وجهات نظر

الشيخ توفيق أبو عشرة وتحولات الحالة الدينية بصعيد مصر

الكاتب الصحفي مصطفى زهران

 اتسم طابع التدين المجتمعي في الجنوب المصري على مدار تاريخه بقدر من الاعتدال بفعل تأثيرات الإسلام الصوفي بشكله التقليدي في صورته المتسامحة والمحبة لـ آل البيت وصحابة رسول الله، ولعبت الصوفية الطرقية بتنوعها وتعدد أسمائها دوراً في رسم ملامحه الفكرية وتشكلها داخل بيئته وجغرافيته الجنوبية، وعبر عن ذلك من خلال الاعتناء الكبير بإقامة الموالد والاحتفالات الموسمية والحضرات، بالقرب من مقامات وأضرحة مشايخ وأقطاب التصوف، فضلا عن آل البيت وأولياء الله الصالحين، حتى ظهرت نماذج جديدة من الدعاة ومنها “توفيق أبو عشرة”.

ومن المظاهر الدالة على رسوخ المسلك الصوفي في المخيال الجمعي لمسلمي الجنوب تعدد المقامات والأضرحة والشواهد، فضلاً عن المساجد التي تضم رفات الأولياء والصالحين وأهل الطريق، ومن بين أشهر هذه المقامات والأضرحة، يأتي ضريح أحمد الفرغل الملقب بـ سلطان الصعيد في إحدى مدن محافظة أسيوط المصرية، وضريح الشيخ عبدالرحيم القنائى في محافظة قنا، وأبو القمصان في الأقصر، وغيرهم كثير وتقام كل عام احتفالات على هامش مولد كل منهم يحضره أبناء الجنوب من جميع محافظات وجه قبلي وخارجه.

بيد أن الجنوب المصري ومع بدايات العقد السابع من القرن الماضي وتحديدًا خلال فترة الرئيس الراحل محمد أنور السادات عايش جملة من التحولات المجتمعية، نتيجة سياسات السلطة آنذاك فيما عرف بـ “الانفتاح الاقتصادي” والذي نجم عنه سفر الكثيرين من أبناء الصعيد المصري إلى الخليج، ما أسفر عن تأثر الأجيال الجديدة بأشكال مغايرة عن أنماط التدين القائم منذ عقود داخل الجنوب نتيجة احتكاكهم به، وتم استبداله في جزء كبير منه بالسلفية خاصة الوهابية التي كانت سببا رئيس في تغير ملامح وأشكال التدين المجتمعي في الجنوب المصري بقدر كبير.

وانعكاسا لحجم هذه المتغيرات السياسية على الواقع المجتمعي في الجنوب ومع انتشار التيارات الإسلامية بعد ذلك الحركية منها والجهادية، وصل ذروته فترة التسعينيات تزامنا مع ظهور “الجماعة الإسلامية” وأنشطتها الراديكالية، التي كان حادثة الأقصر عام 1997م العلامة الأبرز في مسيرة هذه التنظيمات –وآخر مشاهده الراديكالية الكبيرة- بعد أن قتل خلالها عددا كبيرا من السيّاح الغربيين، ما أعقبها تحولا كبيراً في إدارة السلطة الأمنية المصرية تجاه هذا الملف.

ومع التحولات السياسية والمجتمعية التي عايشتها مصر ما بين ثورتي يناير 2011، و 30 يونيو 2013 من صعود ثم هبوط لمجمل التيارات والتنظيمات الإسلامية، وما ترتب عليها عقب هذين التاريخين خلال السنوات الأخيرة من فراغ كبير، كان لابد من شغره وتحديدا في هذه المساحة المجتمعية التي لعب الدين فيها دورا رئيسا خلال تاريخه الممتد منذ عشرات السنين، وهو ما تحقق بعد ذلك بقدر ما من خلال مؤسسة الأزهر وشيخه الطيب، والمحسوبين عليهما، والوعاظ العاملين في وزارة الأوقاف ومعهم دعاة بعض الصوفية الطرقية في القيام بأدوار بديلة عن سابقيهم من دعاة التنظيمات الإسلامية والجماعاتية الأخرى.

وكان الصعيد المصري واحدا من هذه الجغرافيات التي شهدت تأثيرات هذه المخاضات الجديدة، التي تولد عنها دعاة قدموا من خارج رحم الجماعات والتنظيمات الإسلامية التقليدية -القديمة- يسرت لهم أدوات التكنولوجيا الحديثة سرعة الانتشار والتمدد من خلال السوشيال ميديا، رغم ما غلب عليهم من طابع الجنوبية في الأداء والمظهر.

ومن بين هذه النماذج يأتي الشيخ “توفيق أبو عشرة” الذي استطاع أن يفرض نموذجه غير التقليدي والمميز، موظفا كل السياقات المجتمعية والسياسية القائمة لصالح تحققه الدعوى، ملتزما بقدر كبير بتمظهره الجنوبي وبلهجته المترسخة في بنيته المجتمعية.

اقرأ أيضا: “العشيرة المحمدية”.. وأزمة الواقع الصوفي في مصر

الشيخ الصعيدى “توفيق أبو عشرة”

بجلبابه الجنوبي وشاله الملتف حول كتفه، وعمامته الراسخة فوق رأسه، ولهجته الصعيدية الممزوجة بالفصحى، نجح “توفيق أبوعشرة” –الذى يعمل إماما وخطيبا لمسجد “دوار أبو ستيت” بقرية أولاد عليو مركز البلينا-، وهو في العقد الثالث من عمره في أن يجذب الكثير من الأتباع  من شتى قرى ومراكز وبلدات الصعيد المصري وخاصة في محافظة سوهاج مسقط رأسه وعمله.

أتاحت تلك الأجواء لـ “الشيخ توفيق” حرية الحضور الدعوي دون أن يصطدم باللوائح والقوانين المؤسسية الصادرة من وزارة الأوقاف المصرية التي لم تعد تسمح كما السابق بإمامة الناس أو اعتلاء منابر المساجد للوعظ والخطابة دون تصريح أو إذن مسبق، وانطلاقا منها حقق تواجده إلى فضاءات الميديا عبر الوسائط الإلكترونية الأخرى ونظرا لقدرته الكبيرة على الخطابة تمددت خطبه خاصة بين أبناء الصعيد ومنها إلى خارجه، وبات يستقدم من قبل الكثيرين من أبناء الصعيد في أفراحهم وأعراسهم وأحزانهم وجلسات الصلح العرفية وما شابه بين العائلات الكبرى، ما أضفى على خطابه الوعظي بعدا مجتمعيا -سنقدمه بشكل مفصل لاحقا- استطاع من خلاله أن يدخل بكلماته تلك كل بيت في صعيد مصر.

واللافت أن جمهور الرجل المتفاعل معه لا ينتمي إلى تيار أو تنظيم إسلامي بعينه، إنما هم من جمهور عوام أبناء الصعيد وعدد من وجهائه وعمد قراه المنتشرة في الجنوب، ما يدلل على أن ثمة مظهرا جديدا من أنماط التدين بالجنوب باتت ترتسم ملامحه من خارج رحم التنظيمات الإسلامية التقليدية، وأن الحاجة للدين تظل قائمة وإن اختلفت بوصلة اتجاهاتها وقبلتها نحوها.

البعد المجتمعي في خطاب داعية الصعيد

لعبت الجغرافية الجنوبية وتضاريسها المجتمعية في صعيد مصر دورا بارزا في تشكيل الخطاب الوعظي والدعوي للشيخ “توفيق أبو عشرة” حيث اتسم في غالبيته بطابعة الإصلاحي المتقاطع مع مجمل القضايا والموضوعات المثارة للنقاش في واقع مجتمع الصعيد، عززه طبيعة هذا المجتمع الذي تمثل القبيلة والبعد العائلي السمة العامة له.

وهو ما يفسر لنا تموضع الأسرة في خطاب الشيخ ابتداء من الأب مرورا بالأم انتهاء بالأبناء، فالأب هو الأمان بعد الله والأم كالعمر لا تتكرر مرتين والأخ هو السند الحقيقي، حسب وصفه، واللافت في خطاب الشيخ في سياق الأسرة إنه تناول مسألة الإرث بين الأبناء وحرمان المجتمع الصعيدي في جزء منه الأنثى من الميراث، الذي يوصف عادة بالذكورية، وهنا تتعالى النبرة الصوتية للشيخ وتتصاعد تحذيراته منتقدا كل هذه العادات والتقاليد التي لا تتسق والشرع الإسلامي، حسب خطابه.

ويتوغل أكثر في مشكلات الأسرة بالصعيد متناولا قضية المغالاة في المهور، داعيا إلى التيسير على الأبناء في الزواج مطالبا في الوقت نفسه بوضع قوانين صارمة تجاه المواقع الإباحية ووضع القيود عليها أمام الأبناء لأنها واحدة من الأسباب التي تأخر سن الزواج وتسهم في عدم الإقبال عليه، وعدها أيضا من أسباب الطلاق فضلا عن ضيق الرزق وانتزاع البركة حسب ما يتناوله في خطبه وكلماته في مقاطعه المرئية المصورة.

رؤية داعية الصعيد “السلفية” للمرأة

تدلل الخطب المنبرية ونظيراتها المنتشرة في الفضاء السيبراني لـ “الشيخ توفيق” بعض التأثر بالسلفية الوهابية في بعض من الرؤى العقدية والفقهية لديه، خاصة حينما يتعلق الأمر بشكل المرأة ومظهرها ومسألة تعدد الزوجات، ويفسر لنا ذلك كثرة استشهاداته بمشايخ السلفية الوهابية في الخليج أمثال ابن عثيمين وابن باز الراحلين فضلا عن الشيخ الألباني في كثير من المواقف والمحطات المجتمعية.

وربما قد تصادف تلك الأطروحات هوى عند الشيخ لتقاطعها بقدر ما مع البيئة المجتمعية في الصعيد التي يغلب عليها المحافظة وحجم المشتركات البيئية بين مجتمع الخليج قبل تحولاته في السنوات الأخيرة، والجنوب المصري، وينعكس ذلك في نظرته للمرأة والمظهر الذي يجب أن تكون عليه، من خلال تزكية “النقاب” الذي يغطي وجه وجسد المرأة بأكمله، وإن كان لا يفرضه بشكل قهري، وفي هذا يقول “إن كان فرضا فنحن نطبقه، وإن كان سنة فنحن نحييها، وإن كان فضلا فلسنا، فـ غني عن فضله” فضلا عن دعوته المتكررة والجادة إلى تعدد الزوجات وعدم اقتصار الرجل على امرأة واحدة.

ويتصدر الشيخ توفيق من آن لآخر، لكل الأمراض المجتمعية القائمة في الصعيد، مثل السحر والحسد والحقد وغيرها من الأمور التي تستوطن القرى الريفية، التي تنشأ عادة من انتشار الجهل وقلة المعرفة ونقص العلم.

السلطة والآخر في خطاب “أبو عشرة”

لا يقترب الشيخ توفيق أبو عشرة من قريب أو بعيد بالمشهد السياسي ولا يشتبك مع تقلباته وأحداثه المستمرة، ويحافظ الرجل على مساحات ود وقرب من رجالات الدولة ويحظى باهتمام وتقدير كبيرين يظهران حينما يحل أحد مسئولي السلطة أو نواب من البرلمان أو رجالات الدولة الآخرين على المحافظة التي سيقيم ويعمل بها -كما أسلفنا سابقا- للمشاركة في حفل ديني أو لحضور صلاة الجمعة عادة ما يكون حاضرا ضمن الوفود المستقبلة، ويرجع ذلك بالأساس لانتسابه لإحدى عائلات الصعيد فهو ليس بغريب عنهم من جهة، وحضوره الخطابي المميز في كل المناسبات، يجعل من وجوده ضرورة خاصة، وأنه يلقي قبولا لدى الناس، من جهة أخرى.

وعلى الرغم من كون الجنوب المصري يضم تمركزات أقباط مصر وكبار عائلاتهم، فضلا عن وجود العديد من الأديرة والكنائس والمؤسسات التابعة لهم، إلا أنه لا يوجد لـ “الشيخ توفيق” في مجمل خطبه المنتشرة عبر السوشيال ميديا أي تعليقات تذكر حيال تهنئة المسيحيين في أعيادهم، والجدل التقليدي الذي يقام على هامش مثل هذه الموضوعات، وذلك سواء بالحل أو بالتحريم وفي هذا وجهان، أولهما فهم الرجل لحساسية الجغرافية التي يتمدد وينتشر في بيئتها المجتمعية، خاصة وأن لدى الصعيد المصري وخاصة في ذاكرة مسيحييه الكثير من الوقائع المؤلمة من المصادمات والمواجهات التي كانت تقوم بها الجماعات الإسلامية الراديكالية التي كانت تنشط في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مثل “الجماعة الإسلامية “و”الجهاد ” كما أسلفنا سابقا، وثانيهما أن عدم تعليقه في حد ذاته قد يثير الريبة والشك حيال أفكاره وكأنه يمارس التقية في التعامل مع مثل هذه القضايا وهو أمر في غاية الأهمية حتى تتبلور رؤية واضحة وشاملة حيال الرجل، ما يتطلب منه إيضاح مثل هذه القضايا الهامة في خطابه الديني.

قراءة في مستقبل الظاهرة

يجب الإشارة إلى أن نموذج الشيخ “توفيق أبو عشرة” يمثل أحد تمثلات الظواهر الدينية “الجديدة ” الناجمة عن الفراغ الدعوي الذي تسببت فيه تراجع حضور التيارات الإسلامية بجميع تنويعاتها داخل البيئة المجتمعية المصرية في الثمانية سنوات الأخيرة، سلك خلالها مسارات بعيدة عن الشكل التقليدي لرجال الدعوة لدى التنظيمات الإسلامية القديمة والتي كانت في مجمل خطابها تزاوج بين الدعوي والسياسي، بيد أن الحالة التي بين يدينا قد تكون مختلفة في محددات خطابها التي اتجهت مباشرة نحو الإصلاح المجتمعي انطلاقا من الفرد مرورا بالأسرة انتهاءً بالعائلات التي تشكل بنية هذا المجتمع، ومتفاعلا مع قضايا اللحظة ونقاشات السياق القائم دون الخوض في مسائل أخرى قد يترتب عليها محاذير أمنية أو سياسية، ما يضر تمدده وانتشاره.

بيد أن هذا الخطاب في مجمله هو خطاب وعظي لا يرتقي إلى العلمي منه أو المنهجي، فالرجل يخاطب شريحة مجتمعية محددة وغالبيتها من العوام، من الأقران والأصدقاء والأهل وغيرهم ولا يمكن إطلاق تسمية المريدين عليهم، فهم ما ذهبوا إليه إلا للاستئناس بكلماته للغته القريبة منهم وبلهجتهم غير الأجنبية عنهم، وقدرته الخطابية الجاذبة وقدرتها في أن يلونها كيفما يشاء حسب الحاجة، ما جعله حاضرا دوما في أفراحهم وأتراحهم ومناسباتهم المختلفة من جهة أخرى.

وأخيرا الميزة الرئيسة لدى الشيخ “توفيق أبو عشرة” تكمن في كونه ابن بيئته الجغرافية والمجتمعية والتي عبر عنها في خطابه الدعوي الذي ظل حريصا على ألا ينحرف عنها أو يدفعهم نحو مساحات أخرى قد لا تعنيهم في شيء أو تفيدهم بأي شكل من الأشكال.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى