ثانويّة في الحجر

الطريق إلى الحلم مُلغّم بالوباء

لم يخطر على بال “زياد صبري” يومًا أنّ العام الدراسي الذي يتجهز له منذ سنوات؛ سيضيع بسبب تفشي فيروس غامض؛ إذ أُصيب والده بفيروس “كورونا” في مايو الماضي، وبعد أيام قليلة لحق به، ابنه، وزوجته إلى الحجر، كل منهم في غرفة مُنفصلة، الوضع مأساوي على الجميع، ولكنّه على زياد أشد وطأة يتساءل: “كيف أدخل الامتحانات، بعد هذه التجربة القاسيّة؟”.

“زياد” غير مُتأكد من كيفيّة إصابة والده بـ”كورونا”، لكنّه بات متأكدًا أنّ حلم والده بأنّ يصبح طبيبًا، قد ذهب هو الآخر، فبعد أنّ تأكد أنّ الامتحانات الثانويّة العامة ستتم في موعدها هذا العام، ولا نية لإلغائها استسلم زياد لحالة من الإحباط، ولم يعد يستطيع المُذاكرة، فإصابة عائلته بالكامل، أفقدته القدرة على التركيز، يقول لـ”ذات مصر”: “كيف ولماذا أذاكر وأنا لا أعلم إنّ كنت سأعيش أم لا، وهل أستطيع المذاكرة وأنا مهدد طوال الوقت بفقدان أهلي؟”.

"زياد" تعافى من "كورونا" لكنّه مُحبط من إصابة أسرته

حُجِرَ “زياد” في غرفة بإحدى المدن الجامعيّة في القاهرة الكبرى، ولكن حماماتها المُشتركة جعلته لا يرغب حتى في الخروج من حجرته، يقول: “المكان غير نظيف، وغير مجهز، ولا يصلح للمذاكرة أساسًا”.

رئيس جامعة القاهرة داخل المدن الجامعية المخصصة للحجر

أجرى “زياد” 7 مسحات لتكون الأخيرة سلبيّة، فتمكن من الخروج، ولكنّه لا يعرف إنّ كان سيستطيع الالتحاق بامتحانات الثانويّة العامة هذا العام أم لا، يقول: “خائف أنّ أدخل الامتحانات فأُصاب مرة أخرى”.

أعفت وزارة التربية والتعليم “زياد” وغيره من الطلاب المصابين من دخول الامتحانات، على أنّ يدخل الدور الثاني بالدرجة الفعليّة، كما أنّه من الممكن تأجيل العام الحالي، ودخول العام المقبل على أنّه أول مرة للتقدم.

لا توجد إحصائيّة بعدد الطلاب المُصابين، والذين خُصص لهم دخول الدور الثاني بالدرجة نفسها، ولكن أكثر من مليون و400 ألف طالب (إجمالي الطلاب بالثانوية العامة والأزهرية والدبلومات الفنية)، يُشاركون “زياد” مخاوفه من الإصابة، فهم مُلزمون بتأديّة امتحاناتهم في ميعادها 21 يونيو الحالي، أو التأجيل للعام المقبل.

الخبير التربوي “مجدي حمزة” يقول لـ”ذات مصر”: “عقد الامتحانات هذا العام مُخاطرة كبيرة على صحة التلاميذ، وحتى إنّ اتخذت وزارة التربيّة والتعليم بعض الإجراءات المهمة، كالتطهير، والتعقيم، وأنفقت ميزانيّةً ضخمةً عليهما، فإنّ ذلك القرار لا يُقارن أبدًا بفقدان طُلابنا”.

“حمزة” يُضيف رغم أنّ قرارات وزارة التربيّة والتعليم قد تكون مقبولة إلى حد ما، ولكنّها لم تُشر من قريب أو من بعيد إلى المعلمين، والمراقبين على اللجان، ولم تهدف من الأساس حمايتهم، وكذلك لم تضع خططًا واضحةً لهم وكأنّ المُعلم لا ينتمي للوزارة.

ويتابع “حمزة”: “الطالب قد يخالط زميله فقط، ولكن المعلم سيُخالط اللجنة كلها، ثم يعود ليخالط أسرته، وبالطبع يعتبر هذا الإهمال انتقاص من حق المعلم، وناقوس خطر كبير”.

ويتساءل “حمزة”: “هل ستوفر وزارة الصحة، والتربيّة والتعليم لجان طبيّة في كل مدرسة أم ستقتصر على المدارس الكبرى؟” مضيفًا بالطبع وزارة التربيّة والتعليم، قامت بما عليها مؤقتًا بإجراءات مثل مُضاعفة أعداد اللجان؛ للحدِّ من انتشار الفيروس، ولكن تظلّ قرارات على ورق؛ حتى يتم إجراء الامتحانات، ومعرفة ماذا سيحدث حينها.

"اضطراب ما بعد الصدمة" وضع حلم "مصطفى" على المحك

“مصطفى صبحي” طالب بالثانويّة العامة، توقف عن متابعة دروسه منذ يناير الماضي؛ ليرافق جدته بالمستشفى، بعدما أُصيبت بنزيف في المخ، متوقعًا حينها أنّ العام الدراسي ما زال به بقية لاستكمال ما فاته من التحصيل، ومع تحسن حالة جدته بحلول شهر مارس بدأ انتشار “كورونا”، وأُغلقت السناتر كإجراء احترازي ضد انتشار الفيروس.

“مصطفى” يقول لـ”ذات مصر”: “بعد غلق السناتر التعليميّة، قررت الذهاب إلى الدروس الخصوصيّة بالبيوت لاستكمال المنهج، كنت أحضر في الأسبوع الواحد 4 دروس، كل درس مدته ساعة، وكان عدد الطلاب في الدرس الواحد يتراوح من 4 إلى 6 أشخاص”.

تأثرت صحة “مصطفى” النفسيّة مع ارتفاع معدل الإصابات، وتزايد الأخبار المتعلقة بانتشار الفيروس، وقلّ مستوى تحصيله الدراسي، وزادت مشاعر القلق والتوتر لديه.

مصطفى صبحي خلال مكوثه بالحجر الصحي

أُصيب “مصطفى” بـ”كورونا”، ودخل مستشفى “قها” للحجر الصحي، يقول: “قبلها لم أكن مهتمًا بتعليمات وزارة الصحة المصريّة، ومنظمة الصحة العالميّة بضرورة التباعد الاجتماعي، وأخذ الحيطة، والحذر في ارتداء الكمامات الطبيّة، واتباع عمليات التطهير، والتعقيم، كنت مهتمًا بتحصيل دروسي قبل كل شيء آخر”.

ويُضيف “كنت أظن أنّ الوباء بعيد عني، وعن عائلتي، حتى اكتشفت إصابة والدي، الذي يعمل مسؤول الحمايّة المدنيّة بالشركة المصريّة للاتصالات، بمنطقة العتبة بوسط محافظة القاهرة بـ”كورونا”، ووفاته، قبل ظهور إيجابيّة التحليل، ونقل العدوى لي، ولأختي، وابن عمي، ومرات عمي، وخالي، وابن خالي، وجدتي”.

مصطفى ووالده

بعد أنّ كان أكبر هموم “مصطفى” الانتهاء من دروس الفلسفة، والتاريخ، قضى شهر مايو بالكامل بالحجر الصحي، ورغم سعيّه لتحقيق حلم والده بحصوله على درجات مشرفّة، ودخول كلية “الألسن”، إلا أنّ الإصابة بالفيروس، والأزمة النفسيّة التي تلتها وضعت حلمه على المحك.

في دراسة أُجريت على 35 من طُلاب الطب، ونُشرت بالمركز الوطني للتكنولوجيا الحيويّة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، لدراسة تأثير الضغوط النفسيّة التي تُسببها فترة الامتحانات على الجسم، وجدت أنّ الإجهاد يُنتج ردود فعل ذهنيّة، وفسيولوجيّة في الجسم، إضافةً إلى أنّ الضغط العالي المستمر، قد يؤدي إلى أمراض نفسيّة عصبيّة، مثل القلق، والاكتئاب، والتفكير في الانتحار.

وأوصت الدراسة بأنّه يجب توفير برنامج استرخاء فعال، وكذلك خدمات استشاريّة للطلاب، الذين يعانون من الإجهاد؛ حتى يتمكنوا من التعامل بشكل أفضل مع إجهاد الأزمات، والامتحانات.

رئيس قسم الأمراض النفسيّة والعصبيّة بجامعة الأزهر “هاشم بحري” يُشارك “ذات مصر” دراسة أخرى أُجريت على 2600 طالب، أثناء الحجر الصحي من 6 دول مُختلفة، والتي أظهرت أنّ الطلاب سيطر عليهم الشعور بالإحباط الشديد، والاكتئاب والقلق النفسي، وبالتالي أثر ذلك الشعور على التركيز، والقدرة على الاستيعاب، وقلل من القدرة على التذكر ومستواهم العلمي.

ويشير “بحري” إلى أنّ هناك 1.6 مليار طالب في العالم يتعرضون لضغط نفسي شديد؛ بسبب جائحة “كورونا”، وما يفرضه من حظر تجوال، وتباعد اجتماعي.

“بحري” يوضح أنّ المخ به جزء مسؤول عن المشاعر الإيجابيّة والسلبيّة، والتي بدورها تعمل على تصدير التفاؤل عند ممارسة المواطنين حياتهم بشكل طبيعي، سواء في الإطار الاجتماعي، أو ممارسة النشاطات الرياضيّة، أو خروج الطلاب للدروس الخصوصيّة، والمدارس، وتصدير التشاؤم، والشعور بالاكتئاب عند الإجبار على الجلوس بالمنزل، وعدم الخروج، والتباعد الاجتماعي.

ويتوقع “بحري” قلّة تحصيل طلاب الثانويّة العامة لدروسهم، وانخفاض درجاتهم هذا العام؛ بسبب التداعيات النفسيّة لجائحة “كورونا”.

في استطلاع رأي قام به “ذات مصر”، وشارك فيه 17 ألف و271 طالبًا ثانويًّا، أبدى 86 % منهم رفضهم إجراء الامتحانات هذا العام، بينما أبدى 14 % موافقته، وتأثر 100 % منهم نفسيًّا؛ بسبب مُزامنة تفشي “كورونا” في “مصر” مع المرحلة الأهم في حياتهم، على أنّ التأثيرات كانت مُختلفة، وفكر 20.9 % منهم في الانتحار.

الدروس الخصوصيّة في المنازل تضع الطلاب في مرمى الإصابة

كان خوف “سميرة” (اسم مستعار) من ضياع حلمها بالالتحاق بكلية الطب، أكبر من خوفها من الإصابة بالفيروس، فالتحقت في مجموعة خاصة مع زميلاتها؛ لمراجعة المواد الدراسيّة مع مُدرسين، حددوا مواعيد لهم بالمنزل.

طلاب الثانوية لجأوا للدروس الخصوصية المنزلية لمواجهة كورونا

ولكن إحدى صديقاتها كانت مُصابة بالفيروس دون أنّ تعرف؛ بسبب إصابة والدها من العمل، فنقلت الفيروس لـ”سميرة” بدورها، ثم نقلته “سميرة” لوالدتها.

لم تحتمل والدة “سميرة” المرض فتوفت سريعًا، وتلوم “سميرة” نفسها الآن في الحجر الصحي على وفاة والدتها، تقول لـ”ذات مصر”: “حاسة إنّي أنانيّة جدًا، موتت أمي؛ بسبب طمعي إنّي أدخل كلية كويسة”.

لا تريد “سميرة” الالتحاق بالامتحانات هذا العام، ولا تدري إنّ كانت تستطيع ذلك العام المقبل أم لا، تقول: “كلما أفتح الكتاب، أرى صورة أمي أمامي، أنا السبب في كل هذا”.

وزير التربية والتعليم يتابع الاستعداد للامتحانات

الدكتورة “أميرة زكي عبدالعزيز” استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين، وأحد أفراد فريق الدعم النفسي للخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسيّة، تقول لـ”ذات مصر”: “إنّ السمات النفسيّة للطلاب مختلفة، فالبعض ذو شخصيّة قلقة، ومتوترة، وبالتالي بعد انتشار جائحة “كورونا”، زادت الأعراض النفسيّة بشكلٍ ملحوظ، والبعض الآخر ذو شخصيّة إيجابيّة، تُقيّم الأمور بطريقةٍ موضوعيّةٍ دون مبالغة، والتكيّف على الوضع من خلال الاتصال بزملائهم، وأقاربهم للدعم النفسي، إضافةً إلى ممارسة نشاطات الاسترخاء”.

“زكي” تضيف: من سن 18 عامًا فما فوق، هي الشريحة الأكبر التي تُقبل على خدمة الدعم النفسي للخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسيّة، التي تقدمها وزارة الصحة مجانًا، بعد انتشار جائحة “كورونا”، إضافةً إلى اتصالات من أولياء أمور الطلاب؛ لطلب المساعدة في الدعم النفسي لأبنائهم، الذين يعانون من فقدان الشهيّة، وتوتر في النوم، وقلة التحصيل الدراسي.

وتنصح استشاري الطب النفسي، طلاب الثانويّة العامة، بممارسة العادات الصحيّة؛ لتقليل التوتر، مثل مشاهدة فيديوهات ممارسة الاسترخاء، وتنظيم مواعيد النوم، والبُعد عن تناول الكافيين، والمنبهات، والتهوية الجيدة للغرفة، والإكثار من تناول مشروبات الاسترخاء، مثل الينسون، والنعناع، إضافةً إلى تقسيم ساعات المذاكرة يتخللها فترات راحة.

وتنوه “زكي” على أهميّة تقديم الدعم النفسي الإيجابي من قِبل أولياء الأمور لأبنائهم من خلال البُعد عن التحدث عن أخبار “كورونا”، وتقدير، واحتواء مشاعر القلق والخوف.

حلم "بسنت" بدخول كلية الطب يتراجع بعد إصابتها

قبل انتشار جائحة “كورونا” اعتادت “بسنت حسن” الذهاب إلى الدروس الخصوصيّة بالسناتر التعليميّة بحي “شبرا” التابع لمحافظة “القاهرة”، والمذاكرة في المنزل، فكانت تقضي ساعات يومها بين الكتب الخارجيّة والمذكرات، تقول “بسنت” لـ”ذات مصر”: “لما

سمعت بفيروس “كورونا”، لم أكن أتصور أنّ العالم سيتوقف بهذا الشكل، كنت أظن أنّها مسألة وقت وسينتهي الوباء مثل أي شيء آخر”.

أكثر من شهرين أمضتهم “بسنت” في الذهاب إلى الدروس الخصوصيّة في المنازل بسريّة، بعد قرار غلق السناتر التعليميّة، تقول: “اعتدنا على الدروس الخصوصيّة، وتخوفنا من تبعات غلق السناتر، شعرت بشكل شخصي أنّي لن أستطيع أنّ أذاكر بمفردي، فقررت أنّ أبدأ دروسًا خصوصيّة مع زملائي، اكتفيت بزجاجة كحول كوسيلة وقايّة”.

إغلاق السناتر التعليمية

وتتابع: “طوال الوقت كنت أظن أنّ الخطر بعيد عني، ونزولي أنا للدروس، ونزول أبي للشغل شيء عادي، حتى بدأ ظهور أعراض الفيروس على والدي، ارتفعت درجة حرارته مع شعور بتكسير في العظام، واحتقان في الزور، لم نأخذ الإجراءات الوقائيّة من ارتداء الكمامة، وعزله في غرفة بمفرده، كنا نظن أنّه أُصيب بدور برد، حتى إجراء بعض التحاليل، وأشعة على الصدر في مستشفى حُميات إمبابة، والتي أظهرت إيجابيّة التحاليل”.

مكثت “بسنت” في المنزل تنتظر نتائج تحاليل المخالطة لحالة إيجابيّة، وهي تفكر في مستقبل المذاكرة، والدروس وما تبقى من أيامٍ على بدء ماراثون امتحانات الثانويّة.

تأكدت إصابة “بسنت” بـ”كورونا”، وانتقلت إلى المدينة الجامعيّة بحلوان للحجر الصحي؛ لكنّها تتخوف من عدم قدرتها على الالتحاق بالامتحانات هذا العام، وحلمها بدخول كلية الطب، يتراجع شيئًا فشيء، خاصةً أنّها أُصيبت في فترة حرجة بالنسبة إلى طالب ثانوي عام.

كمال مغيث

عضو مجلس البحوث التربوية “كمال مغيث” يقول لـ”ذات مصر”: “الدولة لم يكن أمامها بديل عن إجراء امتحانات الثانويّة العامة هذا العام، ولكن الوضع صعب، ومنذر بتصاعد كبير في أرقام الإصابات، وإنّ كانت وزارة التربيّة والتعليم، قد أخذت بعض الإجراءات السليمة، التي تُحسب لها، ولكنّها غير كافيّة لحماية الطلاب، والمعلمين من الإصابة”.

“مغيث” يضيف: “على الرغم من قرار رئيس الوزراء بوقف الدروس الخصوصيّة، والتعامل معها بشكل حازم من قِبل الشرطة، إلا أنّ هناك بعض المدرسين لا يزالوا يقدمون الدروس بشكلٍ سري في المنازل، فيُعرِضون أنفسهم للإصابة، وكذلك الطلاب”، مطالبًا بعدم التهاون مع الذين يتم ضبطهم بإعطاء دروس في المنازل.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
قصة
إيمان منير

صحافية مصرية

شاهندا قناوي

صحافية مصرية

مشاركة
أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search