جائحة كورونا

طريق العدوى مملوء بـ"البصاق"

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

بحرص شديد خرجت “مروة جلال”، من منزلها لشراء الخبز مرتديةً قفازات وقناعًا طبيًّا خشية التقاط عدوى فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ونقل العدوى لوالدتها المسنة وطفليها.

عندما اقتربت “مروة” من المخبز أبصرت شابًّا يقود سيارةً فارهةً، ويرتدي قفازات طبية وكمامة، وفجأةً أنزل الشاب الكمامة، وبصق في الشارع أمام المارة قبل أن يعيد كمامته إلى وجهه ويواصل القيادة.

شعرت “مروة” بالقرف الشديد، وهمت أن تترك المكان لولا احتياجها لشراء الخبز، وعندما حصلت عليه، انصرفت وهي تراقب خطواتها كي لا تتعثر في بصاق ذاك الشخص أو غيره، بينما ظل السؤال العالق في ذهنها: هل يمكن أن يؤدي البصاق المتناثر في الشوارع إلى نقل عدوى فيروس كورونا المستجد؟

عادة غير صحية

بينما كانت “مروة” تنشغل بالبحث عن إجابة لتساؤلها الذي استحوذ عليها، كان الشاب يمضي في طريقه دون أن يدري أن فعلته قد تتسبب في إيذاء آخرين.

لم يكن تصرف الشاب سوى عادة من العادات غير الصحية الشائعة في أوساط بعض المصريين من مختلف الطبقات والمستويات، الذين يمارسونها دون تفكير، لا سيما في فصل الشتاء حين تزداد معدلات الإصابة بنزلات البرد والأنفلونزا وغيرها من الأمراض المرتبطة بفصل الشتاء.

بعد وصولها للمنزل، بحثت مروة عبر شبكة الإنترنت على جواب للتساؤل الذي دار بذهنها، لكن ما وجدته ضاعف نقمتها على عادة البصق.

انتقال فيروس كورونا بـ"البصاق"

طالعت “مروة” عدة مقاطع مرئية منشورة على شبكة الإنترنت، ودراسات حديثة أجرتها عدة مراكز بحثية، تشير إلى أن فيروس كورونا المستجد قد ينتقل عن طريق بصاق الشخص المصاب بالفيروس.

“يمكن أن يكون البصق مصدرًا لنقل عدوى فيروس كورونا المستجد، لأن بصاق المصاب بـ(الكوفيد-19) يحتوي على الفيروس”.. بهذه الكلمات تحدث الدكتور “أمجد الخولي”، استشاري الوبائيات في منظمة الصحة العالمية، عن خطورة البصق في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد.

يُضيف “الخولي” لـ”ذات مصر” أن بصق المصاب بالفيروس في مكانٍ ما يعني أن الفيروس قد انتقل إلى المكان، وبالتالي يحتمل أن تنتقل العدوى إلى أي شخص يتلامس معه، لافتًا إلى أن البصق على الأرض يزيد من خطر انتقال الأمراض التنفسية التي تنتقل عبر قطيرات الجسم المصاب.

منذ تفشي فيروس كورونا المستجد بمدينة ووهان الصينية، لجأ بعض المصابين للبصق المتعمد (كنوع من الانتقام) على العاملين في مجال الرعاية الصحية، والمصاعد والأزرار لنقل الفيروس، حسب تقرير نشرته صحيفة ديلي ميل البريطانية.

وفي واقعة أخرى، أقدم عامل بأحد محال السوبر ماركت بالسعودية على البصق على عربات التسوق، لتكتشف السلطات لاحقًا أنه حامل للفيروس ويسعى لنقله من خلال هذه العادة السيئة.

كورونا.. من التراب للهواء

يكشف الدكتور “فايد عطية”، أستاذ مساعد الفيروسات والمناعة بمدينة الأبحاث العلمية في مصر، وكلية الطب بجامعة شانتو في الصين، أن لعاب ومخاط المصاب بفيروس (كوفيد-19) يحتويان على الفيروس رغم الاختلاف بينهما. 

يقول “عطية” إن خطر انتقال فيروس كورونا المستجد عن طريق البصاق، يزيد في فصل الشتاء، ومع ذلك فإن دخول فصل الصيف لا يحد من هذا الخطر. مضيفًا أنه إذا جف البصاق وتطاير في الهواء، وهو محمل بفيروس كورونا أو أي فيروس أو بكتيريا أخرى، فقد يسبب الإصابة بالعدوى.

بينما تؤكد دراسة حديثة أجراها فريق بحثي من جامعة نبراسكا الأمريكية أن فيروس كورونا المستجد، يمكن أن ينتقل عن طريق الهواء؛ إذ رصد الباحثون وجودًا للفيروس في هواء غرف المرضى الذين تعافوا من كورونا، وممرات المستشفيات التي كانوا بها.

ويضيف الدكتور “فايد عطية” أنه إذا علق البصاق بحذاء الشخص، أو بملابسه، فقد يؤدي حتمًا إلى الإصابة بفيروس كورونا المستجد، كما أن الحيوانات قد تتسبب في نقله لمربيها إذا انتقلت إلى الشارع ولامست بصاقًا لمصاب بالفيروس.

ويشير الأستاذ بكلية الطب جامعة شانتو الصينية إلى أنه لم يتم التحقق -حتى الآن- من إمكانية انتقال فيروس كورونا المستجد من الإنسان إلى الحيوان أو العكس، لكن مؤخرًا نشرت دورية نيتشر العلمية ذائعة الصيت أن القطط قد تنقل الفيروس للإنسان، بينما اكتُشفت حالة لسيدة في هونج كونج نُقل إليها الفيروس عن طريق كلب، مشددًا على إبقاء الحيوانات في المنزل خلال الفترة الحالية.

ويلمح “عطية” إلى أن فيروس (كوفيد-19) عنيف للغاية، مردفًا أن دراسة علمية حديثة أثبتت أن فيروس (كوفيد-19) يبقى في ذرات الهواء من 3 إلى 4 ساعات، بينما ذكرت دراسات أخرى أنه قد يمكث في الهواء لمدة 9 ساعات، وقد ينتقل لمسافة تصل إلى 9 أمتار، وهو ما يرفع احتمالية نقل الفيروس عن طريق البصق.

أضرار أخرى للبصق

يوضح الدكتور “عماد حمدي”، الخبير البيئي، أن خطورة البصق تكمن في احتوائه على البكتيريا أو الفيروسات المختلفة التي قد تنتقل للحيوانات والإنسان على حد سواء، وبالتالي فإنه وسيلة مباشرة من وسائل نقل العدوى المختلفة. 

ويضيف “حمدي” أن نسبة من المصابين بمرض الدرن الذين يتم حجزهم بمستشفيات الصدر، تنتقل لهم الإصابة عن طريق بصاق المصابين بالمرض، رغم أن مصر أصبحت خالية من الدرن بنسبة 95% وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية.

وتشرح الدكتورة جين إي أبرامز الباحثة في جامعة دنفر الأمريكية أنها رصدت في بحث أجرته تأثير البصق في انتقال البكتيريا المسببة لمرض السل، مؤكدةً أن البصق يعتبر السبب الرئيسي لنقل هذا المرض، وهو الأمر الذي دفع السلطات الأمريكية لإطلاق حملات لمكافحة البصق للحد من انتقال العدوى عن طريق البلغم.

بين التحريم الشرعي والوعي المجتمعي

حرمت أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، البصق في الطرقات والأماكن العامة في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد، استنادًا لقاعدة مستمدة من الشريعة الإسلامية تنص على أنه “لا ضرر ولا ضرار”، بينما أجازته في غير هذه الحالة. 

فقد أفتى الشيخ “سيد زايد”، عضو لجنة الفتوى بالأزهر، بتحريم البصق في الأماكن العامة. مضيفًا أن الإسلام دين النظافة، والقاعدة الشرعية تقوم على تحريم الضرر، وأن الشخص الذي يبصق على الأرض يتسبب في أذى لنفسه وغيره، والله في القرآن الكريم يقول: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”. 

وفي سياق متصل، تقول الدكتورة “نهى صلاح”، أخصائي الصحة العامة بقطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة المصرية، إن القطاع قدم بالفعل توصياته بضرورة التوعية ضد عادة البصق على الأرض؛ لكونه عادة ضارة ووسيلة لنقل العدوى بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، إضافةً لأنواع عدة من البكتيريا والفيروسات المسببة لأمراض الجهاز التنفسي.

وتضيف “صلاح” لـ”ذات مصر” أن البصاق تزداد خطورته وإمكانية تسببه في نقل العدوى مع زيادة حرارة الجو، لأن الماء يتبخر سريعًا بفعل الحرارة، وتظل البكتيريا أو الفيروسات موجودة، لذا أوصى قطاع الطب الوقائي عمال النظافة بعدم كنس التراب بالطريقة التقليدية لأنها تساعد على نشر مسببات العدوى التي قد تلتصق بالأحذية أو الملابس أو الشعر، وهذا بخلاف التأثير السلبي لتحريك التراب على مرضى الحساسية.

وتؤكد أخصائية الطب الوقائي أن عادة البصق على الأرض لها أثرها البيئي السيئ على المدى الطويل وليس الصحي فقط؛ لأن البكتيريا تظل موجودة لفترة طويلة.

وترفض “صلاح” تجريمَ “البصق” قانونيًّا، داعيةً لنشر الوعي في الأوساط المختلفة لوقف هذه العادة، لا سيما بين الرجال الذين يعتبرها بعضهم أمرًا عاديًّا، والمدخنين بشكل خاص، معتبرةً أن مردود حملات التوعية سيكون أفضل.

وتردف الدكتورة “نهى صلاح” أن قطاع الطب الوقائي يقدم توصيات دائمة لعمل توعيات ضد عادة البصق على الأرض، خاصةً مع بداية موسم الأنفلونزا الموسمية، وخلال فصلي الربيع، مشيرةً إلى أن مناعة الأشخاص ليست واحدة وتختلف حسب مكان ومدة التعرض للملوثات؛ لذلك كل الإجراءات الصحية يجب الالتزام بها في كل وقت وليس بسبب جائحة كورونا فقط.

بينما يدعو الدكتور “أمجد الخولي”، والدكتور “عماد حمدي” للتوقف عن البصق على الأرض، واستخدام المناديل الورقية لمرة واحدة في حالة البصق، والتخلص منها بصورة سليمة بعد ذلك، لضمان قطع الطريق أمام تفشي فيروس كورونا المستجد، كما يعتقد الأطباء أنه يمكن البناء على الأزمة الحالية للقضاء على عادة البصق الخاطئة التي لطالما شوهت الشوارع والأماكن العامة، وتسببت في ضرر للعديد من الأشخاص.

قصة

علياء أبو شهبة

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك وروسم

Start typing and press Enter to search