شهاداتملفات خاصة

تيدروس أدهانوم: الوجه الآخر لابن تيجراي

 

تصدر تيدروس أدهانوم، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، قائمة الشخصيات الأشهر حول العالم، خلال العام الحالي، بعدما بات المسؤول الأول عن أخبار الوباء الذي أصاب الملايين، وقتل ما يزيد على مليون من سكان العالم، وصارت أحاديثه اليومية وتوجيهاته عن “كورونا” مصدرًا لخطط رؤساء الدول.

غير أن الصيت الواسع الذي تحقق لأدهانوم منذ بداية العام الحالي وتحديدًا بعد اكتشاف أول إصابة لفيروس كورونا، يخفي وجوهًا أخرى للرجل الذي ينحدر من إقليم تيجراي، ويتهمه قائد جيش بلاده بالضغط لصالح الإقليم المتمرّد ومساعدة سلطاته في الحصول على الأسلحة.

فالرجل، الذي صار أول إفريقي يتقلد منصب رئاسة منظمة الصحة العالمية، لم تخل مسيرته من أدوار خفية دبلوماسية، واتهامات بتسيس وظيفته، خلافًا للصورة النمطية التي ارتسمت حوله خلال الشهور الأخيرة كمسؤول صحي متخصص في الأوبئة.

تيدروس أدهانوم

“الملاريا” ووفاة شقيقه

كطفل إفريقي، كان شاهدًا على ملايين من ضحايا الأوبئة التي فتكت بسكانها، نشأ أدهانوم، المولود في مدينة أسمرة بإريتريا عام 1965 على أخبار الموت اليومية التي حصدت شقيقه الأصغر، الذي كان يبلغ 3 أو 4 سنوات فقط، بسبب ما يشتبه الآن أنه حصبة.

كانت واقعة وفاة شقيقه دون رعاية صحية وأخبار الموت التي لاحقته منذ سنواته الأولى دافعًا لأدهانوم إلى دراسة علم الأحياء في جامعة أسمرة، التي انتقل منها إلى لندن لدراسة الماجستير في الأمراض المعدية والسارية من معهد الصحة وطب المناطق المدارية بجامعة لندن في بريطانيا، ثم حصل على الدكتوراه في الصحة العامة من جامعة نوتينجهام في بريطانيا.

أمراض الأطفال في أفريقيا

وروى أول إفريقي شغل رئاسة منظمة الصحة العاليمة، هذه الدوافع في حوار سابق لمجلة التايم الأمريكية: “شاهدت في أوروبا الفارق بين أطفال ينشؤون في دول يمكن أن يموتوا فيه مثل أخي،، في حين يزدهر الأطفال الآخرون في بلدان تتمتع بفرص أفضل للحصول على الرعاية”.

بعد سنوات طويلة في الخارج، عاد أدهانوم إلى بلاده ليتقلد منصب رئيس لجنة المواجهة وباء الملاريا، بترشيح من الحكومة الإثيوبية التي نال جنسيتها، ليحصد شعبية واسعة بعدما لعب دورًا رئيسًا في تدشين برامج لتدريب 35000 عامل صحي، واستخدم تقنيات مبتكرة لإنقاذ حياة ملايين الإثيوبيين، وتلقي الأطفال لقاحات منقذة للحياة.

شكلت هذه التجربة الناجحة، بجوار دعم جبهة تيجراي الحاكمة آنذاك لأحد أبنائها لتزكيته في منصب جديد، وهو وزير الصحة الإثيوبي، في الفترة الواقعة بين عامي 2005 و2012 التي رسخ من موقعه داخل منظومة الحكم، واستمر في إطلاق  برامج الرعاية الصحية التي ساعدت في خفض معدل وفيات الأطفال الإثيوبيين دون سن الخامسة بنسبة 28 بالمئة.

مهندس مشروع “سد النهضة”

أضافت السنوات السبع التي شغل فيها أدهانوم منصب وزير الصحة صيتًا كبيرًا ورصيدًا سياسيًّا داخل التحالف الحاكم، أهلته لترشيحه لمنصب وزير خارجية بلاده التي تقلدها بين عامي 2012 و2016، ساهم خلالها في تنشيط دبلوماسية بلاده.

وكان أبرز أدوار الرجل خلال هذه السنوات هو التصدي للدفاع عن مشروع بناء سد النهضة أمام الاعتراضات الحكومية المصرية، وتمثيل بلاده في الجلسات التفاوضية مع ممثلي مصر والسودان، فقد مالت تصريحاته دومًا للتشدد كحديثه عن أن أي محاولة لعرقلة بناء سد النهضة “ستكون محكومًا عليها بالفشل” لأن مشروع السد ممول بالكامل بواسطة شعب وحكومة إثيوبيا.

كما ذكر  أن “مصر أضعف من أن تدخل حربًا معنا” وذلك ردًّا على ما تداوله الإعلام المصري عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية تدمر سد النهضة الإثيوبي.

تيدروس مع رئيس الوزراء الإثيوبي السابق

أدوار خفية

كما لعب الرجل أدوارًا خفية في دعم المعارضيين الإريتريين ضد حكومة بلادهم عبر التنسيق معهم، ومقابلة رئيس جبهة الإنقاذ الوطني الإريترية هبتي تسفا ماريام باستمرار، كسياسة صممها لإضعاف نفوذ نظام الحكم الإريتري آنذاك الذي اتهمته السلطات الإثيوبية وقتها باختطاف طائرة هيلكوبتر إثيوبية، وإجبارها على الهبوط في إريتريا.

المهمة الأبرز لأدهانوم، خلال تقلده منصب وزير خارجية بلاده، هو إعادة بلاده لدور الوساطة للأزمات التي تعيشها الدول الإفريقية المجاورة، عبر قيادة الجهود الرامية للتفاوض على خطة عمل أديس أبابا التي التزم فيها 193 بلدًا بتوفير التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

كما خطط الرجل لتوسيع التعاون بين بلاده وتل أبيب عبر دعوة وفود إسرائيلية لزيارة بلاده، والتي أسفرت مشاركة مزيد من الشركات الإسرائيلية في مشروعات استثمارية بإثيوبيا بمليارات الدولارات.

غير أن المكسب الأهم من سنوات تقلد أدهانوم لهذا المنصب، هو الصلات الواسعة التي نسجها مع كبار قادة العالم، والحضور الدولي عند المنظمات الدولية، لينتقل في محطته التالية خارج حدود القارة الإفريقية إلى جبال الألب في سويسرا بعد انتخابه  مديرًا عامًّا لمنظمة الصحة العالمية في يوليو/ تموز عام 2017، ليغدو أول إفريقي يشغل هذا المنصب في تاريخ المنظمة البالغ 69 سنة.

مدير منظمة الصحة العالمية


ابن تيجراي وخصم آبي أحمد

ينتمي أدهانوم إلى شعب تيجراي، وكان عضوًا في جبهة تحرير شعب تيجراي والجبهة الثورية الديمقراطية للشعب الإثيوبي، التي تدخل معها الحكومة المركزية بقيادة آبي أحمد حربًا واسعة، ومحاولات مستمرة لإخضاع هذا الإقليم لسيطرته.

وترى الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي أن الحكومة المركزية غير شرعية، وأن آبي أحمد لم يعد لديه تفويض لقيادة البلاد. ويُعد الرجل أعلى مسؤول دولي ينتمي إلى إقليم تيجراي، ولهذا طالته الاتهامات من جانب قائد الجيش برهان جولا في مؤتمر صحافي باتهامه بالضغط لصالح الإقليم المتمرد، ومساعدة سلطاته في الحصول على الأسلحة.

وقال القائد العسكري: “عمل في دول مجاورة لإدانة الحرب. عمل لصالحهم للحصول على الأسلحة”، ثم وصفه قائلاً: “إنه جزء من هذا الفريق (جبهة تحرير شعب تيجراي)”. وأضاف: “ماذا تتوقعون منه؟ لا نتوقع منه بأن يقف إلى جانب الشعب الإثيوبي ويدينهم (أعضاء الجبهة)”.

بدوره، نفى أدهانوم هذه الاتهامات بمفردات دبلوماسية، حين نشر بيان في حسابه على موقع “تويتر”: “بعض التقارير يقول إنني منحاز في ظل الوضع القائم. هذا ليس صحيحًا وأود القول إنني أقف في جانب واحد: السلام”.

مُتهم بالتستر على بكين

لصعود أدهانوم إلى منصب مدير منظمة الصحة العالمية رواية أخرى، بخلاف الرواية الرسمية المرتبطة بسيرة الرجل المهنية. والسبب الأول لصعود الرجل لهذا المنصب الدولي، وفقًا للرواية الأخرى، هو دعم  نظم غير ديمقراطية لترشحه للمنظمة الدولية على حساب منافسيه الأوروبين، فقد لعبت كُل من الصين وحاكم زيمبابوي آنذاك الديكتاتور روبرت موجابي، صاحب السجل الطويل في انتهاكات حقوق الإنسان، دورًا في جمع الأصوات لصالح الرجل من الدول الإفريقية ودول العالم الثالث.

الرئيس الصيني و أدهانوم

وتكتلت الصين عام 2017 لاختيار الرجل لهذا المنصب عبر الضغط على دول ذات علاقات وثيقة معها، بهدف أن يكون لها حليف داخل قيادات منظمات الأمم المتحدة.

وزادت الشكوك!

وزادت الشكوك حول الرجل بعدما رشح روبرت موجابي، الذي حكم بلاده بقبضة حديدية، سفيرًا لمنظمة الصحة العالمية للنوايا الحسنة، وهو الأمر الذي تراجع عنه الدبلوماسي الإثيوبي في أعقاب تعرضه لضغوط وانتقادات قوية من لعديد من الدول والمنظمات ووسائل الإعلام.

وفي أزمة الوباء الأخيرة التي بدأت منذ بداية العام الحالي، حاصرت أدهانوم اتهامات التستر على انتشار الوباء في الصين التي أراد مجاملتها مخالفة لأعراف وظيفته، وهي التهم التي أكدها جهاز المخابرات الفيدرالية الألماني بعدما رصد   مكالمة بين الرئيس الصيني والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية يوم 21 يناير/ كانون الثاني، حث الرئيس الصيني خلالها أدهانوم على “تأخير إصدار تحذير عالمي” بشأن الوباء وحجب المعلومات عن حقيقة أن الفيروس ينتقل من إنسان إلى آخر!

 

 

المصدر
Hstoday

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى