جائحة كورونا

التاريخ يكتبه المنتصرون

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كسقوط جدار برلين، أو انهيار بنك “ليمان برذارز” الذي تسبب في الأزمة المالية العالمية سنة 2008، يمكن اعتبار وباء كوفيد-19 (كورونا المستجد) حدثًا سيُغير وجه العالم، ويمكننا اليوم فقط أن نتخيل جزءًا من هذا التغيير.

فكما عطل “كورونا” الحياة، ودمر الأسواق المالية؛ فإنه من المؤكد سيؤدي إلى تغييرٍ دائمٍ في موازين القوة السياسية والاقتصادية، ولن يظهر هذا التغيير إلا لاحقًا.

ولاستشراف مستقبل العالم بعد كورونا، ورسم صورة للمتغيرات التي ستحدث، طلبت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية من 12 خبيرًا بارزًا أن يدونوا توقعاتهم للنظام العالمي، بعد انتهاء أزمة كورونا.

عالم أقل حريةً وانفتاحًا وازدهارًا
ستفين والت

يرى البروفيسور “ستفين والت” -أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد- أن العالم سيصبح أقل حريةً وانفتاحًا وازدهارًا، وستصبح الدول أكثر سيطرةً وقوةً، وستتعزز الاتجاهات القومية.

سيسرع وباء كورونا -وفقًا لرؤية “والت”- من تحول التأثير والقوة من الغرب للشرق، خاصةً بعد أن أجادت حكومات -مثل: كوريا الجنوبية، وسنغافورة- التعامل مع الأزمة، وتمكنت الصين من تصحيح أخطائها المبكرة، وإدارة الأزمة بصورة جيدة. في المقابل، كانت الإجراءات في أوروبا وأمريكا بطيئة وعشوائية، وهو ما يُقلل من شأن “النموذج الغربي”.

ما لن يتغير في السياسة العالمية هو طبيعتها المتضاربة، إذ لم تُنهِ الأوبئةُ المختلفة، بما فيها وباء الإنفلونزا الإسبانية الذي تفشى خلال عامي 1918 و1919، من التنافس بين الدول، لكن بالطبع ستتراجع العولمة بصورتها الحالية، خاصةً أن المواطنين سيتطلعون للحكومات المحلية لحمايتهم، كما ستسعى الحكومات والشركات التجارية لتقليل نقاط ضعفها في المستقبل.

انهيار العولمة التقليدية وصعود النموذج الصيني
روبين نيبلت

يتفق “روبين نيبلت” -المدير والرئيس التنفيذي للمعهد الملكي البريطاني للشئون الدولية “تشاثام هاوس”- مع “ستيفن والت” في أن وباء كورونا كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، متوقعًا أن يؤدي لانهيار العولمة الاقتصادية بصورتها المعروفة، وبالتالي فبدون وجود ضمانة حقيقية لتقاسم مكاسب التكامل الاقتصادي فلن يعود العالم إلى فكرة العولمة المبنية على المصالح المشتركة.

ويتوقع مدير “تشاثام هاوس” أن يجبر فيروس كورونا الحكومات والشركات والمجتمعات على تقوية قدراتها الذاتية لتحمل فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية، وبالطبع فإن القادة السياسيين الذين سينجحون في إدارة أزمة كورونا سيحصلون على بعض “الرصيد السياسي”، بينما لن يجد القادة الفاشلون “شماعة” لتعليق أخطائهم.

سيساهم فيروس كورونا في تسريع التحول الذي بدأ بالفعل من العولمة الأمريكية إلى العولمة الصينية، بحسب “كيشور محبوباني” الباحث في معهد آسيا للدراسات بجامعة سنغافورة الوطنية. وسيستمر هذا التحول، سواءً وُجد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على رأس السلطة أم لا، إذ إن الشعب الأمريكي فَقَدَ ثقته في فكرة العولمة الاقتصادية، بينما لا يزال الشعب الصيني واثقًا في تلك الفكرة بعد الخبرة التي اكتسبها نتيجة الانفجار المعرفي، ومنفتحًا على المنافسة في أي مكان.

مرحلة جديدة للرأسمالية العالمية.. أرباح أقل واستقرار أكبر
شانون أونيل

تعتبر البروفيسورة “شانون أونيل”، أن انتشار كورونا قوض المبادئ الأساسية للتصنيع، وبالتالي فإن الشركات التجارية ستُعيد التفكير، وستقلل سلاسل الإمداد الطويلة الممتدة في عدة بلدان تهيمن حاليًّا على عملية الإنتاج.

قبل انتشار الفيروس، تعرضت سلاسل الإمداد لعدة انتقادات، خاصةً بعد ارتفاع تكلفة العمالة الصينية، والحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأمريكي، إضافةً إلى زيادة الاعتماد على الروبوتات والأتمتة والطباعة ثلاثية الأبعاد، وفقدان الوظائف المنتشر خاصةً في ظل الاقتصادات الناشئة.

وعلى الناحية الأخرى، فإن الشركات ستطلب معرفة المزيد عن مصادر إمداداتها، كما ستجبر الحكومات الصناعات الاستراتيجية على إيجاد خطط وبدائل محلية، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض الربح لكن زيادة الاستقرار.

توضح “لوري جاريت” -الكاتبة العلمية الحاصلة على جائزة بوليترز، والباحثة السابقة في مجال الصحة العالمية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي- أن الصدمة الأساسية للنظام المالي والاقتصادي العالمي هي معرفة أن سلاسل الإمداد والتوزيع معرضة للتحطم والتعطل، وبالتالي فإن وباء كورونا سيؤدي إلى تغيرات جوهرية في بنية النظام الاقتصادي العالمي.

سمحت العولمة للشركات بمدّ جذور عملية التصنيع في مختلف أنحاء العالم، مع الالتزام بتوريد المنتجات إلى الأسواق في الوقت المناسب، وهو ما ساهم في تقليل التكلفة وزيادة الربح؛ لكن فيروس كورونا أثبت أن مسببات الأمراض لن تصيب البشر فحسب، بل يمكنها أن تُصيب نظام التصنيع أيضًا، وبالتالي فإن الشركات ستعيد التفكير في نظام التصنيع والتوريد، وهو ما سيؤدي إلى تغيرات دراماتيكية في الرأسمالية العالمية، بحيث ستكون سلاسل الإمداد قريبة من المصانع، وبالتالي فإن ربح الشركات سيقل، لكن النظام بأكمله سيصبح أكثر استقرارًا.

رب ضارة نافعة
شفيشنكر مينون

يُشدد “شفيشنكر مينون” -المستشار السابق للأمن القومي الهندي، والزميل الحالي لمعهد بروكينجز- على أن وباء كورونا ليس نهاية العالم المترابط، بل إنه قد تكون له عدة فوائد، وإن كان من المبكر الحكم على النتائج.

يتابع: “سيغير وباء كورونا من سياسة الدول، ومن سياستنا تجاه بعضنا، بينما سيؤدي النجاح في التغلب على الفيروس إلى تقليص أو تنامي القضايا الأمنية، والاستقطاب المجتمعي”.

ويردف: “ربما يكون فيروس كورونا مفيدًا في أنه أعاد توجيهنا إلى التعاون المشترك في مواجهة المشكلات الكبرى التي تواجهنا، كما فعلت الهند عندما دعت إلى “قمة بالفيديو” لجميع قادة جنوب آسيا للتصدي لتهديد الفيروس”.

سقوط "أمريكا" في اختبار "قيادة العالم"
جوزيف ناي

في عام 2017، أعلن الرئيس الأمريكي استراتيجية جديدة للأمن القومي الأمريكي تعتمد على التنافس مع القوى العظمى، لكن فيروس كورونا أثبت فشل الاستراتيجية الأمريكية، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع حماية أمنها عبر التصرف منفردًة. بحسب البروفيسور بجامعة هارفارد “جوزيف ناي”.

يُكمل: “كما لخص ريتشارد دانزينج المشكلة في 2018، فإن تقنيات القرن الحادي والعشرين عالمية في توزيعها ومشكلاتها، إذ يمكن أن تتحول مشكلات مثل: مسببات الأمراض، وفيروسات الكمبيوتر، والإشعاعات التي قد تطلق عن غير قصد، لتصير مشكلتنا كما هي مشكلة الدول الأخرى. لذا ينبغي متابعة التقارير، وخطط الطوارئ المشتركة، والمعايير والمعاهدات، كوسيلة لحفظ الأمن”.

تؤكد “كوري شاك” -نائبة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بالولايات المتحدة- أن أمريكا فشلت في اختبار قيادة العالم، بسبب الانكفاء على الذات، وانعدم الكفاءة الفادح.

تضيف: “كان بمقدور الولايات المتحدة أن تساهم في تقليل الآثار السلبية للوباء عبر زيادة مساهمة المنظمات الدولية في تقديم المعلومات الضرورية، وكان هذا من الممكن أن يعطي الحكومات وقتًا للإعداد وتوجيه الموارد حين الحاجة إليها، لكن أمريكا لم تفعل”.

الديمقراطيات والخروج من القوقعة
جون إكنبيري

خلال المدى القصير، سيؤدي “كورونا” إلى تحفيز النزعات القومية المعادية للأممية، كما سيتسبب الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن الوباء في التحول نحو القومية، وذلك وفقًا لرؤية البروفيسور “جون إكنبيري” أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برينستون.

وقد يتسبب هذا التأثير في خروج الديمقراطيات الأمريكية والغربية من قوقعتها للبحث عن نوع جديد من الأممية، أكثر نفعية وحمائية.

مزيد من الدول الفاشلة
ريتشارد هاس

بحسب رئيس مجلس العلاقات الخارجية “ريتشارد هاس”، فإن تأثيرات وباء كورونا ستجبر الدول على الانكفاء نحو الداخل، وبالتالي من الممكن أن يجعل العديد من الدول تتجه إلى الاكتفاء الذاتي الانتقائي، ومعارضة الهجرة على نطاق واسع، والتركيز على إعادة البناء بدلًا من الانشغال بالشئون الخارجية.

ويتوقع “هاس” أن تعاني العديد من البلدان في التعافي من الأزمة، وأن تزيد نسبة الدول الفاشلة، كما سيضعف التكامل الأوروبي، وستزداد التوترات بين الولايات المتحدة والصين.

التاريخ يكتبه المنتصرون على كورونا
جون ألن

“كما كان دومًا، فإن التاريخ سيكتبه المنتصرون على كورونا”.. بهذه الكلمات بدأ الجنرال “جون ألن” -رئيس مركز بروكينجز الحالي، وقائد القوات الأمريكية في أفغانستان سابقًا- استشرافه لمستقبل العالم بعد أزمة كورونا.

من منظوره فإن فيروس كورونا سيقوم بتعديل هياكل القوى الدولية بصورة لا نتخيلها، كما سيؤدي إلى انخفاض النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر بين البلدان، ومن المتوقع أن يقلل الفيروس من القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي، خاصةً إذا أُغلقت الشركات وسُرّح العاملون فيها، وسيزيد خطر التفكك في الدول النامية وغيرها ممن لديها عمال معرضون للتأثيرات الاقتصادية، وبالتالي سيعاني النظام العالمي من ضغوط كبيرة.

في كل دولة.. نرى قوة الروح الإنسانية
نيكولاس بيرنز

يعتقد “نيكولاس بيرنز” -وكيل وزارة الخارجية الأمريكي السابق للشئون السياسية- أن وباء كورونا كشف عن قوة الروح الإنسانية للأطباء والممرضات والقادة السياسيين والأشخاص العاديين الذين يمنحون الأمل للفوز بهذا التحدي الذي يواجه البشرية.

تقرير

فورين بوليسي

مشاركة

أحمد سلطان

ترجمة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram