدن في جنوب اليمن.

وقد أعطى اندلاع الحرب في اليمن عام 2015 دفعة للتنظيم، وسط انقسام القوات المسلحة اليمنية. ويجادل التقرير بأن حكومة “هادي” والتحالف العربي وجدا في التنظيم حصنًا لمنع قوات صالح والحوثيين من التقدم إلى وسط وجنوب اليمن، حيث تعاون عناصر القاعدة في شبه الجزيرة العربية بنحو فعال مع القوات الأخرى المناهضة للحوثيين، واتفقوا على إنهاء المواجهات مع الحكومة والانضمام إلى جبهات “المقاومة الشعبية” التي تشكلت لمواجهة الحوثيين.

وفي ظل انشغال التحالف العربي وحكومة “هادي” بصد تقدم قوات صالح والحوثيين في وسط وجنوب اليمن، استغل تنظيم القاعدة الوضع للسيطرة على مدينة المكلا -عاصمة إقليم ومحافظة حضرموت- دون قتال تقريبًا، مطلع إبريل/ نيسان 2015، وحرّر 150 تقريبًا من مقاتليه -بينهم الأمير الحالي باطرفي- من السجن المركزي، ونهب نحو 100 مليون دولار أمريكي من فرع البنك المركزي، بالإضافة إلى المعدات العسكرية التي استولى عليها، والرسوم الجمركية التي جمعها التنظيم خلال فترة سيطرته على الميناء.


شعار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب

وخلال احتلاله للمدينة لمدة عام، طوّر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ممارسات تنفيذية لحكم المدينة، مثل تنشيط آليات تسوية المنازعات، وإلغاء الضرائب على السكان المحليين، وتعزيز مشاريع البنية التحتية، وتنظيم المهرجانات لتعزيز الدعم المحلي، إلى أن خرج التنظيم من المدينة عقب الهجوم الإماراتي في إبريل/ نيسان 2016.

وكذلك أسس تنظيم القاعدة حضورًا قويًّا في عدن، مستغلاً دوره في طرد قوات صالح والحوثيين من مديريتي المنصورة والشيخ عثمان الشماليتين، إلى أن أدت الحملة الإماراتية لمكافحة الإرهاب إلى خروجه من المدينة أيضًا.

وعلى عكس الخطاب العدائي المتشدد لتنظيم داعش في اليمن، فإن السلوك القاعدي اتسم بالبراجماتية وتوازن الخطاب المحلي، والعمل على كسب دعم القبائل المحلية المهتمة بمواجهة الحوثيين.

وابتعد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية عن فرض قوانين الشريعة أو إنشاء “دولة إسلامية” على عجل، والتي من المحتمل أن تواجه رد فعل عنيفا من المجتمع المحلي، بل عمل التنظيم على توظيف الاستياء الواسع من الإهمال الحكومي والقمع الحوثي، عبر تنمية روابط القرابة والعلاقات الاقتصادية مع القبائل.

إعادة الانتشار والاقتتال الداخلي مع داعش (2017-2019)

عانى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بعد نجاحات 2015 و2016 نكسات كبيرة أجبرته على إعادة انتشار قواته، ويمكن إرجاع أزمة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إلى 4 عوامل:

  • الدور الأمريكي: تزامن وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض مع زيادة كبيرة في عدد العمليات الجوية والبرية الأمريكية في اليمن، والغارات التي استهدفت مواقع يُفترض أنها تابعة للتنظيم في مارس 2017.

ورغم تكيف التنظيم مع عمليات مكافحة الإرهاب التي استهدفته من قبل، فإن النهج العسكري الشديد الذي أقرته إدارة ترامب تسبب في خسائر كبيرة لتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في اليمن.

الدور العربي: نجحت الحملة العسكرية التي قادتها القوات اليمنية المدعومة من التحالف، وقوات مكافحة الإرهاب المحلية التي تمولها وتدربها الإمارات العربية المتحدة، في كبح نشاط القاعدة في المحافظات الجنوبية لليمن، واستعادة جيوب من الأراضي التي استولت عليها القاعدة، فقد أدى الحزام الأمني ​​في أبين وعدن وقوات النخبة في شبوة وحضرموت إلى استنزاف قدرات التنظيم، ما انعكس في الخطاب العلني للتنظيم، والذي صار معاديًا بنحو متزايد للمشاركة الإماراتية في عمليات مكافحة الإرهاب.

العقوبات الاقتصادية: يتعلق العامل الثالث باعتقال ومعاقبة الأفراد الذين يُزعم صلتهم بالقاعدة في شبه الجزيرة العربية وداعش، فقد استهدفت العقوبات الأمريكية والدولية (التي فُرِضَت في عام 2017 ومن قبل ذلك) العديد من الشخصيات بسبب التورط في أنشطة التنظيم، مثل “عادل الذبحاني” المُكنّى بـ”أبي العباس”، و”نايف سالم صالح القيسي”، وشقيق محافظ مأرب “خالد العرادة”. وقد أثّرت هذه العقوبات في موارد التنظيم وبنيته التحتية، وتكشف التقارير عن مشاركة عناصره في شبكات التهريب والجريمة المنظمة.

درجات التماسك التنظيمي: أدى الضغط المتزايد على القاعدة في جزيرة العرب إلى إضعاف قدرة التنظيم على الحفاظ على تماسكه الداخلي، حيث أجبرت الضربات قيادات التنظيم على الاختباء وقطع الاتصالات، كما شهد التنظيم انقسامات داخلية استفادت منها الميليشيات السلفية المتحالفة مع حكومة “هادي” أو المجلس الانتقالي الجنوبي، وكذلك تنظيم الدولة الإسلامية في اليمن الذي تفاخر بوضوحه الأيديولوجي. وفي الوقت ذاته، تطورت “الحرب الباردة” بين تنظيمي القاعدة وداعش في اليمن، إلى “حرب ساخنة” في يوليو/ تموز 2018، استمرت حتى فبراير/ شباط 2020، واستهدفت داعش نحو نصف أنشطة القاعدة في اليمن عام 2019، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 100 من عناصر الأخير.

  • ويجادل التقرير بأن اندلاع المواجهات بين التنظيمين يرجع إلى عوامل محلية وسياسية أكثر من كونها أيديولوجية. فقد أدت التحولات سالفة الذكر إلى اشتباك القاعدة في شبه الجزيرة العربية مع داعش، منافسها الأيديولوجي الرئيسي وعدوها الإستراتيجي الذي تزيد قوته من ضعف القاعدة. ويرجع ذلك إلى إدراك القاعدة أن تحقيق التماسك التنظيمي أصعب في ظل محاولات داعش تقويضه، وأن وجود منافس إستراتيجي يقلل من فرص الانغماس المحلي للقاعدة في جزيرة العرب مع القبائل المحلية.

    الانكماش (2019-2020)

    هدأ الاقتتال بين التنظيمين مرة أخرى في فبراير/ شباط 2020. كما بدأ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في التحول من إعادة الانتشار إلى الانكماش، وتراجع نشاطه عمومًا منذ يناير/ كانون الثاني 2020، وهو ما يرجع إلى مجموعة متنوعة من الأسباب. فقد أثّر مقتل أمير القاعدة في شبه الجزيرة العربية آنذاك “قاسم الريمي” بغارة جوية أمريكية يناير/ كانون الثاني 2020 في القدرات التنظيمية سلبيًّا، كما أدى هجوم الحوثيين في مناطق قبائل قيفة إلى هزيمة كبيرة لكل من القاعدة وداعش على أيدي قوات الحوثيين، بالإضافة إلى تراجع القدرات الإعلامية للتنظيم.

    وبدلاً من محاربة تنظيم “داعش اليمن” الذي استمر في خطابه العدائي ضد تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، كثف الأخير نشاطه ضد الحوثيين، في محاولة لاستعادة دوره كعدو رئيس للحوثيين، وتظهر البيانات أن نصف أنشطة قاعدة اليمن خلال عام 2020 كانت موجهة ضد الحوثيين، حتى إن بعض التقارير يزعم التعاون الضمني بين التنظيمين الإرهابيين في محاربة الحوثيين.

وطالما استفاد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية من المظالم القبلية تجاه الحوثيين، حيث عارض الحوثيين وقدّم نفسه كشريك محتمل لحركات المقاومة القبلية، وهو الدور الذي تحاول القاعدة تكراره منذ عام 2020، كما قامت به في 2014، وقد ساعد تعيين “خالد باطرفي” أميرًا للتنظيم على ذلك، فهو يمتلك سمات شخصية، وقدرات تنظيمية، وسمعة دينية باعتباره مُنظِّرًا قويًّا للتنظيم، بالإضافة إلى الروابط المحلية التي يمتلكها بفضل جذوره الحضرمية وزواجه بامرأة يمنية.


زعيم تنظيم القاعدة في اليمن، خالد باطرفي

لقد مرَّ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بثلاث مراحل مختلفة خلال السنوات الماضية، مرحلة التوسع (2015: 2017)، وإعادة الانتشار (2017: 2019)، والانكماش (2019: 2020)، وكان عام 2020 عام تقليص لنفوذ وهجمات القاعدة في جزيرة العرب، حيث انخفض نشاط التنظيم عن السنوات السابقة، إلا أن المظالم التي تعانيها القبائل من الحوثيين تظل إحدى المساحات التي يستغلها التنظيم في إعادة تغلغله في المجتمع القبلي اليمني، ويطرح التقرير تساؤلاً مفتوحًا عما إذا كان تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية سينجح في الاستفادة من الفراغات الأمنية باليمن، وما إذا كان بإمكانه أن يكرر إستراتيجيته التي نفذها عام 2014، وأن يبدأ مرحلة جديدة من التوسع عبر مواجهة الحوثيين، مستفيدًا من المظالم القبلية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد – مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى