ثورة "الجلوبوتكس"

"أمريكا" و"أوروبا" في مهب الاضطرابات

في كتابه “اضطرابات الجلوبوتكس.. العولمة والروبوتات ومستقبل العمل”، يعود “ريتشارد بالدوين” أستاذ الاقتصاد الدولي في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية بجنيف إلى التاريخ؛ ليحمل لنا دروسًا مستفادةً تساعدنا على التنبؤ بمستقبل التكنولوجيا الرقمية، وما قد تجلبه من تحوُّلات اجتماعية عميقة، على اعتبار أنَّ التكنولوجيا بنظره كانت ولاتزال وستظل هي مُحرِّك التغيير الاجتماعي.

كتاب “بالدوين” الذي صدر عن مطبعة أكسفورد 2019، يَخلِص إلى أنَّ التحدي الرئيسي الآن ليس فقط إيجاد وظائف بديلة لتلك التي تزحف عليها ابتكارات التكنولوجيا الرقمية، بل إيجادها بسرعةٍ كافيةٍ؛ لتقليل احتمالاتِ الاضطراب الاجتماعي؛ حيث يواجه العاملون حاليًّا في المجالات الإدارية والمكتبية، أو من يطلق عليهم اسم “ذوي الياقات البيضاء”؛ ما يشبه الاختراق من قوى “الجلوبوتكس” التي هي مزيج من تأثيرات العولمة وتطبيقات الروبوتات.

فالـ”جلوبوتكس” حسب “بالدوين”، وإنّ كانت ستخلق على المدى الطويل وظائف جديدة لأصحاب المهارات الاجتماعية القوية، وتُفضي في نهاية المطاف إلى مجتمع أكثر عدلًا، فإنَّ السرعة الاستثنائية لتحولاتها، قد تُعرِّض المجتمعات لخطر الاضطرابات الواسعة في المدى القريب، الأمر الذي بدأ يفطن إليه فعلًا علماء الاقتصاد والمبتكرون والمهتمون بدراسةِ مستقبل العمل.

التكنولوجيا مُحرِّك التغيير

يرى “بالدوين” أنه لأكثر من ألف عام اعتمدت اقتصادات الغرب، والعالم عمومًا على ما تُنتجه الأرض؛ من أجل تحصيل الرزق وأسباب العيش، إلى أن ظهرت في أوائل القرن الـ18 أول المحركات البخارية، وبدأت معها 3 قرون من الابتكار والتوسع والتطور الاقتصادي، فألغت المَيْكَنَة حينها الكثير من الوظائف المتصلة بالزراعة لكنها خلقت في الوقت نفسه مهنًا ووظائف جديدة.

وبحسب “بالدوين” فإنَّ الابتكار والنمو المتسارعين، هيأ الظروف المواتية لما سُميّ بـ”القرن الاستثنائي” “1870– 1970″، وهو القرن الذي شهِد سلسلةً متفاعلةً من الابتكارات؛ الأمر الذي حفَّز بدوره مزيدًا من النمو والابتكار وخلق مزيدًا من الوظائف وفرص العمل.

وتسبب هذا “التحوّل الكبير” والسّريع في اضطراباتٍ اجتماعيّةٍ واسعةٍ؛ فأدى التَحَضّر أو “الانتقال من الريف إلى المدينة” إلي غياب الأمن الغذائي بين الطبقات العاملة، كما أدى إلى تعميق التفاوت في الدّخول بين قطاعات المجتمع المختلفة، فتبلورت رَدَّة فعل عكسية على هذا التحوّل في النصف الأول من القرن الـ20، أخذ صيغة التطرّف السياسيّ- على سبيل المثال، الفاشية والشيوعية-، أو صيغة عدم الاستقرار الاقتصادي- كما هو الحال في أزمة الكساد الكبير-.

مع ذلك استطاعت سلسلة القوانين والبرامج الاجتماعية، التي استهدفت معالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للكساد الكبير في عهد رئاسة فرانكلين، أو ما سُميّ برأسمالية “الصفقة الجديدة”، استطاعت احتواء رَدَّة الفعل هذه عن طريق توفير شبكة أمان اجتماعية للعمال، وتدشين ما سُميّ بالـ”العقود الثلاثة المجيدة” من الازدهار الاقتصادي.

تراجع الاعتماد على العمالة البشرية في بعض الصناعات
التحول نحو الاقتصاد القائم على الخدمات

عام 1973 أطلقت الثورة في عالم الإلكترونيات، والناجمة عن تطور شرائح الكمبيوتر وقدرتها على معالجة البيانات، شرارة التحوّل نحو الاقتصاد القائم على تقديم الخدمات، في مقابل الاقتصاد القائم على التصنيع.

وبدَا أنَّ هذا التحول بحسب “بالدوين”، وكأنّه يُفرِغ المصانع من عمّالها بشكلٍ أسرع من “التحوّل الكبير”، الذي “أفرغ المزارع” من مُزارعيها من قَبل، إلا أنه مع انخفاض الطلب على العمالة في المصانع تزامن مع توسّع مُطرد في اقتصاد الخدمات.

وبحلول عام 2010 انخفضت الوظائف في قطاع التصنيع بالولايات المتحدة من 30 % إلى 10 %، حسب “بالدوين”، الذي يُرجع ذلك إلى أتمتة الوظائف التي كانت في السابق تحتاج إلى عِمالة يدوية، في وقتٍ تولت فيه الاقتصادات الناشئة مثل “الصين”، عمليّات وأنشطة التصنيع بعدما صدّرت الولايات المتحدة الدّراية التكنولوجية والتجارية إلى الخارج.

وفيما فاقم التباطؤ العالمي في النمو من الاضطراب، التي كانت قد تسببت فيه تغييرات العولمة من قبل، فإنَّ تكنولوجيا الاتصالات وفرت الفرص للمهنيين من خريجي الجامعات، على حساب غير المتعلمين تعليمًا عاليًّا أو ممن لا يمتلكون المهارات الكافية.

كما أحدث الانتقال من نموذج القيمة القائم على رأس المال إلى اقتصادات المعرفة، أثرًا أكبر مما كان مُتصورًا كما يقول “بالدوين”؛ حيث استفاد “أصحاب المعرفة” مثل شركات “أبل” و”مايكروسوفت” و”جوجل”، في حين تضرر عمال الولايات المتحدة وبريطانيا من “ذوي الياقات الزرقاء” بشكلٍ خاص؛ حين لم توفر الحكومات شبكة الحماية المناسبة لهم؛ الأمر الذي ظهر أثره في تصويت هؤلاء العمال، بشكل يوحي باستيائهم، لصالح البريكست في بريطانيا عام 2016، ثم لصالح “دونالد ترامب” في انتخابات الرئاسة الأمريكية.

الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يؤدي لأزمة في سوق العمل
الروبوتات تقود التحوّل الجديد

يرى “بالدوين” أنَّ أدمغتنا تجد صعوبةً في رصد وتتبع وتيرة تحول “الجلوبوتكس”؛ فقد تضاعفت سرعة معالجات “آي فون” التي تنتجها “أبل” بين عامي 2015 و2017، وتزايدت بسرعة قيمة استفادتنا من اتصالنا بالشبكات المعلوماتية، وأصبحت تكلفة الانضمام إليها أرخص وأرخص.

وأدى الدمج بين مكونات التكنولوجيا الرقمية المختلفة إلى تسارع أكبر في الابتكارات الجديدة؛ فـ”آي فون” مثلًا يجمع بين الاتصالات اللاسلكية والبريد الإلكتروني والخرائط والتسوق عبر الإنترنت، كما يقوم المصنعون بمجرد ظهور منتجات جديدة بإعادة دمجها في تصنيع منتجات جديدة بسرعةٍ وبدون تكلفةٍ تُذكر، والربط فيما بينها بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وسَعة عالية لمعالجة البيانات، كما هو الحال في المركبات ذاتية القيادة، فهي عبارة عن إعادة تجميع للتقنيات الموجودة، ولكن مع دمج قوة المعالجة وربوت يعمل بالذكاء الاصطناعي، ومع سرعة معالجة أسرع، تزيد فعالية وكفاءة التعلم الآلي، أو قدرة البرمجيات على تطوير أدائها بنفسها.

وبالتالي تتقدّم كلٌ من العولمة والروبوتات معًا؛ ما ينذر باختلالٍ كبيرٍ في سوق العمل، يدشن تحوّل “الجلوبوتكس”، الذي يرى الكاتب أنَّ العالم غير جاهزٍ لسرعتهِ ووتيرته أو لِما قد يُولّده من ترتيباتٍ قد يُنظر إليها باعتبارها غير عادلة.

التطور التكنولوجي أتاح التوسع في "العمل عن بعد"
"الهجرة عن بُعد" تُغيّر مستقبل العمل

ما يسُميّه “بالدوين” “المهاجرون عن بُعد” هم عمال معظمهم من “الهند” و”الصين” و”تايلاند” “عابرون للحدود” عبر الإنترنت، وقادرون على تأدية العمل نفسه، الذي يؤديه “ذوي الياقات البيضاء” في الغرب مثل المحاسبة أو البرمجة، ولكن بأجرٍ لا يمثل إلا جزءًا صغيرًا مما يتكلفه توظيف عامل أوروبي أو أمريكي.

وصار واضحًا أن الطلب على العمل المستقل يتصاعد وبسرعة شديدة الآن؛ يعمل موقع مثل “أبوورك” على توصيل العمال بأرباب العمل، ولديه 14 مليون مستخدم تقريبًا في 100 دولة.

وبرغم أنَّ اللغة الإنجليزية هي اللغة المشتركة الآن في سوق العمل المستقل، فإنَّ غيرِ النّاطقين باللغة الإنجليزية سيفسح لهم المجال؛ حيث تُغذي تطبيقات التعلُّم الآلي برامج الترجمة، فيتنافس “طوفان” من المواهب العالمية مع المتحدثين باللغة الإنجليزية؛ ما يسهم أكثر في خلطِ الأوراقِ في سوق التوظيف.

فمثلًا موظفة مجلة “وايرد” الأمريكية “إيميلي دريفوس” تعيش في “بوسطن”، لكنها تعمل عن بعد عبر ما يُسمى “روبوت حضور عن بُعد” في المقر الرئيسي لشركة “وايرد” في “سان فرانسيسكو”، وهذا الربوت، “إمبوت”، هو عبارة عن جهاز آيباد مثبت على عصا متصلة بسيجواي- مركبة شخصية ذات عجلتين- يتحرك حول المكتب، وعندما يكون “إمبوت” قيد التشغيل، تكون “إيميلي” حاضرة في الآيباد، ويمكنها المناورة بـ”إمبوت” لمقابلة الأشخاص خلال الاجتماعات.

وتساعد تطبيقات “الواقع المُعزَّز” في الدنمارك المُسعفين ورجال الإطفاء في مسرح الجريمة، فعبر استخدام هاتف ذكي أو جهاز آيباد يتواصل المُستجيب الأول مع مُحقق مسرح الجريمة عن بُعد، الذي “يرسم” الدوائر حول الأشياء الموجودة في الموقع، والتي لا يجب أن يلمسها أحد، وتساعد هذه التطبيقات أيضًا الجراحين في مناطق القتال.

لا تزال الأعمال اليدوية بحاجة إلى العنصر البشري
"الروبوتات" تزحف على وظائف "ذوي الياقات البيضاء"

يذهب “بالدوين” إلى أنه بحلول عام 2020، سيؤثر اختراق الروبوتات لميادين العمل على كل وظيفة تقريبًا من وظائف “ذوي الياقات البيضاء”؛ حيث تتمتع الروبوتات “الرَّاقية” مثل الروبوت “أميليا”، وهي موظفة الذكاء الاصطناعي في مجموعة “إس إي بي” البنكية، بميزة التعاطف التي تمكنها من مساعدة العملاء عبر الإِنترنت، أما الأتمتة الروبوتية للعمليات “الأولية البسيطة” فتقوم بعمليات المعالجة المُساندة للعمل المكتبي، الشؤون المالية وسلسلة التوريد والموارد البشرية وخدمة العملاء.

ومع ذلك سيكون تأثير المهاجرين عن بُعد، والروبوت أقل على الوظائف التي تتطلب الحضور الجسدي، مثل تلك المتعلقة بمجال الزراعة، ورعاية الأطفال، والمسوح والاستطلاعات الميدانية، حسب “بالدوين”، أما الوظائف التي يمكن إرسالها عبر الإنترنت، أي ما يُقدر بنصف كل الأعمال الإدارية والتجارية والمالية، فسيمكن تعهيدها إلى العاملين بالخارج، وهذه تمثل 30 % من الوظائف الإدارية، و60 % من الوظائف في المجالات المهنية والعلمية والتقنية وعليه، فقد تؤثر “الهجرة عن بُعد” على واحدة من كل 3 وظائف في الولايات المتحدة.

“مستقبل العمل” بالتالي بين أيدينا ويُصَنّع الآن؛ حيث يعمل نحوالي 35 % من القوى العاملة الأمريكية بشكلٍ مستقل، ويصل الرقم بين الذين تتراوح أعمارهم من 18 إلى 24 عامًا، إلى نحو 50 %، وتتلاشى هنا التسلسلات الهرمية، وتصبح هياكل الشركات أكثر مرونة، وستصبح الخدمات “عند الطلب” هي القاعدة، وكلما زاد عدد الأشخاص الذين يعملون عن بُعد، كلما تكيفت الشركات مع أماكن العمل وهياكل الفريق.

ستعاني أنشطة إدارة المكاتب، وقطاع البيع بالتجزئة، وكذلك البناء، والأمن، وإعداد الطعام، والنقل، والأدوية، والقانون، والتمويل، وحتى الصحافة، من حالات النزوح من الأتمتة الروبوتية للعمل؛ فبمجرد إحلالِ وتنزيلِ تلك الأنظمة في مواضع التشغيل أو الخدمة لن تعود تكلف شيئًا.

وعلى الرغم من أنَّ الكاتب يرى أنَّ وظائف جديدةً، وخاصة في مجال التقنيات الرقمية، سوف تحلّ محل الوظائف المختفية، لكنه غير متأكد من التسارع المناسب للحيلولة دون الاضطرابات الاجتماعية؟

احتجاجات عمالية ضد العولمة في ظل تراجع الأمان الوظيفي
"الجلوبوتكس" وازدياد معدلات اللا مساواة

يؤكد “بالدوين” أنّه غالبًا ما يكون ربح الاستغناء عن الوظائف أيسر من ربح خلقها؛ حيث يتجه معظم البحث والتطوير في الشركات إلى تحسين التكنولوجيا، وليس إلى توسيع قطاع التكنولوجيا نفسه اللازم لخلق وظائف جديدة.

بَيدَ أنَّ هناك إمكانيةً لظهور فئةٍ جديدةٍ من “شبه المحترفين”، فمن شأن ما يُسمى بـ”المساعدين الرقميين” زيادة انخراط عدد الأشخاص الأقل حظًا في التعليم، وفي الطب والقانون والتمويل، لكن هذا لن يُنهيَ بسرعة خلط الأوراق، التي تحدثها “الجلوبوتكس” في سوق القوى العاملة العالميّة.

فلعقود اتبعت البلدان الصناعية شديدة التنافس سياسة “المشاركة والرعاية”، وهي السياسة التي حمت العمال الأقل قدرة على المنافسة من أن يكون ما يتلقونه من أجورٍ أقل بدرجة غير مقبولة مما يتلقاه نظرائهم الأكثر قدرة على المنافسة.

هؤلاء العمال “المحميون” يتعرضون الآن لخطر فقدان حمايتهم بسبب “الجلوبوتكس”؛ حيث تُرسخ اللا مساواة في الأجور، فضلًا عن تراجع الأمن الوظيفي بفعل تسلل الذكاء الاصطناعي، حتي في ظلِّ ثبات عدد الوظائف، الأمر الذي بدوره يترك أثره على الاقتصاد الأمريكي.

فتطبيقات الروبوتات، بحسب الكاتب “لا تلعب هنا بنزاهة”، فهم يعملون على مدار 24 ساعة في اليوم، ولا يطلبون استراحة غداء ولا يحتاجون إلى مزايا أو إلى رواتبٍ، وهذا بالتأكيد يُنذر بالسوء بالنسبة للعمال الأمريكيين، الذين واجهوا عقودًا من الخفض في شبكة الأمان الاجتماعي وتركيز الثروة بين شريحة الـ1 % في المجتمع، فلا عجب والحال هذه بحسب الكاتب أن الشعبوية في حالة صعود.

ورغم ذلك لم تُثير الاحتجاجات ضد العولمة في أواخر التسعينات ثورةً عالميّةً، ولكن مع تعرّض وظائف ذوي الياقات “الزرقاء” و”البيضاء” معًا للخطر، يمكن أن تصبح الاضطرابات أكبر بكثير، وقد تستهدف رَدَّة الفعل العكسية القوية الشركات التي حققت ثرواتها مستفيدة من بيانات الأشخاص، مثل “فيسبوك” و”جوجل”؛ إذ ستكون مطالبةً بتعويض الناس عن بياناتهم.

دعوات لحماية العمال من التسريح في مواجهة "الجلوبوتكس"
"الجلوبوتكس" وحاجة العمال إلى الحماية

يورد “بالدوين” استطلاعًا للرأي في أمريكا عام 2017 حول تطبيق لوائح تُقيد من الأتمتة في أماكن العمل، وأبدى 60 % تقريبًا من عينة الاستطلاع تفضيلهم لتقييد الأتمتة، وفي المملكة المتحدة، احتج سائقو سيارات الأجرة على توغل نشاط شركة “أوبر”، واشتكوا من أنها تتمتع بميزة تكنولوجية غير عادلة؛ ما جعلهم في وضعٍ غير مناسب أو ملائم للاستمرار، وفي الاتحاد الأوروبي، ازداد الخوف؛ ما يُسمى بـ”الإغراق الاجتماعي”، الذي يسمح للعاملين ذوي الأجور المنخفضة القادمين من البلدان الفقيرة بالتنافس مع العمالة المحلية ذات الأجور الأعلى، بعد الركود العالمي عام 2008.

ويرى الكاتب أهمية تبنى قدرٍ من “الحمائية”؛ لإبطاء حركة ووجهة “الجلوبوتكس”، مثل سنِّ اللوائح لجعل تسريح العمال أكثر تكلفة وأكثر صعوبة، وذلك لتقليل أعباء التغيير والتحول المفاجئ، وذلك على اعتبار أن تكلفة السماح للاستياء بالنمو وتجاهل تنامي التوجهات السياسية المتطرفة، الناجمين عن تأثيرات “الجلوبوتكس”، قد لا تُعادل تكلفة إبطاء التقدّم أو التحوّل، فالمجتمع يحتاج إلي فترة كي يتمكن من التكيّف مع التحول إلى “الجلوبوتكس”؛ وهو التحول الذي سيكون من شأنه في نهاية المطاف جعل العالم أكثر إنسانيةً.

“بالدوين” يؤكد أن الوتيرة الحالية لتطور تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تُظهر أنَّ الوظائف التي تستلزم مهارات “الإدراك الاجتماعي”، هي الوظائف التي سيظل الطلب عليها مرتفعًا؛ حيث الأولوية فيها للتفاوض والإقناع، وهي المهارات نفسها التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي الاضطلاع بها إلى الآن، ولا توجد مؤشرات على أنه سيستطيع ذلك قريبًا على الأقل.

فالذكاء الاصطناعي يتفوق في معالجة البيانات، ولكن لا يمكنه مثلًا أن يشرح بشكلٍ موثوق: لماذا يصل إلى نتائج معينة دون أخرى؟ فهو أساسًا يقدم تخمينات وقراراتٍ تستند إلى البحث عن تكرارات في البيانات التي يُعالجها؛ فيمكن لتطبيقاته قراءة الملايين من فحوص الأشعة الطبية وتوفير تخمينات سليمة في تشخيص السرطان، ولكن لا يمكنه أن يحلَّ محل الطبيب؛ حيث لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تحمل المسؤولية الشخصية إذا وقع خطأً فادحًا مثلًا.

وبمحاولة البحث عن طبيعة الوظائف في سوق العمل التي لن تطالها الأتمتة قريبًا، نجد منها وظائف ستظل محمية لفترة طويلة مُقبلة، وهي تغطي مجالات في الإدارة، والتعليم، والعلوم، والتقنية، والإعلام، والفنون، والترفيه، والحكومة، والمرافق.

يعمل الذكاء الاصطناعي على تخفيف العبء البشري لمعالجة البيانات
هل ستُغيّر المجتمع إلى الأفضل في النهاية؟

يشير “بالدوين” إلى أن الموظفين في الغرب لا يمكنهم التنافس مع الروبوتات، التي تعمل عمليًّا بلا راتب وبلا مقابلٍ مباشر، ولا مع “المهاجرين عن بُعد”، الذين يعملون براتب أقل، لكن هذا لن يَحولَّ دون إمكانية ظهور أنواع جديدة بديلة من الوظائف لم تكن موجودة من قبل، على اعتبار أن قدرة البشر على الابتكار ستظلّ بلا حدودٍ؛ فالتحولان السابقان: تحوّل التصنيع وتحوّل الخدمات، قادا المجتمعات إلى الرخاء، ولا شك أن مجتمعاتنا ستحقق الرخاء في نهاية المطاف من تحوّل “الجلوبوتكس”.

ففي الوظائف التي تستلزم معالجة كميات ضخمة من البيانات؛ سيعمل الذكاء الاصطناعي بشكل جيد على تخفيف العبء البشري لمعالجة هذه البيانات وبتكاليف بسيطة، أقل حتى من تكلفة “المهاجر عن بُعد”، وبتخفيف هذا العبء سيصبح متاحًا لأصحاب الوظائف المكتبية والإدارية، التركيز على ما لا يمكن أن يقوم به الذكاء الاصطناعي، مثل التعامل مع المشكلات الاستثنائية والبحث عن حلول إبداعية لها.

وبالتالي سيرتفع الطلب على الوظائف التي تتطلب تفاعلات وجهًا لوجه، بينما ستتولى الأتمتة إنجاز المهن التي تحددها إجراءاتٍ محددة ومعروفة، كما ستسهل “الجلوبوتكس” في إنتاج وتوزيع المنتجات والخدمات الأرخص، بما سيسهم في ازدياد ثروات كثيرٍ من الناس.

لكن سيكون على أي مجتمع اعتماد اللوائح والسياسات الضرورية لحماية العمال والوظائف التي تستلزم حسًا وإدراكًا اجتماعيًّا.

فالاضطراب أمر لا مفر منه في التحوّل التكنولوجي السريع والجذري، و رَدَّة الفعل العكسية القوية لا مهرب منها أيضًا، لكن ليس بالضرورة أن تكون النتيجة هي التطرف، خاصةً إذا استطاع المجتمع فعلًا التكيّف مع تحوّل “الجلوبوتوكس” المتفرَّد في سرعته وآثارها وديناميكيته.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
قصة
فداء أشرف

صحفي مصري

مشاركة
أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search