ثروتنا الفنية التي أضعناها

كان المؤرخ الموسيقي عبد العزيز عناني (1925- 2000) صاحب أكبر مكتبة اسطوانات في مصر، إذ جمع في حياته نحو سبعة آلاف اسطوانة لأعلام طرب عصر النهضة.. هذه المكتبة الضخمة خرجت من بيته، ثم خرجت من مصر كلها، وآلت إلى مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية، ببيروت، لكن هذا لم يكن إلا بسبب زهد المؤسسات الثقافية والفنية بمصر في هذا التراث. 

عبد العزيز عناني بين أجهزة التسجيل

عرفت مصر شركات الاسطوانات مبكرا، بين عامي 1895 و1898، وكان أولها شركة سليندرز، التي سجلت صوت عبده الحامولي على ما يعرف باسطوانات “الكوباية” وهي اسطوانات شمعية بدائية التقنية، ومع التطوير أصبح التسجيل يتم على أقراص مفلطحة، لكن بقي اسم “الاسطوانة” لصيقا بها بسبب شكلها الأول.

ثم توالت على مصر شركات متعددة، منها جرامافون، وزينوفون، وبيضافون، وكلومبيا، وأوديون، وغيرها.. وتنافست هذه الشركات في التعاقد مع كبار المطربين المشهورين في مصر، بعد رحيل كل من محمد عثمان وعبده الحامولي على التوالي عامي 1900 و1901، وبالطبع كان على رأس هؤلاء المطربين الشيخ يوسف المنيلاوي، وعبد الحي أفندي حلمي.

جهاز فنوغراف لتشغيل الاسطوانة "الكوباية"

استلزم طبع الاسطوانات انتشار أجهزة الفنوغراف، في بيوت الأثرياء والأعيان، والمهتمين بالفن اهتماما كبيرا، وحققت شركات التسجيلات مكاسب كبيرة جدا، خلال نحو ثلاثة عقود، لاسيما مع ظهور عبد الوهاب وأم كلثوم التي سجلت منولوج “إن كنت أسامح” من ألحان محمد القصبجي فباع ربع مليون نسخة على أقل تقدير.. وربما لم تتأثر تجارة الاسطوانات كثيرا بظهور بعض الإذاعات الأهلية، لكن مع افتتاح الإذاعة المصرية الحكومية عام 1934، بدأ الإقبال على الاسطوانة يأخذ طريقه للتراجع، لاسيما مع الانتشار المضطرد لأجهزة الراديو.

منذ منتصف القرن التاسع عشر، وحتى العقود الأولى من القرن العشرين، شهدت مصر نهضة غنائية وتلحينية كبرى، شادها أعلام كبار، على رأسهم شيخ الطائفة محمد عبد الرحيم المسلوب، وتلميذاه العظيمان عبده الحمولي ومحمد عثمان.. كما عرفت مصر شركات الاسطوانات، التي سجلت غناء أعلام طرب هذه النهضة من أمثال الشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي وسلامة حجازي، وسيد الصفتي وزكي مراد ومنيرة المهدية.. وصولا إلى الكبير صالح عبد الحي.. وقد خلف هؤلاء الأعلام ثروة ضخمة من التسجيلات النفيسة لم تجد حتى الآن جهة رسمية مصرية تحفظها وتوثقها وتؤرشفها، وتدرسها.. ولولا جهود فردية للهواة على الإنترنت لضاع أكثر هذا التراث، ضحية التجاهل والإهمال.

عبد الحي حلمي

حالة من الانقطاع التام، تكاد تكون مفروضة على الأجيال المتعاقبة منذ ثورة 23 يوليو 1952 مع طرب عصر النهضة وأعلامه، وبترسيخ مستمر لفكرة أن الغناء المصري ابتدأ بسيد درويش، وأن ما قبله لم يكن إلا ألحانا مملة مكررة خالية من التعبير، تتسم بالبطء وتجلب السآمة والملل.

لا تبث الإذاعة المصرية أبدا تسجيلات عصر النهضة إلا من خلال برامج تسبغ كل أوصاف القدم المتحفي على هذه الأعمال، وعندما أنشأ التليفزيون المصري عام 1961، وسجل لمن بقي من هؤلاء المطربين وعلى رأسهم العظيمان صالح عبد الحي وعباس البليدي، أظهرهم “مطربشين” هم وأعضاء الفرقة الموسيقية والمرددين.. بالرغم من أن الطربوش كان قد اختفى من مصر تماما في هذا التوقيت.. لكنه الإصرار على تصدير طرب النهضة في صورة معينة، باعتباره تراثا “للفرجة” وليس للمتعة الفنية.

خلال نحو 35 عاما من عمل شركات الاسطوانات في مصر، سُجل عدد ربما يجاوز عشرة آلاف اسطوانة، لكل مطربي عصر النهضة، من أمثال يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي، وسليمان أبو داود، وسيد الصفطي، وأبو العلا محمد، وعبد اللطيف البنا، وسيد درويش، وزكي مراد، وصالح عبد الحي، ومنيرة المهدية وفتحية أحمد وسكينة حسن، وغيرهم وصولا إلى عبد الوهاب وأم كلثوم.

أم كلثوم على اسطوانات "هيز ماستر فويز"

وتضمنت هذه التسجيلات كل أشكال وقوالب الغناء الكلاسيكي، وعلى رأسها القصيدة، والدور، والموشح، والطقطوقة، والموال، والمنولوج، والمحاورة الغنائية.. كما تضمنت أيضا أعمالا آلية لكبار العازفين، ولاسيما التقاسيم على آلات العود والقانون والكمان.

وقد تباين اهتمام مطربي عصر النهضة بكل قالب غنائي، فبينما يعرض يوسف المنيلاوي عن غناء الطقطوقة، يكثر منها جدا زكي مراد، ويكاد يتخصص فيها عبد اللطيف البنا، في حين يحرص عبد الحي حلمي على غناء كل القوالب، وكذلك فعل من بعده ابن أخته صالح عبد الحي.. وفي هذه الحقبة سجلت كل أعمال سيد درويش، وكل أدوار عبد الوهاب، وكذلك كل أدوار أم كلثوم التسعة عشر.

حوى طرب عصر النهضة جماليات فائقة في الطرب والأداء الفذ الصعب المعتمد على قوة الصوت والزخرفة والحليات والعُرب والارتجال، ولم يخل خلوا تاما من التعبير كما يزعم بعض من لم يدرسوه دراسة متأنية، صحيح أن مساحة التعبير زادت كثيرا بعد ظهور سيد درويش، لكن الشيخ سيد لم ينطلق أبدا من فراغ، ولم يكن منقطعا عمن قبله.. كان عبقريا، اختزن وأضاف، وجاءت أدواره ملتزمة بالشكل الذي رسخه محمد عثمان، الذي أعلى بناء صرح الدور شاهقا.

دور ضيعت مستقبل حياتي لسيد درويش- اسطوانات بيضافون

هذه الثروة الضخمة والعظيمة والمهمة من التسجيلات، وهذا الطرب الكلاسيكي الذي يعتبره كثير من الباحثين الغربيين أنه الممثل الحقيقي لما يمكن أن نسميه بـ”الغناء الراقي”، مازال حتى اليوم لا يجد في مصر من يهتم به بالمستوى اللائق.. فلا مكان يمكن أن تقصده لو أردت الاطلاع على هذا التراث، ولا مؤسسة تهتم بجمعه وتوثيقه وأرشفته، ومن الغريب أن الاهتمام الأكبر جاء من خارج مصر، وتحديدا في بيروت، من خلال مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية، التي تمتلك اليوم نحو 10 آلاف اسطوانة جلها لأعلام الطرب والغناء والموسيقى المصرية في عصر نهضتها.. وبالرغم من أن المؤسسة قامت بمبادرة أهلية، خارج النطاق الحكومي، إلا أنها تمارس دورا كبيرا في تقديم هذا التراث ودراسته وحفظه، وفي عام 2011، احتفلت المؤسسة بمئوية الشيخ يوسف المنيلاوي، وأصدرت كتابا كبيرا ومهما عن هذا المطرب الفذ، مصحوبا باسطوانات تشمل كل أعماله التي وصلتنا بعد تنقيتها صوتيا بأحدث الأساليب. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search