ثقافة وفن

ثقافة الأرمي.. كيف اجتاحت كوريا الجنوبية العالم بفرقة غنائية؟

من سبعة فتيان، وتحت اسم “ما وراء الكواليس” تأسست فرقة BTS الكورية في 2013، لتتمكن من استقطاب الملايين من المتأثرين بأسلوبها حول العالم تحت مظلة ما يسمى بـ”الأرمي”.

من كوريا الجنوبية، انتقلت شعبية الفرقة إلى الدول المجاورة في آسيا أول الأمر، قبل أن تغزو العالم كله، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وتصنف في 2018 ضمن “البيلبورد 200″، وهي قائمة تضم أعلى 200 ألبوم موسيقي مبيعًا في الولايات المتحدة.

وBTS هو اختصار لـ”Beyond the Scene” أو “ما وراء الكواليس”؛ تنقل لنا كواليس صاخبة لكيف استطاعت دولة مثل كوريا الجنوبية اجتياح العالم بثقافتها، لاسيّما وأن BTS نفسها، باتت تمثل شكلًا من أشكال “القوة الناعمة” لكوريا الجنوبية.

الأرمي.. كوريا الجنوبية تنتشر

تقديرًا لكونهم مؤثرين عالميين، دُعي أعضاء BTS، في 2018، لمقر الأمم المتحدة بنيويورك، لإلقاء كلمة في حفل إطلاق “Generation Unlimited“، وهي مبادرة عالمية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف).

في نفس العام، أعلنت شركة ماتيل الأمريكية لصناعة الألعاب (أكبر شركات الألعاب الشعبية في العالم)، توقيع اتفاقية لإنتاج دمى على شكل أعضاء الفرقة. أدت هذه الاتفاقية إلى ارتفاع الحصة السوقية للشركة بنسبة 7.7%.

الأرمي
الأرمي هو اللقب الذي يطلق على جيش معجبي فرق BTS

يرتبط صعود BTS باستراتيجيات واضحة لدى الحكومة الكورية، خاصة بالقوة الثقافية. في عام 2001، ذُكر دور الثقافة في أجندة التنمية الكورية لأول مرة، خلال خطاب ألقاه رئيس كوريا الجنوبية كيم داي جونغ، وصف فيه الثقافة بـ”الصناعة الخالية من المداخن”، قائلًا إنها محركٌ للتنمية الاقتصادية، وأنها تخلق قيمة مضافة عالية مع استثمار قليل الموارد نسبيًا بالمقارنة بالتنمية الصناعية.

وخلال فترة إدارة الرئيس روه مو هيون (2003-2007)، كان من الأهداف الوطنية الرئيسية المعلنة، أن تصبح كوريا واحدة من “أفضل خمس قوى لإنتاج المحتوى في العالم، عام 2010”.

وفي 2009، أنشأت الحكومة الكورية وكالة المحتوى الإبداعي، بهدف تعزيز إنتاج محتوى الثقافة الشعبية الكورية، كما بدأت الشركات الكورية الكبيرة (تشايبول – chaebol) التي لها علاقات وثيقة مع الحكومة، في تحويل انتباهها إلى وسائل الإعلام والصناعات الإبداعية.

في هذا السياق، وبصفتها أنجح منتج للثقافة الشعبية الكورية، ساهمت BTS بشكل كبير في الاقتصاد الوطني الكوري، فبالإضافة إلى مبيعات الموسيقى والبضائع وتذاكر الحفلات الموسيقية، ظهر مصدر ربح من خلال الفرقة، يتمثل في العدد الإضافي للسياح الذين يزورون كوريا الجنوبية بسبب اهتمامهم الخاص بالفرقة.

في عام 2017 قُدر أن حوالي 800 ألف سائح وصلوا كوريا الجنوبية (حوالي 7% من إجمالي الوافدين الأجانب)، كانوا متحمسين لزيارة البلاد بسبب اهتمامهم بـBTS.

هكذا أصبح أعضاء BTS سفراء السياحة إلى سيول، إذ تمكنت الفرقة من استقطاب زوار للمدينة عبر مبادرة “Live Seoul Like I Do“، الهادفة إلى جذب السياح للمواقع المفضلة لأعضاء الفرقة. ويوفر الموقع الإلكتروني الحكومي “تخيل كوريا“، قائمة بالمواقع التي صورت فيها كليبات الفرقة.

جيش أتباع

مع صعود BTS اتسعت دائرة المعجبين المتحمسين للفرقة، ليصل عدد الاشتراكات على قناة BTS بيوتيوب إلى 52 مليون مشترك حتى وقت إعداد هذا التقرير، لتتخطى بذلك قناة أريانا جراند المغنية التي كانت مصنفة الأولى عالميًا، والتي وصل عدد الاشتراكات في قناتها حوالي 48 مليون ونصف. كما وصل عدد المتابعين لحساب BTS على تويتر أكثر من 30 مليون متابع، وعلى إنستجرام أكثر من 43 مليون متابع.

لكن هذا ليس كل شيء، فطبقًا للاستراتيجية الكورية التي تقتضي لعب دور اقتصادي وليس ثقافي فقط، ظهر ما يدعى “A.R.M.Y”، وهو تحويل المتابعين والمعجبين إلى “سفراء” يلعبون دورًا لاستقطاب عدد أكبر من المعجبين والمتابعين، الذين يتحدثون مع أصدقائهم عن الفرقة ومواضيع أغنياتها فضلًا عن منتجاتها الخاصة. بذلك، تصبح الفرقة، عبر جمهورها، معبرًا نحو الثقافة الكورية بكل مضامينها، بما في ذلك منتجاتها الاستهلاكية، بما يدعم في النهاية الاقتصاد التركي.

وكلمة “A.R.M.Y” هي اختصار لـ”Adorable Representative MC for Youth”. وتدل MC في ثقافة الهيب هوب على الأشخاص المسؤولين لتقديم المغنيين والتحدث نيابة عنهم على خشبة المسرح، كما أن ترجمة “Army” بالإنجليزية هي “جيش”، وبالتالي يصرح أعضاء BTS أن “الأرمي” هم جيش الفرقة و”الشباب الرائعون الذين يعبرون عن الفرقة”.

أبرار عبداللطيف، وهي طالبة في الثانوية العامة، شغوفة بالثقافة الكورية، التي جذبتها إليها الفرقة. تعتبر أبرار نفسها جزء من الأرمي، ومن خلال جيش المعجبين هذا، تسعى للتعرف إلى أصدقاء محتملين من كوريا.

تقول أبرار إن الفرقة تساعد معجبيها على “استعادة ثقتهم بأنفسهم، وتقبلها، والانطلاق نحو الحياة بروح متفائلة”، وعليه فإنها ترى أن الفرقة كانت عاملًا رئيسيًا لمساعدتها على استكمال دراستها “رغم كل المشاكل المحيطة”.

تروي لنا أبرار موقفًا يضيء على ما يعنيه “أرمي” الـBTS: عندما كانت في احتفالية ثقافية خاصة بالأنمي (الرسوم المتحركة اليابانية) حين رأت مجموعة من الفتيات يرتدون شارات الـBTS، “توجتُ إليهم. تعارفنا، وسرعان ما صرنا أصدقاء”. هكذا استطاعت الفرقة أن تخلط رابطًا مشتركًا يجمع بين ملايين الشباب حول العالم، خلفيته هي طموح كوريا الجنوبية لتصدير “نموذجها”.

بالإضافة إلى حساب BTS على المنصات الاجتماعية، للأرمي أيضًا حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، كتويتر بعدد متابعين يتجاوز الخمسة ملايين متابع.

وفي الولايات المتحدة أنشأ الأرمي منصة تجمع الكثير من المعلومات عن جماعة المعجبين. ووضعت هذه المنصة قاموسًا كاملًا خاص بالأرمي حول العالم، يعدد الألفاظ التي يستعملها أعضاء فرقة BTS، والألفاظ الشائعة بين معجبي الفرقة، وكثير منها مقتبس من الكورية.

تلفت أبرار إلى أن تعاطي أعضاء الأرمي حول العالم مع رمزيات الثقافة الكورية، ليس متطابقًا: “BTS جعلت امتزاج الثقافات شيئًا ممتعًا”.

دبلوماسية شعبية؟

يمكن القول إن القوة الناعمة أساس في الدبلوماسية الثقافية. من خلالها تعمل الدول على تعبئة مواردها الثقافية من أجل بناء آراء إيجابية وارتباطات بثقافتها وقيمها.

وتعزيز القوة الناعمة، من خلال ما يسمى بـ”الدبلوماسية الثقافية”، هو عمل مشترك بين الجهات الحكومية وغير الحكومية. يتجلى هذا في نموذج BTS، والأدوار التي تلعبها لصالح القوة الناعمة الكورية الجنوبية. في هذا الصدد، يشار إلى الإشادة التي وجهها رئيس كوريا الجنوبية، في 2019، لـBTS، ونجاح تجربتها في نشر الثقافة الكورية حول العالم.

الأرمي
يرتبط صعود BTS باستراتيجيات واضحة لدى الحكومة الكورية خاصة بالقوة الثقافية

تحقق الدبلوماسية أهدافها، عندما تنتشر المشاعر الإيجابية حول بلد وثقافتها. هذا ما تمكنت فرقة BTS من تحقيقه بدرجة كبيرة، عبر خلق روابط بين جيش معجبيها حول العالم، مصدرها جميعًا الثقافة التي انطلقت بها BTS.

لذلك تركز الفرقة على موضوعات أغانيها. يصبغها لون العالمية، فتقدم العزاء في مواجهة الصراعات الشخصية. تشجع جمهورها على حب أنفسهم، والتعبير عنها. بهذه الطريقة استطاعت الفرقة الوصول إلى المنصات بكل اللغات تقريبًا، عبر أغانٍ يمكن للجميع سماعها والشعور بأنها موجهة لهم على وجه الخصوص، عبر مجموعة من المغنيين من كوريا الجنوبية.

وهكذا لعبت BTS دورًا كبيرًا في نشر المشاعر الإيجابية نحو الثقافة الكورية المعاصرة في جميع أنحاء العالم، ليس فقط من خلال التأثير المباشر لأغانيها وموضوعاتها، لكن أيضًا من خلال أنشطة مثل دعوة المعجبين لزيارة المواقع المرتبطة بالفرقة، والزيارة السياحية بشكل عام لكوريا.

اقرأ أيضًا: أغاني المهرجانات.. ثورة الهامش

من جهة أخرى، يخلق هذا حالة انتماء قوي لـBTS بين ملايين الشباب والمراهقين حول العالم، ليس فقط كفرقة، وإنما كحالة. يمكن رؤية ذلك في التفاعل القوي لجمهور الفرقة أو “جيشها” على السوشيال ميديا، والذي كان سببًا لأن يسجل حساب الفرقة على تويتر، في 2018، رقمًا قياسيًا عالميًا لأكبر عدد مشاركات، وقد وثقته موسوعة جينيس.

أحمد ناصر

صحفي بيانات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى