ثلاثية مصر واليونان وقبرص

قمة نيقوسيا تواجه تركيا بـ"القانون والقوة"

رغم انعقاد 7 قمم جمعت قادة دول مصر واليونان وقبرص منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2014، فإن القمة الثامنة، التي عقدت الأربعاء الماضي في العاصمة القبرصية نيقوسيا بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسو تاكيس والرئيس القبرصي نيكوس أنستسياديس، شكلت منصة لإطلاق تعاون جديد في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية كافة، يختلف تمامًا عن المرحلة السابقة للدول الثلاث، ويقوم على توافر الإرادة السياسية الصلبة لدى الدول الثلاث للحفاظ على حقوقها السيادية في شرق البحر المتوسط، و”رفض استفزازات تركيا” بحق دول المنطقة.. فما دوافع الدول الثلاث للانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون؟ وما الأسس التي تعتمد عليها القاهرة وأثينا ونيقوسيا للوقوف أمام “التنمر” و”العدوانية” التركية؟

تحديات وفرص

التاريخ يؤكد أن مصر وقبرص واليونان كانت دائمًا في خندق واحد، فعندما ضاقت الحال باليونانيين رحب بهم محمد علي باشا، حاكم مصر، وفتح لهم كل الأبواب حتى أصبحت الجالية اليونانية في مصر هي الأكبر، وعندما دخلت القوات النازية اليونان تحول بيت السفير اليوناني في الزمالك بالقاهرة إلى مقر لحكومة الأحرار اليونانية حتى هُزم هتلر في نهاية الحرب العالمية الثانية.

الجالية اليونانية بالاسكندرية

 وعندما قررت فرنسا وبريطانيا سحب مرشدي السفن الأجانب من قناة السويس ردًّا على قرار الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم القناة، رفض المرشدون اليونانيون الخروج من مصر وظلوا بجوار أصدقائهم المصريين حتى نجحت عملية التأميم،  لذلك كافأهم “عبد الناصر” بعدم تأميم المستشفى اليوناني، الذي يتبع الجالية اليونانية حتى اليوم، كما أن “ناصر” كان من أوئل الزعماء الذين اعترفوا باستقلال قبرص عام 1960 وجمعته علاقات خاصة بمؤسس قبرص الحديثة، البابا مكاريوس .

وإذا كان هذا في الماضي القريب، فإن وزير الخارجية القبرصي السابق، يؤمن كاسوليدس، كان أول وزير من الاتحاد الأوربي تطأ قدماه أرض مطار القاهرة عقب ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 بأيام قليلة، كما أن اليونان هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي استقبلت الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور في يناير/كانون الثاني 2014.

زيارة عدلي منصور لليونان

هذا التاريخ المشترك بين الدول الثلاث دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي لتدشين آلية التعاون الثلاثي المشترك مع اليونان وقبرص بعد أن استشرف حجم “التحديات والفرص” التي تجمع بين مصر واليونان وقبرص، وذلك بهدف بناء “جبهة مصالح” قوية شرق المتوسط تستهدف الآتي:

1- تشكيل “قوة استقرار” شرق المتوسط مقابل “الاستفزازات التركية بحق الدول الثلاث”، وتعتمد قوة الاستقرار المصرية اليونانية القبرصية على القانون الدولي والبحث عن فرص التعاون مع الاستعداد الكامل لكل السيناريوهات التي قد يفرضها التهور التركي، فلا ننسى أن مصر واليونان وقبرص كانت من الدول التي وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1902 والتي تفرض على أي دولة في العالم تحديد “الجرف القاري” قبل البدء في البحث عن ثروات البحار، لذا رسّمت مصر الحدود البحرية أولاً مع قبرص، وبعد ذلك جاء اكتشاف حقل غاز “ظُهر”، وعلى جانب آخر فإن تركيا حتى الآن لم تحدد حدودها البحرية في البحر الأسود أو في بحر إيجه أو في شرق المتوسط، ما يؤكد الأطماع التركية في مياه الآخرين، فتركيا تنادي بما يسمى “الوطن الأزرق”، وهو السيطرة على كل المياه التي تحيط الأراضي التركية حتى لو كانت هذه المياه تتبع دولاً أخرى.

تدريبات عسكرية بالبحر المتوسط

2- تلتزم الدول الثلاث بروح ونصوص معاهدة الأمم المتحدة لتقسيم البحار لعام 1982 والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1992، وتنص على أن لكل دولة 12 ميلاً بحريًّا كمياه إقليمية و200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية خاصة، وعدم اعتراف تركيا بهذه الاتفاقية يشكل عصب المشكلات في شرق المتوسط.

3- عدم اعتراف الدول الثلاث باتفاقية ترسيم الحدود بين حكومتي السرّاج وأردوغان في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ولا تعترف بأي نتائج تترتب عليها، فالدول الثلاث ترى في اليونان دولة متشاطئة مع ليبيا وليس تركيا، ما يعني عمليًّا ووفق كل قوانين البحار، أن ترسيم الحدود الليبية يجب أن يكون مع اليونان وليس مع تركيا، وهي نفس المبادئ التي جاءت في اتفاقية ترسيم الحدود اليونانية الإيطالية في يونيو/حزيران الماضي، والتي اعترفت بوجود منطقة اقتصادية خالصة لجزيرة كريت اليونانية.

زعماء مصر وقبرص واليونان في القاهرة

4- رفض القاهرة وأثينا ونيقوسيا خطط التوسع التركي، سواء في البر والبحر، فالدول الثلاث ترفض احتلال تركيا لأجزاء من شمال العراق، الذي وصل إلى معسكر بعشيقة بعمق 130 كيلومترًا جنوب الحدود التركية قرب الموصل، كما ترفض الدول الثلاث الأوهام التركية التي تقول إن “محافظة الموصل ما هي إلا محافظة تركية”، فتركيا تضع “ليرة” في الميزانية التركية تطلق عليها “الليرة الموصلية”، لذلك تؤكد الدول الثلاث على حفظ وسلامة ووحدة دول المنطقة، ومنها العراق وسوريا وقبرص، ولذا شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال قمة نيقوسيا الأخيرة على رفض الدول الثلاث أي وجود أجنبي غير شرعي على الأراضي السورية، ورفض كل خطط “التتريك” بحق الشمال السوري، لأن ما تقوم به تركيا في شمال سوريا يتعدى مرحلة “الاحتلال” إلى مرحلة “التتريك”، حيث فتحت جامعة “غازي عنتاب” فرعا لها في شمال سوريا، ويتم التعامل بالليرة التركية بدلاً من الليرة السورية في كل المناطق التي احتلتها تركيا سواء في شمال غرب سوريا في الباب وعفرين وجرابلس وفي مناطق شمال شرق الفرات.

5- ترفض مصر واليونان وقبرص أي مساس بالاتفاقيات الثلاث التي تسعى تركيا لإلغائها، وهي اتفاقيات لوزان 1923 ومنترو 1936 وباريس 1947، لأن إلغاء أو تعديل هذه الاتفاقيات سيؤثر سلبيًّا في مصالح وحدود دول شرق المتوسط، خاصة الحدود البحرية، فأردوغان منذ عام 2011 يتحدث عن عدم صلاحية اتفاقية لوزان التي حددت الحدود التركية عام 1923، وذلك لاقتراب مرور 100 عام على توقيعها، معتبرًا أن عام 2023 هو عام الخروج من حدود اتفاقية لوزان والعودة لما يسميه “أملاك السلطان عبد الحميد الثاني في المشرق العربي وشرق المتوسط وآسيا الوسطى والبلقان والبحر الأحمر”، لذلك فالخريطة العثمانية التي تروج لها تركيا تمتد من حدود الصين شرقًا حتى البلقان والمغرب غربًا، ومن شبة جزيرة القرم شمالاً حتى إريتريا والصومال جنوبًا، كما ترفض الدول الثلاث أي تعديل في اتفاقية باريس لعام 1947 والتي قالت إن 12 جزيرة كبيرة مع نحو 3000 جزيرة صغيرة في بحر إيجه “جزر يونانية”، لأن سيطرة تركيا على أي جزيرة جديدة سيغير من علاقاتها البحرية مع دول جنوب البحر المتوسط، ومنها ليبيا.

أردوغان يلقي التحية لسفينة تركية
أوراق ثلاثية

رغم تعقيدات وتحديات شرق المتوسط، فإن مصر واليونان وقبرص استطاعت امتلاك أوراق سياسية واقتصادية وعسكرية كثيرة، ومنها :

1- اعتماد الدول الثلاث للغة “الأفعال” التي يفهما أردوغان وليس لغة الأقوال فقط، فعندما رسم الرئيس المصري “الخط الأحمر سرت – الجفرة” في ليبيا أمام القوات المدعومة من تركيا، دعمت اليونان وقبرص موقفه، كما نجحت الدول الثلاث في تعزيز ترسانتها العسكرية، وقامت بتدريبات مشتركة، وتدريبات أخرى مع دول صديقة مثل فرنسا والولايات المتحدة.

السيسي يزور المنطقة الغربية العسكرية

2- تقليص “الدور الوظيفي” لتركيا من خلال إعلان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، عن نقل بعض المعدات العسكرية لحلف الناتو من قاعدة إنجريليك التركية لقاعدة الحلف في منطقة “سودا” بجزيرة كريت اليونانية، وهي رسالة قوية من الحلف إلى تركيا بأن الحلف غير مستعد لمشاركة أوهام أردوغان في التوسع والهيمنة.

3- حققت الدول الثلاث معادلة تعاون في مجال الطاقة لا يمكن تجاوزها في شرق المتوسط، وهي اتفاقيتا ترسيم الحدود بين مصر واليونان في أغسطس/آب الماضي، وقبلها اتفاقية ترسيم الحدود المصرية القبرصية عام 2014، بالإضافة إلى إنشاء خطين لنقل الغاز شرق المتوسط، الأول من حقل أفروديت القبرصي إلى مواني إدكو ودمياط، وآخر ينطلق من السواحل المصرية إلى جزيرة كريت اليونانية ومنها للشبكة الأوروبية للغاز، ناهيك بخط الربط الكهربائي المصري الأوروبي، والذي بدأت المرحلة الأولى له بالربط الكهربائي المصري القبرصي، كل ذلك ساعد في تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، الذي تستضيفه القاهرة ويضم دولاً هامة مثل الولايات المتحدة بصفة مراقب.

4- نجحت الدول الثلاث في تحقيق “استدارة أوروبية” ضد تركيا، وتمثل ذلك في تحول كبير في موقف الدول التي كانت توصف بـ”الحمائم” عندما يجري الحديث عن تركيا، فدول مثل ألمانيا وإسبانيا باتت أكثر قناعة بأن عدم الاستقرار في شرق المتوسط سيؤثر سلبيًّا في مصالحها التنموية ومصادر الطاقة حال نجح أردوغان في فرض المعادلة التركية في شرق المتوسط، حيث شرحت مصر واليونان وقبرص لبقية دول الاتحاد الأوربي أهمية غاز شرق المتوسط لرفاهية أوروبا في ظل فرض الرئيس الأمريكي ترامب عقوبات على خط الغاز الروسي الجديد “نورد ستريم 2” والمشكلات التي تعترض الخط الأوكراني لنقل الغاز من روسيا لأوروبا بسبب الحرب في أقاليم لوجانيسك ودونباسك الأوكرانية، بالإضافة إلى إعلان كل من النرويج والجزائر خفض كميات الغاز التي ستصدرها إلى أوروبا بداية من 2021.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تحليل

د. أيمن سمير

كاتب مصري

مشاركة

نفرت ناجي

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram