"تيك توك" المصريين

نافذة "المُهمّشين" على الشهرة

مؤخرًا، أبدت الدولة المصرية ضيقها من بعض مستخدمي تطبيق “تيك توك”، فألقت القبض على الشابتيّن “مودة الأدهم” و”حنين حسام”، ووجّهت لهما النيابة تُهمًا تتعلق بـ”نشر مقاطع فيديو تنال من قيم الأسرة والمجتمع المحافظة بالضرر”؛ بل وصدر بحقهما أحكام قضائية قابلة للاستئناف.

أثار الإجراء الكثير من الجدل بين معارضين تحفظوا على ما وصفوه بـ”السلطة الأبوية”، ومؤيدين يرون أن ما تقدمه الفتيات يضر بـ”الأمن القيمي للأسرة والمجتمع المصري”، لكن كل هذا لم يمنع استمرار ملايين المصريين في استخدام “تيك توك”.

فما هو تطبيق تيك توك؟ ومن يستخدمه من المصريين؟ وفيما يستخدمونه؟ وماذا وراء هذا الاستخدام من تجلّيات نفسية شخصية وعامة؟ وأسباب اجتماعية وسياسيّة أيضًا؟

الصين كمُنازع لهيمنة أمريكا

لم تدخل الصين على خط التنافس مع الشركات الأمريكية المالكة لأشهر التطبيقات المستخدمة حول العالم كـ”فيسبوك” و”تويتر” و”إنستجرام”، حتى عام 2016، الذي أطلقت خلاله تطبيق “تيك توك”، لتصبح منافسة للهيمنة الأمريكية على تطبيقات التواصل الاجتماعي.

 

وتمتلك شركة baytdance، ومقرها العاصمة الصينية “بكين”، تطبيق “تيك توك”، وقد اشترت أيضًا تطبيق miuscal.ly عام 2017، لتستحوذ الشركة من خلال التطبيقين على 800 مليون مستخدم في 155 دولة و75 لغة مختلفة حول العالم.

مقر شركة baytdance مالكة تطبيق تيك توك

يستطيع مستخدم “تيك توك” بمجرد امتلاكه هاتفًا ذكيًّا صناعة محتوى فيديو يتم تعديله وإخراجه لجمهور المستخدمين، ويتم صناعة الفيديو عن طريق محاكاة إيماءات الوجه ولغة الجسد لفنانين في مشاهد سينمائية أو درامية معيّنة، أو مطربين عن طريق تحريك الشفاه على صوت المشهد الأصلي أو الأغنية، وبذلك يتم إنتاج المحتوى ورفعه على وسائل التواصل الأخرى، فضلًا عن الجمهور الواسع لمستخدمي “تيك توك” بالأساس، الذي يتابع بعضه بعضًا دون تواصل مباشر.

"تيك توك" في مصر

يستخدم 7.2 ملايين مصري برنامج “تيك توك”، نسبة الذكور من بينهم تقدر بـ62% مقابل 38% للإناث، وتبلغ نسبة الفئة العمرية ما بين 13 إلى 24  عامًا نحو 75% من إجمالي المستخدمين المصريين، أي نسبة تقارب الثلثين من جيل المراهقين في المرحلة المبكرة والمتوسطة والمتأخرة، وبسبب ارتفاع نسبة المراهقين من مستخدميه حول العالم 41% (بين عامي 16 و24) أُطلق عليه تطبيق المراهقين أو تحت السن under age.

7.2 ملايين مصري يستخدمون "تيك توك"

ويُفتح التطبيق في المتوسط 6 مرات في اليوم الواحد من قبل المستخدم المصري بإجمالي مشاهدات تصل إلى 8.3 مليارات مشاهدة شهريًّا.

أديداس، ويوسف، وهلال، هؤلاء الشبان الثلاثة من أشهر الشخصيات على تطبيق “تيك توك” في مصر، حيث يمثلون قصصًا إنسانية بسيطة في الحدائق والمحلات، واحدة منها مفادها أن الصديق المُخلص (أديداس، واسمه الحقيقي محمد مجدي) يساعد أصدقاءه بإعطائهم مبلغًا من المال كي يحلّوا أزماتهم المختلفة في كل مرّة، مع ترديد كلمات معيّنة تدل على الصداقة الحقيقية والفرق بين الصديق وقت الشدائد والصديق وقت المصالح فقط.

محمد مجدي الشهير بـ" أديداس"

وتجمع فيديوهاتهم على “تيك توك” وصفحة “أديداس مصر” على “فيسبوك” مئات الآلاف من المشاهدات، وربما تتخطى مشاهدة المقطع الواحد المليون، كما أن قناة الـ”يوتيوب” المعنونة بالاسم نفسه جمعت 237 ألف مشترك، فضلًا عن مئات الآلاف من المشاهدات لمقاطع الفيديوهات على “يوتيوب”.

وبسبب من شهرة “أديداس” عبر “تيك توك”، استعانت به شركة “اتصالات” WE في إعلانها بـ2019 مع مغني الراب “ويجز” والمطرب الشعبي عبدالباسط حمودة، ليضع محمد مجدي (أديداس) قدمه كإنفلونسر انتقل من تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى العمل مع الشركات الرأسمالية كمسوّق دعائي لمنتجاتها.

وبحسب موقع Influencer Marketing Hub قد تصل أجور الإنفلونسرز من الشركات التسويقية إلى 20 ألف دولار في الإعلان الواحد فقط، وبذلك لا يكتفي “تيك توك” بإعطاء مستخدميه شهرةً كبيرة فقط بل يجعلهم يجنون المال أيضًا.

ومع سعي الشركات الرأسمالية لاستخدام مشاهير الـ”سوشيال ميديا” لتسويق منتجاتها، يصبح نجم التيك توك بطلًا لإعلانات الشركات بمقابل ماديّ، وهذا ما وضّحه نصري عصمت، المختص بالإعلام الرقمي بشأن التناغم القائم بين الشركات الاستهلاكية ومشاهير الـ”سوشيال ميديا” في التسويق وعرض وبيع السلع.

محاكاة الفن.. عنف وبلطجة

تتنوع فيديوهات “تيك توك” المصرية بين تمثيل مشاهد المسرح والدراما والسينما المصرية، معتمدين على محاكاة شفاه المستخدمين مع صوت الممثل الحقيقي في المشهد، ليمثلوا عن طريق تلك المحاكاة عدة مقاطع درامية وكوميدية مُثلت من قبل على الشاشات.

ويقوم البعض بتمثيل مشهد كامل بمساعدة جيرانه وأصدقائه، كما يفعل المستخدم “تامر الجيار” وهو شاب مصري يمثل دائمًا مشاهد معينة من أفلام الممثل “محمد رمضان”، خصوصًا القائمة على العنف والمشاجرات في الحارة باستخدام الآلات الحادة (المطوة – السكين) تقليدًا لمشاهد رمضان في أفلامه “عبده موته” و”الألماني” و”الأسطورة”.

تامر الجيار أحد مشاهير تيك توك

وكثرت الدراسات التي تناولت علاقة العنف في السينما بحوادث العنف الحقيقية التي انتشرت مؤخرًا في مصر، مثل قضية مقتل الشاب محمود البنا من قبل شاب آخر بطعنه بآلة حادة، ووصل الأمر بخروج أحد شباب محافظة الشرقية وتصويره من قِبل البعض وهو يقول أنا “عبده موته” وهو يهدد بسلاح ناري حتى تسبب في مقتل طفلين.

وفي هذا السياق، خرج تامر الجيار في أحد المقاطع المصوّرة على “تيك توك” وهو عاري الجسد بسلسلة كبيرة حول عنقه، كما يفعل رمضان دائمًا في أفلامه، ليصرح بأنه يتمنى التمثيل مع محمد رمضان في أعماله القادمة.

وتُعبّر مقاطع الفيديو للجيار وغيره عن مدى تأثير سينما العنف على تطلعات فئة ليست هينة من الشباب المصري، لا سيما سُكان المناطق الشعبية.

استهلاك الجسد.. واستباحته

أشهر الحسابات على “تيك توك” من نصيب الفتاة العشرينية “مودة الأدهم”، وهي تعمل كموديل لإعلانات الشركات أو “فاشينستا”، وقد قُبض عليها في مايو الماضي بتهمة خرق حظر التجوال في “مدينتي” بالقاهرة، حيث نزلت مساءً في وقت الحظر برفقة زميلتها لتصوير مقاطع فيديو وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأُخلي سبيلها من النيابة بكفالة 20 ألف جنيه مصري، ولكن تمّ القبض عليها مرةً أخرى مع عدد من الفتيات بدعوى تتهمها بنشر صور ومقاطع فيديو تُخلّ بقيم الأسرة والمجتمع المصري، وصدرت بحقهن أحكام قضائيّة.

مودة الأدهم.. أثارت جدلًا واسعًا عبر تيك توك وصولًا إلى القبض عليها

يتابع “مودة الأدهم” على تطبيق “تيك توك” 3.1 ملايين متابع وعلى “إنستجرام” 1.6 مليون وعلى “يوتيوب” 269 ألفًا، ولها عدة صفحات على “فيسبوك” تبث من خلالها مقاطع الفيديو، حيث تجمع مئات الآلاف من المشاهدات على تلك التطبيقات.

وتحوي فيديوهات “مودة” دائمًا تفاصيل حياتها، كمواقفها اليومية، فضلًا عن الرقص والغناء على صوت الموسيقى الشعبية في بيتها أو حتى في الشوارع (الكومباوندات – دهب – الساحل – شرم الشيخ – دبي) والكثير من الأماكن السياحية.

وعملت “الأدهم” أيضًا في الترويج للسياحة المصرية، حيث شاركت عام 2015 في مسابقة “Miss eco Egypt” المُختصة بدعم السياحة وجذب السياح إلى مصر.

قبل القبض عليها ظهرت “مودة” في مقطعٍ مصور بثته من أمام منزلها، تحكي فيه الاعتداء الذي حدث بحقها من قِبل بعض الشباب الأصغر سنًّا، حيث أتوا إلى بيتها في ساعة متأخرة من الليل وطرقوا الباب ليلتقطوا بعض الصور معها، وعندما رفضت قاموا بسبّها وحاولوا كسر الباب.

في التفسير النفسي الجمعي لذلك، اعتقد هؤلاء أن الفاشينستا الجسد، لا الإنسان، المعروض على تطبيقات التواصل الاجتماعي حقٌّ أو سلعة استعراضية يريدون التقاط الصور معها ولو رغمًا عنها وإلا قاموا بسبّها وترويعها.

قد نجد التفسير لذلك في حديث “زيجمونت باومان” في كتابه “الحياة السائلة: ص 124” عن مفهوم “الجسد الاستهلاكي”، فالجسد المثالي المعروض دائمًا على الشاشات، ويتابعه آلاف الناس، لا يصبح بعد ذلك ملكًا للشخص نفسه؛ بل يصبح مِلكًا للجميع، بصورته المثالية التي يستحيل نقصانها.

عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان

وبعيدًا عن عرض الجسد بمقصد الشهوانية، يذهب “باومان” إلى استهلاك الجسد بهدف التسويق لمنتج بعينه، حيث يرى خبراء التسويق أن الجسد الأكثر جاذبية واستحسانًا للسوق هو الأكثر ثقةً وأمانًا بالنسبة لمجتمع المستهلكين، وينطبق ذلك على فتيات “تيك توك” اللواتي يقمن بتمثيل مشاهد تحوي أجسادًا مثالية ترقص وتُغني فقط، لا سيما الفتيات الفاشينستا والخاضعات لمؤهلات الجسد السوقي.

تيه الذات.. النرجسية

من خلال بثّ المقاطع المصوّرة، وبمجرد رؤية الشباب أنفسهم في مرآة كاميرا الهاتف، يظن البعض منهم أنه بذلك يعبر عن ذاته الحقيقية دون ادعاء، لكن ما يحدث عكس ذلك تمامًا، حيث يتماهى المستخدم مع الترند الشائع على مواقع التواصل الاجتماعي: أغنية جديدة، أو مشهد لفيلم جديد، وهكذا، ومع ترويج المقطع عبر مواقع التواصل، لا سيما المقاطع الجالبة للمشاهدات (رقص الفتيات، أو الكوميديا)؛ يأتي إلى المستخدم عشرات ومئات الآلاف من المتابعين لحسابه، ممّا ينمي لديه شعورًا بالنرجسية.

في دراسة نشرت على موقع (ريسيرش جات ResearchGate) للباحثَيْن “جيسيكا مكين” Jessica Mccain، و”كيث كامبل” W. Keith Campbell، رصدا فيها كيفية استخدام الشخصية النرجسية لوسائل التواصل الاجتماعي، وقام الباحثان بتحليل 62 عيّنة بحثية بعدد 13430 فردًا.

توصل الباحثان إلى أن الشخص الأكثر نرجسية هو الذي يقضي وقتًا أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الأكثر تحديثًا (الحالات- التعليقات- التغريدات) على وسائل التواصل الاجتماعي، ويمتلك عددًا كبيرًا من “الأصدقاء” و”المتابعين” على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعتاد على نشر صوره الشخصية بشكل كبير.

في دراسة أُخرى بمركز رسم خرائط الدماغ Ahmanson – Lovelace بجامعة كاليفورنيا، حيث جُمع 32 شابًّا بين 13 – 18 عامًا وأمامهم شاشات الكمبيوتر الخاصة بهم، معروضٌ عليها صورهم، وبواسطة استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ، لوحظ نشاط دوائر الدماغ التي تنشط عند التلذذ بالحلويات وكسب المال عندما يجمع المراهقون إعجابات أكثر بصورهم.

رسم خرائط الدماغ.. كلما زادت الإعجابات نشطت الدوائر الدماغية

وعلّقت الباحثة المشرفة على الدراسة “لورين شيرمان” Lauren Sherman على ذلك قائلة: “كلما زادت الإعجابات زاد نشاط الدوائر الدماغية المُختصة بالسعادة الذاتية والإعجاب بالنفس”.

وبهذا يتجه غالبية مستخدمي “تيك توك” في مصر نحو السعادة والإعجاب بالذات، تلك الأشياء التي افتقدوها عنوةً في المدارس التعليمية وربما في المحيط الأسري والمجتمعي؛ لذلك يشكل “تيك توك” لهؤلاء ملاذًا آمنًا يهرب إليه الكثير لتلقي السعادة والمتعة الذاتية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد عبدالحليم

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search