ثقافة

تُحفة “أموس توتولا”: “شارب نبيذ النخيل”.. نموذج مُلهم للفانتازيا الإفريقية

 

في عام 1952، غدت رواية The Palm-Wine Drinkard (شارب نبيذ النخيل) أول رواية غرب إفريقية مكتوبة باللغة الإنجليزية تحظى بالنشر على مستوى عالمي. كاتب هذه الرواية هو أموس توتولا، وهو كاتب نيجيري غير معروف آل على نفسه الكتابة من أجل تخفيف حدة التوتر التي يعاني منها مجتمعه، وهو ما جعل هذا الكتاب يثير ضجة واحتفاء غير مسبوقين. وحتى يومنا هذا، لا تزال هذه الرواية تلقى احتفاء كبيرًا بوصفها نموذجًا مهمًّا وملهمًا للفانتازيا الإفريقية.

غلاف الطبعة الأولى من رواية The Palm-Wine Drinkard التي نُشرت في عام 1952

لكن التحليلات الأكثر حداثة تشير إلى أن الرؤية الغربية لتوتولا ككاتب فانتازيا تتسم بقدر من الاستعلاء، فتغض الطرف عن تناول كتاباته على نحو جاد وعميق للواقع الإفريقي بمفرداته شديدة الخصوصية.

 

أموس توتولا (1920 – 1997)، كاتب وروائي نيجيري

ومن ثم، تحاول هذه القراءة سبر أغوار هذا العمل باعتباره عملاً رائدًا في الخيال العلمي الإفريقي أكثر منه إحدى روايات الفانتازيا. يرتبط هذا إلى حد كبير بطريقة استخدام توتولا للغة. فالفانتازيا تتعامل في مستوى الأساطير وما وراء الطبيعة، أما الخيال العلمي فيمثل ابتكارًا يترسخ بدرجة أكبر في أرض الواقع التي ينطلق منها. في هذا السياق، أرى أن الجاذبية الضعيفة التي تعاني منها الفانتازيا والفولكلور الإفريقيان إنما مردها إلى الرفض الراسخ للأفارقة ككائنات لها علاقة –فضلاً عن أن يكون لها تمرس ودراية– بالتكنولوجيا، وبالتالي ككُتّاب خيال علمي.

الحبكة الفنية للرواية

تعرفنا رواية The Palm-Wine Drinkard على “بيرفت” أو “شارب نبيذ النخيل”، الذي يمضي جل وقته في معاقرة نبيذ النخيل -وهو مشروب كحولي مصنوع من عصارة أشجار النخيل التي يجمعها الساقي بحانة القرية- برفقة مجموعة من أصدقائه. لكن هذا الساقي يموت إثر سقوطه من فوق إحدى أشجار النخيل في أثناء أدائه لعمله. وبسبب عدم توافر مشروبه المفضل، سرعان ما يفقد لقاء “شارب نبيذ النخيل” بأصدقائه، نكهته ولذته.

 

لكن هذا الساقي يموت إثر سقوطه من فوق إحدى أشجار النخيل في أثناء أدائه لعمله

يدفع هذا الشعور بالضجر “شارب نبيذ النخيل” إلى استرجاع الساقي من “مدينة الموتى”، وهي المكان الذي تذهب إليه أرواح الموتى جميعًا. وفي رحلته إلى تلك المدينة، يمر بطل الرواية بالعديد من المدن الغريبة، ويلتقي مخلوقات استثنائية قبل أن يلتقي ساقِيه أخيرًا، ليعلم عندئذ أن الموتى لا تمكنهم مغادرة مدينتهم.

يعود “شارب نبيذ النخيل” أدراجه ليتحول إلى شخص جديد. فبفضل الخبرات التي اكتسبها من رحلته، يمر “بيرفت” بحالة من النضج يقرر عندها التوقف عن معاقرة هذا الشراب وتوديع حياة النزق واللا مبالاة، ويتعملق لديه إحساس جديد بالواجب الاجتماعي فيسعى على أثره لإنقاذ قريته من براثن المجاعة التي رزحت تحت نيرها لفترة غير قصيرة من الزمن حتى يتحقق له ذلك.

أشاد النقاد الغربيون برواية The Palm-Wine Drinkard باعتبارها عملاً رائدًا وطليعيًّا. لكن النقاد النيجيريين، من الناحية الأخرى، وجدوا أنفسهم في حيرة، وربما حرج بالغ، أمام استخدام توتولا للغة الإنجليزية، فراحوا يؤكدون أن هذه اللغة غير موجودة، حتى على المستوى العامي المنطوق.

وإذا نحينا الجدل حول الجودة الأدبية لهذا العمل جانبًا، فإن استخدام توتولا الإبداعي للغة يتسم بلا شك بالسمو والقدرة على نقل القارئ إلى آفاق ضرورية ومتوقعة في الخيال العلمي. في هذا الإطار، يبذل الكاتب جهودًا مضنية لوضع سرديته في سياق تجربته الإفريقية الواقعية التي تتماشى بدرجة أكبرمع الخيال العلمي منها مع الفانتازيا.

 

غلاف كتاب “آراء نقدية عن عموس توتولا” (1975) خلق عالم الخيال العلمي

يأتي صمويل ديلاني ضمن مصفوفة كُتاب ونقاد الخيال العلمي الأفرو أمريكي البارزين. فبالنسبة إليه، يستطيع هذا اللون من الكتابة الأدبية “استثارة مشاعر الدهشة الطفولية” لدى القارئ عبر اللغة.

وفي مقالته الهامّة About 5,750 Words (حوالي 5750 كلمة)، يقدم ديلاني رؤية عميقة للأسباب التي تجعل الخيال العلمي لونًا أدبيًّا متمايزًا عن غيره من الكتابات الأدبية. فبينما تخبرنا الواقعية عما “يمكن أن يحدث”، وتسبر الفانتازيا أغوار ما “لا يمكن أن يحدث”، يفتح الخيال العلمي الآفاق أمام ما “لم يحدث بعد”.

وبينما تستطيع الفانتازيا السفر إلى أي مكان، يقترب الخيال العلمي من العالم بمنظور وتوجه جديدين أكثر منهما خياليين. فالخيال العلمي يمكنه التمدد خارج حدود عالمنا المحسوس، لكن ليس إلى الحدود التي تصل إليها الفانتازيا. وبحسب ديلاني، يستخدم كُتاب الخيال العلمي اللغة بحرص بالغ باعتبارها جزءًا من معالجة تساعد الخيال على تحقيق الوثبة التي تنقل القارئ من عالمه المادي إلى عالم بديل.

 

صمويل ديلاني (1942)، روائي وناقد أمريكي

والحقيقة أن توتولا أثبت براعة فائقة في الاستثمار في هذا التوازن، فكما نجح باقتدار في تمديد حدود الواقعية إلى أقصى آمادها، تمكن أيضًا من كبح جماح الاحتمالات اللا نهائية وغير المحدودة للفانتازيا.

على سبيل المثال، يقدم لنا “بيرفت”  تفسيرًا للأسباب التي دفعت به وبزوجته صوب حياة لا أخلاقية، فقد “بعنا موتنا لشخص ما عند الباب مقابل مبلغ 70 جنيهًا بريطانيًّا، وأقرضنا خوفنا إلى شخص ما عند الباب أيضًا بفائدة قدرها 3 جنيهات بريطانيّة شهريًّا، لذلك لم نعد نعبأ بالموت، ولم يعد يعبث بنا الخوف مجددًا”.

يتخيل توتولا خيارًا جديدًا يمكن أن تخضع فيه حالاتنا الوجودية كالموت والقلق –شأنهما في ذلك شأن كل شيء في ثقافتنا الاستهلاكية– للمقايضة والتجارة، أو للاكتراء والإيجار، كما يمكن أن “تبلى” كما تبلى الثياب. ويقترن تحديد السعر بدقة بالجنيه البريطاني بشيء مألوف كالتسوق في ظل تلك الإمكانية المدهشة التي تمنحنا خيار التنازل يومًا ما عن حقائقنا الوجودية التي لم يعد لنا بها حاجة بكل هذه السهولة.

وأمام كل اقتراح مدهش وغير مألوف، يقدم توتولا معادلا واقعيًّا، فيضع المخلوقات الأكثر غرابة داخل إطار خبراتنا الملموسة وتجاربنا الحياتية. ففي الغابة يلتقي “شارب نبيذ النخيل” مخلوقًا بعينين واسعتين “بحجم وعائين” وقدمين “ممتدتين وسميكتين كأعمدة المنازل”. ويمثل هذا الاعتماد على التشبيهات التمثيلية، أو المقارنات بأشياء من العالم المحسوس جزءًا من جهود تهدف إلى نسج الخيالي في الواقعي. ومن ثم، فإن رواية The Palm-Wine Drinkard تستخدم اللغة بطرائق يعتبرها نقاد من شاكلة ديلاني ضرورية للخيال العلمي.

الخيال العلمي والخرافة الإفريقية

تؤكد دراسات نقدية معاصرة للخيال العلمي في إفريقيا أن هذا النوع من الكتابات متجذر بالأساس في الحكايات والفولكلور المحليين، وأنه تجب قراءته وفقًا لمعايير استثنائية وفريدة من نوعها. لكن قراءة الخيال العلمي الإفريقي باعتباره نوعًا شديد الخصوصية، بل وعملاً من أعمال أدب المقاومة، تفقده روح العالمية التي تمثل ركنًا ركينًا في فهم الثقافة الشعبية في إفريقيا.

وعن طريق هذا الاستخدام للغة على اعتبارها الشكل النهائي للتكنولوجيا، تمكن توتولا من إعادة تركيب البنية اللغوية ونجح في تقديم مفردات تناسب عمله الرائد في مجال الخيال العلمي الإفريقي، والذي تمكن قراءته بسهولة كعمل قيم وشريك أصيل على مسرح الخيال الشعبي العالمي.

المصدر
The Conversation

أحمد بركات

باحث ومترجم مصري

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى