جائحة كورونا

فصل جديد في مشهد حرب أمريكا وطالبان

تزامن وصول الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان الإسلامية “المتشددة” إلى رسم ملامح اتفاق سياسي يهدف لوقف القتال الدائر في أفغانستان، في مطلع العام الجاري، مع ظهور فيروس (كوفيد-19) انطلاقًا من مقاطعة “ووهان” الصينية. ومع متوالية الأحداث، زلزلت جائحة كورونا أعمدة المشهد العالمي، وأحدثت تحولًا كبيرًا طال البِنَى السياسية والاجتماعية وغيرهما، ولا تزال تأثيراته سائرة حتى اللحظة، فضلًا عن التغيّر الذي بات يمهد لتبدل مرتقب في خارطة التحالفات والاصطفافات السياسية والأمنية والعسكرية في العالم أجمع. وبطبيعة الحال قد يطال أفغانستان جزءٌ من هذا التغير والتحول، ما عزّز فرضية أن تكون كابول على مشارف مرحلة جديدة على هامش الجائحة الكورونية. 

وفد محادثات السلام الطالباني مع أمريكا

انعكاسًا لذلك، أصبح الحديث عن تحول كورونا إلى فاعل سياسي من شأنه أن يعجّل من سير محادثات السلام، والمضيّ قدمًا نحو تطبيق بنوده، التي يقف على رأسها انسحاب القوى العسكرية الغربية -خاصة الأمريكية- من البلاد بوتيرة أسرع مما عليه في ظرف مغاير، عززته سياقات اللحظة الراهنة القائمة، ما يعني الاقتراب من حصول حركة طالبان -بعد ثمانية عشر عامًا من تاريخ الحرب الأمريكية، وصراعها معها على الأرض الأفغانية- على الشرعية والقبول الدوليين.

يجعلنا ذلك على أعتاب مرحلة تدشن لواقع جديد تعاود من خلاله حركة طالبان تموضعها، وتنتقل من خانة المعارضة المسلحة “المنبوذة” إلى التماهي مع الدولة الأفغانية بصيغ لم يُكشف عنها بعد، ولا تزال مثار جدل حتى اللحظة. إلا أن ما يمكن تلمّسه في الوقت الراهن هو التحول الذي ستشهده حركة طالبان مستقبلًا بعد أن أصبحت جزءًا هامًّا من صيرورة الحياة ومصير الدولة الأفغانية المعاصرة بعد انتقالها من الهامش إلى المتن.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

 الغزو الأمريكي لأفغانستان وطالبان

لم تتردد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون في الإسراع إلى تسديد ضرباتهم الموجعة لحركة طالبان وتنظيم القاعدة، الذي كانت الحركة تحتضن مقاتليه وعلى رأسهم “أسامة بن لادن” الذي رفضت تسليمه لها، ردًّا على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 عقب إعلان التنظيم مسئوليته عنها. وبالفعل، أطاحت واشنطن بحكم طالبان الذي كان قائمًا منذ عام 1996، وحينذاك صرح الرئيس الأمريكي السابق “جورج دبليو بوش” بقوله: “إن المهمة الأمريكية تمثّلت في تعطيل استخدام أفغانستان كقاعدة عمليات إرهابية ومهاجمة القدرة العسكرية لنظام طالبان”(1).

جانب من عمليات القوات الأمريكية في أفغانستان

لم تصمد حركة طالبان طويلًا أمام الثقل العسكري الأمريكي مع اختلال موازين القوى بينهما، والبون الشاسع في قدراتهم العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتقهقرت قدرات طالبان العسكرية التقليدية، ما جعلها تنسحب وتفر نحو “باكستان”، وانتقلت الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك إلى تدشين مرحلة “ما بعد طالبان”، وقامت بتعيين حكومة موالية لها في كابول عام 2004 تحت تصرفها وقيد إمرتها. ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا أعلنت طالبان عدم قبولها بمجريات الأحداث على الأرض، وشنت من جهةٍ حروب عصابات ضد القوات الأمريكية الغازية وحلفائها الغربيين (حلف شمال الأطلسي) المتواجدين على الأرض الأفغانية، ومن جهة أخرى ضد القيادة السياسية الأفغانية الجديدة وتمثلاتها الأمنية والعسكرية(2).

تشابَهَ وقع الحرب الجديدة “الأمريكية” على الأفغان مع ما عايشوه إبان الغزو السوفيتي من مكابدة ومعاناة جراء الغزو والاحتلال، بعد أن بقيت البلاد حبيسة التجارب السياسية البائسة. وبعد ما يقرب من عقدين من الزمان قُتل أكثر من 3500 من الجنود الأمريكيين وقوات حلف شمال الأطلسي، وأُصيب عشرات الآلاف، وقُتل أكثر من 100000 شخص وتشرد ملايين آخرون، وأصبحت أفغانستان إحدى أكبر الدول المُصدِّرة للاجئين في العالم(3). وفي عام 2019 فر أكثر من 400.000 أفغاني من منازلهم، ويواجه الآن ما يقرب من 11.3 مليون شخص نقصًا في الغذاء جراء الحرب الدائرة هناك(4).

استهداف برجي التجارة العالميين في 11 سبتمبر

ويمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية بقدر استفادتها منها في الثأر لقتلى البرجين؛ إلا أنها خسرت كثيرًا في هذه الحرب، ومثّلت عبئًا كبيرًا على الإدارات السياسية الأمريكية المتعاقبة ومواطنيهم، وأنهكتها إلى الدرجة التي انتقلت بها من وصف “الحرب الجيدة” ثم “الحرب الضرورية” -كما أطلق عليها من قبل صناع السياسة الأمريكية- إلى الحرب التي لا نهاية لها(5).

 تحولات طالبان (العسكرية / السياسية)

ظهرت حركة طالبان أو “الطلاب” بلغة الباشتو في أوائل تسعينيات القرن الفائت انطلاقًا من شمال باكستان بعد انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان ومن قلب المعاهد الدينية “السنية” المتشددة. حينها قطعت الحركة على نفسها أن تطبق الشريعة الإسلامية في مناطق “البشتون” الممتدة من باكستان إلى أفغانستان في حال وصولها إلى السلطة وفرض سيطرتها بما يخوّل لها استعادة السلام والأمن(6) المفتقدين آنذاك.

تجمعات موسعة لعناصر حركة طالبان

والملاحظ أنه ومنذ انطلاقة حركة طالبان كان لعرق البشتون القبلي عظيم الأثر في تمظهرات طالبان الفكرية ورؤيتها العقدية حيال العالم من حولها، والتي جاءت -إلى حد كبير- ممزوجة بين الفهم الطالباني كـ”حركة دينية” لـ”الإسلام”، والآليات والممارسات القبلية البشتونية، فنتج عنها نسخة “إسلامية طالبانية” أكثر صرامة وحدية، مع قدرة على المواجهة والمجابهة أمام من يُناصبونهم العداء(7).

تسارعت وتيرة صعود الحركة، ونشطت في أجوائها المحلية، ونجحت في فترة وجيزة في إخضاع غالبية المدن الأفغانية، إلى أن أسقطت العاصمة الأفغانية “كابول” عام 1996 عقب الإطاحة بنظام الرئيس “برهان الدين رباني”، أحد الآباء المؤسسين للجهاد الأفغاني. وبحلول عام 1998، كانت طالبان قد سيطرت على ما يقرب من 90٪ من أفغانستان. ولا شك في أن طالبان قد استمدت -كحركة سياسية واجتماعية دينية ذات صبغة إسلامية متشددة- قوتها من قدرتها على تحقيق ما أخفق فيه نظراؤهم من أمراء الحرب الآخرين، خاصة في مسائل تتعلق بالقضاء على الفساد واجتثاث المفسدين، فضلًا عن إرساء الأمن، وتيسير صيرورة الحياة بشكل فاعل -وفق رؤيتهم- ما نتج عنه شيء يسير من الحراك الاقتصادي بشتى المجالات. بيد أنها بالتوازي مع ذلك وقعت في جملة من الأخطاء التي أودت بحياتها من خلال تطبيق قوانين صارمة، مثل حظرها التلفاز والموسيقى والسينما، مرورًا بما أقدمت عليه من تدمير تماثيل بوذا التاريخية عام 2001، واختتمت بتوفير ملاذات آمنة لأفراد تنظيم القاعدة، ورفضهم تسليم “أسامة بن لادن” أمير التنظيم آنذاك على خلفية مسئوليته عن تفجير برجي التجارة العالمي فيما عُرف بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001(8).

انتهجت حركة طالبان منذ الإطاحة بها في عام 2001 سياسة حرب الاستنزاف في مواجهة ثالوث المواجهة: الولايات المتحدة الأمريكية، والقوى العسكرية الغربية، والسلطة السياسية الأفغانية، وذلك طوال الثمانية عشر عامًا الماضية. وفي السنوات الأخيرة ورغم ما شهدته إبان فترة غياب “الملا عمر” ثم إعلان مقتله، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي يُناصبها العداء؛ إلا أنها نجحت -إلى حد كبير- في ترتيب بيتها الداخلي بعد سنوات من التراجع والانحسار الجغرافي والعسكري(9).

الملا أختر محمد منصور، زعيم طالبان السابق

مع حلول صيف أغسطس 2015، خَلَفَ “الملا أختر محمد منصور” سلفه “الملا محمد عمر” في قيادة حركة طالبان. ورغم الفترة القصيرة لإمارته؛ إلا أنه استطاع أن يشحذ همم الحركة، وسعى نحو تدفق الدماء مجددًا في عروقها، فحققت طالبان نجاحًا استراتيجيًّا تمثّل في بسط سيطرتها على مدينة “قندوز” العاصمة الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى لأول مرة منذ هزيمتها عام 2001. وفي مايو 2016، قُتل “الملا منصور” في غارة أمريكية، وحل محله نائبه “مولوي هبة الله أخوند زاده”(10) الذي انتصبت معه طالبان بشكل أفضل عما كانت عليه طوال السنوات الفائتة، وأضحت قوةً لا يُستهان بها، وسيطرت على عشرات المناطق الأفغانية(11). ومع مرور الوقت، أصبحت طالبان أمام العالم أجمع قوة قتالية “ميليشياوية” ليست بالهينة، وباتت مع الوقت تمثل تهديدًا متصاعدًا للحكومة الأفغانية القائمة(12).

مجلس شورى كويتا

يُعتبر مجلس شورى كويتا التابع لحركة طالبان بمثابة القيادة المركزية للحركة، وسُمي بهذا الاسم تيمنًا بمدينة باكستانية، ما يعكس حجم الترابط الفكري والقبلي القائم بين باكستان وطالبان. ويُناط بهذا المجلس إدارة الشئون السياسية والعسكرية للإمارة، وهو شكل الدولة في المخيال الطالباني، يقوده حاليًّا أمير الحركة الملا “مولوي هبة الله أخوند زاده” ويرافقه فيه عدد من القيادات أمثال نائبه الحالي “الملا محمد يعقوب”، وابن الملا الراحل محمد عمر و”سراج الدين حقاني”(13).

الملا هبة الله أخوند زاده، زعيم حركة طالبان

ويشرف مجلس القيادة على تسع لجان على غرار الوزارات القائمة قبل الإطاحة بطالبان، وتركز اللجان على مجالات تشمل: الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتوعية، أما اللجنة العسكرية فيخول لها تعيين حكام الظل وقادة ساحة المعارك لكل من مقاطعات أفغانستان الأربع والثلاثين، أما اللجنة السياسية فيترأسها الملا “عبدالغني بارادار” قائد المفاوضات مع الولايات المتحدة(14).

وتُقدر القوة القتالية لطالبان بنحو 60 ألف مقاتل. وتعتمد مداخيلها المالية على فرض الضرائب على الأنشطة التجارية في مناطق نفوذها والأراضي التي تحت سيطرتها، وتشمل: الزراعة، والتعدين المشروع وغير المشروع(15). ويتصاعد الحديث حول علاقات براجماتية جمعت طالبان والقاعدة على أن تقدم الأخيرة الدعم المالي للحركة مقابل الموارد والتدريب وتوفير ملاذات آمنة لأفرادها، وهي فرضية لا يُمكن التسليم بها. ويُعتقد -بحسب تقرير للأمم المتحدة- أن قادة القاعدة المركزيين، بمن فيهم “أيمن الظواهري”، يختبئون في باكستان. وفي استطلاع للرأي أُجري عام 2019، فإن 13.4% فقط من الأفغان يتعاطفون مع طالبان. وعلى هامش محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان يعتقد أن 64% منهم يرون أن المصالحة مع طالبان ممكنة(16). وهذه المعطيات تدفع إلى إمكانية أن تمهد عملية السلام الطريق لعودة طالبان إلى السلطة، ودمجها في الدولة الأفغانية من جديد(17).

“ترامب” والإدارة الأمريكية.. رؤية مغايرة

مع بواكير وصول الرئيس “دونالد ترامب” إلى السلطة السياسية في يناير 2017، اختلفت نظرة القيادة الأمريكية نحو أفغانستان. وهي وإن كانت تتماهى مع وجهة نظر غالبية “الديمقراطيين” حيال الوضع في أفغانستان؛ إلا أنها تعكس بشكل كبير رؤيته الذاتية انطلاقًا من ميكانيزم “الرأسمالي” في التدبير القيادي، ووعيه بحسابات المكسب والخسارة، وهي الوجهة التي انطلق منها لبلورة موقف واضح ورؤية ثابتة تجاه الوضع الأمريكي في أفغانستان.

ترامب دفع لإنجاز المفاوضات مع طالبان

تمثّلت وجهة نظر “ترامب” نحو ملف الحرب الأفغانية في كونها مثّلت نزيفًا سياسيًّا وعسكريًّا متصاعدًا للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع نجاحات طالبان في العامين الأخيرين، وقدرتها على التمدد والبقاء. واستشعرت الإدارة الأمريكية أن الحركة قد اقتربت من الحسم لصالحها في أفغانستان، الأمر الذي تطلّب الإسراع نحو محاصرتها، والحيلولة دون تعاظم نشوة انتصاراتها وأضراره المحتملة، وهو ما جعلنا نتفهم صدور القرار الأمريكي في 2018 بضرورة تغيير السياسة الأمريكية في أفغانستان، وتحديدًا في التعامل مع حركة طالبان، وبحث العلاقة القائمة بينها والحكومة الأفغانية التي تُناصبها العداء(18).

اتّجهت واشنطن نحو طالبان ولديها قدر كبير من إبداء المرونة في سبيل إنهاء المواجهة معها، وطيّ هذه الصفحة، للبدء في مرحلة مغايرة وجديدة(19)، وعزف “ترامب” أمام جمهوره الأمريكي على وتر التكلفة الاقتصادية للحرب في أفغانستان التي قاربت التريليون دولار(20). على الفور وفي فبراير 2019 شرعت إدارة “ترامب” في عقد سلسلة من المفاوضات الرسمية مع قادة حركة طالبان، وفي حساباتهم السياسية ضرورة إشراك الحكومة الأفغانية فيها(21)، وبعد تسع جولات من المناقشات توصل الجانبان -الأمريكي والطالباني- إلى خطوة هامة تقضي بإنهاء الحرب الشاملة وتدشين مرحلة السلم(22).

عمليات التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية

من الواضح أنّ الرغبة لدى إدارة “ترامب” في إنهاء مشهد الحرب الأمريكية في أفغانستان، ونجاحها حياله، وما يمثله فور تحققه من أهمية كبرى؛ ستنعكس إيجابيًّا على فرص “دونالد ترامب” في تحقيق فوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة يؤهله لولاية جديدة(23). وتؤكد الشواهد التي رافقت هذه الاتفاقية ما يُعزز من رغبة “ترامب” في إنجاحها. لقد تلقّت طالبان اتصالًا هاتفيًّا هو الأول من نوعه من قبل رئيس أمريكي بعد أيام من توقيع الاتفاقية في العاصمة القطرية، ليُعدّ بذلك “دونالد ترامب” أول رئيس أمريكي يتحدث مباشرة إلى طالبان(24). واللافت في الاتصال الهاتفي للرئيس الأمريكي مع طالبان حثّها على الحوار مع الحكومة الأفغانية(25)، ورأب الصدع بينهما، لكونها شريكًا داخليًّا لا يمكن القفز عليه لإنهاء أشد فصول الحرب ضراوة بين الولايات المتحدة الأمريكية والتنظيمات الإسلامية الأصولية في أفغانستان(26).

محاور اتفاق السلام بين أمريكا وطالبان

أولًا- انسحاب القوى العسكرية الأمريكية والغربية:

تضمن اتفاق السلام الأخير بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان جدولة لسحب القوات الأمريكية وحلف الناتو من أفغانستان، في فترة زمنية مداها 14 شهرًا، بموجبه يتم خفض عدد القوات الأمريكية من 12000 إلى 8600، ومثّل إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية على بعض قواتها في أفغانستان عقبة كبرى في مجريات المحادثات بين الجانبين رغم التأكيد من قبل واشنطن على أن الهدف منها هو مواجهة التهديدات الإرهابية في المستقبل، وهو ما لا تقبله طالبان(27). ومن المفترض أن يخفض الناتو هو الآخر من عدد قواته إلى ما يقارب 12000 من أصل 16000، لكن الأمين العام لحلف الناتو ربط بين رحيل قواته وتوافر الظروف المناسبة لذلك(28). وجملة التنازلات الغربية سالفة الذكر ارتهنت بقدرة وفاء طالبان بوعودها تجاهها(29)، وهو ما سنتناوله لاحقًا.

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في أفغانستان

ثانيًا- فك الارتباط مع القاعدة والتنظيمات الجهادية:

يرغب “ترامب” في الحصول من قيادات حركة طالبان على ما هو أبعد من وقف إطلاق النار والبدء في مفاوضات سلام، وهو أمر سيحدث ولو بعد حين. إذ يرى أن الفرصة مواتية عبر مقايضة مباشرة تتمثل في القبول الدولي وإعادة دمج الحركة في نسيج المجتمع الأفغاني في مقابل أن تلعب الحركة أدوارًا وظيفية جادة تتمثل في مواجهة النسخ التنظيمية “الإسلامية” الأكثر راديكالية في الداخل الأفغاني، تبدأ من وقف أنشطة القاعدة وفك الارتباط القديم معها من جهة، ولعب دور كبير في اجتثاث تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من جهة أخرى(30)، خاصةً مع ضعف الحكومة المركزية، وفشلها في القيام بمثل هذه الأدوار.

جانب من المفاوضات الأمريكية مع طالبان

ويمكن القول إن قيادة حركة طالبان -ممثلة في “الملا هبة الله”- تعي ذلك جيدًا، وتفهم الأهداف الأمريكية غير المعلنة، وهي تصادف في عمومها رغبة الملا، ولا يوجد بينهما تعارض، وبدا ذلك جيدًا في عدم تعنتها حيال هذا المطلب الأمريكي، بيد أن طالبان لم تتبلور لديها رؤية واضحة صوب آلياته، وربما سيتأتى ذلك من خلال توافقات تُمليها سلسلة اللقاءات والتفاوضات المستقبلية بين الجانبين. وتتضح جدية تعامل طالبان مع تلك الإشكالات في تشديدها على تلبية رغبة الجانب الأمريكي بعدم السماح للجماعات المسلحة باستخدام الأراضي الأفغانية للتخطيط والتنظيم، وشن هجمات ضد الولايات المتحدة أو حلفائها(31)، ما يعني أن طالبان عازمة على ألا تصبح أفغانستان بعد هذا الاتفاق ملاذًا آمنًا للإسلاميين الراديكاليين(32).

ثالثًا- المحادثات بين طالبان والحكومة الأفغانية:

تتفهم طالبان أن التعامل المباشر مع حكومة كابول في اللحظة الراهنة بات أمرًا ضروريًّا لا فكاك منه، حتى وإن خالفت رؤيتها القائلة بعدم شرعية هذه الحكومة، وولائها لواشنطن، ووصفها لها بأنها دمية في يد الأمريكان. غير أن كل ذلك لم يَحُلْ دون القبول المبدئي بمفاوضات مباشرة معها من أجل صياغة خارطة طريق سياسية لمستقبل البلاد(33) تنهي عقدين من الحرب المستمرة بين كل الأطراف.

بموازاة ذلك، يرى المراقبون الغربيون أن إطلاق العنان لطالبان على هذا النحو وتمكينها من المشهد الأفغاني، بالتوازي مع سحب القوى العسكرية الغربية؛ من شأنه أن يجعل طالبان القوة السياسية والعسكرية الأبرز في أفغانستان، وهو ما تحاول طالبان تجاوزه من خلال الإسراع بفتح قنوات اتصال مع الحكومة الأفغانية، لإزالة العقبات كافة لتحقيق ما تسعى إليه. ويُعبّر مقال نائب زعيم طالبان “سراج الدين حقاني” في “نيويورك تايمز” عن هذا الفهم وهذه الاستراتيجية، وجاء فيه: “إذا استطعنا التوصل إلى اتفاق مع عدو أجنبي، فيجب أن نكون قادرين على حل الخلافات بين الأفغان من خلال المحادثات”.

عناصر طالبان في السجون الأفغانية

فيما مثّلت قضية تبادل السجناء وإطلاق سراحهم من الجانبين حجر عثرة في المفاوضات، ورغم أن الحكومة الأفغانية قد أدارت ظهرها لهذه المسألة في بداية الأمر(34)، إلا أنها بعد جائحة كورونا انتهجت مسلكًا مغايرًا بالبدء في إطلاق دفعات منهم.

بيد أن العقبة الكبرى في مسار العلاقة بين طالبان والحكومة الأفغانية تتمثل في تهاوي الثقة المتبادلة، ومدى قدرة السلطة السياسية الأفغانية على تحقيق واجباتها إزاء الاتفاق، وهو الذي لن يتأتى في ظل سلطة منقسمة على النحو الذي تمخضت عنه أحداث الانتخابات الأفغانية الأخيرة من خلافات وسجالات عرقية وطائفية وقبلية، كشفت عن أزمة كبرى داخل أروقة الحكومة في كابول، وخاصة نظرة الشارع الأفغاني الذي أبدى مشاركة هزيلة في هذه الانتخابات لعدم ثقته في نتائجها من جهة، ووعيه بضعف قدرة الحكومة على توفير الأمن والسلامة للناخبين بمراكز الاقتراع(35) من جهة أخرى.

التحديات التي تُواجه عملية السلام

أولًا- سلاح طالبان:

الحديث عن نزع سلاح حركة طالبان في المنظور القريب أمر لا يمكن تصوره أو التفاوض حوله، خاصة وأنه السبب الرئيس في جلوس حركة طالبان على مائدة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مسألة ليست وليدة العقدين الأخيرين، وإنما هي ثابتة في المخيال الجمعي للمجاهدين الأفغان بشكل عام، وحركة طالبان بصفة خاصة، كرسته ما تمخضت عنه الحرب السوفيتية الأفغانية من انتصار للمجاهدين عبر آلية السلاح.

وما يُمكن تفهمه أن نزع سلاح طالبان وإعادة دمجهم في المجتمع وتحديد مستقبل المؤسسات الديمقراطية في البلاد والدستور، كل هذه القضايا ستأخذ مساحات من الشد والجذب مستقبلًا، نظرًا لحجم التداخل الكبير الذي راكمته السنوات الأخيرة بين طالبان وعدد من الجماعات الجهادية، والعلاقات بين دول الجوار وخاصة مع باكستان(36)، وهو ما عبّر عنه بدقه وزير الدفاع الأمريكي “مارك إسبير” بقوله: إن تحقيق سلام دائم في أفغانستان سيتطلب الصبر والحل الوسط بين جميع الأطراف”(37).

جانب من ترسانة أسلحة طالبان

وما يدلل على صعوبة التفاوض حول مستقبل سلاح طالبان أعداد مقاتليه الذين يقاربون 60 ألفًا، موزعين على أقاليم ومدن أفغانية خاضعة لسيطرتهم وفق تراتبية قيادية يصعب معها القبول بواقع نزع سلاحها ورتبتها. واللافت أن مسألة نزع السلاح قد تكون رغم ضروريتها سلاحًا ذا حدين لما يمكن أن تُحدثه من انقلاب على عملية السلام برمتها، وتبعات ذلك من انقسام قد يُفضي لنزوح مقاتلي الحركة نحو الجماعات والحركات الجهادية الأخرى، لأن ما ترسخ في العقل الجمعي الطالباني خلال العقدين الماضيين أن السلاح جزء أصيل من الأيديولوجيا التي قدمت خلالها طالبان آلاف ومئات القتلى والجرحى، وأن أي تصرف يخالف ذلك فهو رِدة على ثوابتها وإن جنحت نحو السلم(38).

وفي سياق معضلة سلاح طالبان، تتبقى نقطة هامة لا يمكن تجاوزها تتمثل في حجم التباين الواضح والكبير، حال نزع سلاح طالبان وإدماج تشكيلاتها العسكرية في الجيش الوطني الأفغاني، بين العقيدة القتالية لإمارة أفغانستان الإسلامية (وهي شكل الدولة في المخيال الطالباني) والجيش الأفغاني “الوطني” الذي تشكل بمؤسساته القائمة على أيدي جنرالات الجيش الأمريكي وحلفائه الغربيين عقب سقوط طالبان؛ ما يجعلنا نتفهم أن السلام بالنسبة لطالبان في الوقت الراهن لا يعني نهاية للقتال، بل نهاية للاحتلال الأمريكي، وبعد رحيله سيكون الحديث مغايرًا عما عليه الآن(39)، ما يتطلب في حال تحقق ذلك إعادة تأهيل وتجهيز المقاتل الطالباني السابق ليلتحق بالجيش الوطني الأفغاني.

ثانيًا- أزمة الوضع الداخلي في أفغانستان:

يُعاني المشهد الأفغاني الداخلي جملة من المشكلات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ويقف على رأس ذلك واقع السلطة السياسية المنقسمة على نفسها.

الرئيس الأفغاني، أشرف غني

ومن أبرز هذه الإشكالات ما شهدته الانتخابات الرئاسية الأفغانية الأخيرة من سجال كبير بين سياسِيَّيْن كلٌّ منهما ادعى فوزه فيها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قاما بعمل احتفالات تنصيب لكل منهما. فوفقًا لرواية اللجنة الانتخابية، فإن “أشرف غني” (الرئيس الحالي منذ عام 2014) قد فاز بفارق ضئيل في انتخابات سبتمبر 2019، الأمر الذي لم يقبله غريمه السياسي والمرشح الرئاسي أيضًا “عبدالله عبدالله”، معتبرًا النتيجة مزورة(40). هذا الوضع السياسي الأفغاني المتعثر، وفي ظل فشل جهود وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” لجمع الأطراف السياسية المتصارعة في السلطة معًا، جعل الولايات المتحدة تمضي قدمًا نحو خفض مساعدتها لأفغانستان(41)، خاصة وأن الإدارة الأمريكية رأت ذلك يمثل عائقًا واضحًا أمام مسيرة السلام والتفاوض في الداخل الأفغاني(42)، وهو أمر نتائجه العكسية ليست بالهينة على السلطة السياسية والشعب الأفغاني مجتمعين، إذ تحتاج أفغانستان إلى مساعدة اقتصادية كبيرة لسنوات عديدة. فقد قدر البنك الدولي أن ما لا يقل عن 4.6 مليارات دولار، وربما يصل إلى 8.2 مليارات دولار، من تمويل المانحين، سيكون مطلوبًا سنويًّا حتى 2024(43).

ويأمل غالبية الشعب الأفغاني -على الأقل في المدى القصير- في الحد بشكل كبير من العنف(44)، لكي تستقر أحوالهم اقتصاديًّا، وهو ما تطمح إليه في اللحظة الراهنة كافة التقسيمات والتنويعات الإثنية والقبلية في الداخل الأفغاني.

تحذيرات من خطورة تفشي كورونا في أفغانستان

يُمكننا القول إنه ربما لأزمة (COVID-19) أن تجمع معسكَرَيْ “غني” و”عبدالله” لتداعياتها التي تتطلب إعادة تقييم الأولويات في المشهد السياسي الأفغاني، والتي يقف على رأسها الإسراع في وضع نهاية لأزمة السلطة الحالية، خاصة وأن نظامَ الصحة العامة في أفغانستان -الذي يُفترض أن يقف أمام الجائحة- ضعيف ومتهالك، ما يتطلب الإسراع نحو عمل حكومة وحدة وطنية موحدة، وهو سياق يمكّن الطبقة السياسية من إيجاد طريقة للالتقاء من أجل الصالح العام للبلاد(45).

ثالثًا- سجناء طالبان لدى الحكومة الأفغانية:

منذ صعود جائحة كورونا عالميًّا، بدا لدى طالبان حرص كبير على أن تقوم بتوظيف تداعياتها لصالحها، ومنها دعوة الحكومة الأفغانية للالتفات إلى ضرورة إطلاق سراح سجنائها.

ففي منتصف مارس الفائت، حذرت طالبان -في بيان لها- من أن يُشكل كورونا تهديدًا خطيرًا لعشرات الآلاف من سجناء الحركة، ما سينتج عنه كارثة كبرى(46)، وأن التعنت إزاء إطلاق سراحهم يضعهم في مسئولية حكومة كابول، وفق ما صرح به “ذبيح الله مجاهد” المتحدث باسم طالبان(47).

زلماي خليل زاد، المبعوث الأمريكي إلى أفغانستان

مهندس المباحثات الأمريكية مع طالبان “زلماي خليل زاد” عزف على الوتر ذاته من أجل دعم هذه القضية، حيث ألمح إلى أن الجائحة تجعل الإسراع في الإفراج عن السجناء ضروريًّا. لافتًا الانتباه إلى أنّ ما أقدم عليه الرئيس “أشرف غني” من رفضه إطلاق سراح سجناء طالبان -في وقت سابق- كان سببًا في تأخير الحوار بين الأفغان(48).

خلاصة القول، إن مسألة إطلاق سراح السجناء، على الرغم من أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة فيها وتبادلًا لإطلاق سراح سجناء من الجانبين؛ إلا أننا يجب أن نتفهم الموقف المرتبك من قبل الرئيس الأفغاني “أشرف غني” وحكومته، المتمثل في خشيتهم من أن يُسهم إطلاق سراح مقاتلي طالبان من السجون في زيادة قوة الحركة، ومن ثم انضمامهم للمعارك مرة أخرى، رغم نفي الحركة ذلك(49).

رابعًا- حركة طالبان وولاؤها لباكستان:

في الوقت الذي تحرص فيه طالبان على إظهار نفسها كحركة تحرر وطني، وقطع أي صلة لها بأية إملاءات خارجية، وخاصة العلاقة التاريخية بينها وبين باكستان؛ يحرص بعض القادة الأفغان المعارضين لها على تصوير حركة طالبان على أنهم وكلاء باكستان في أفغانستان، وهو مشهد ينقلنا إلى مساحة أخرى تُبرز خلافًا هوياتيًّا للحركة في ظل تنازع ولائها بين أفغانستان من جهة وباكستان من جهة أخرى، حسب تلك الرؤية، وهي النقاشات التي تعيها طالبان جيدًا، وتتحرك في ضوئها تأكيدًا أو نفيًا.

يستقر عناصر من طالبان أفغانستان في باكستان

وعلى مدار ما يقارب ربع قرن، طالت طالبان تهمة العمالة المباشرة لباكستان، خاصة في ظل الحديث عن تلقيها دعمًا ماليًّا منها. ويذهب الخبراء الغربيون إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال القول إن إعادة تموضع طالبان لقوتها العسكرية والسياسية والنفوذ الذي باتت عليه بعد الإطاحة بها أواخر 2001 تقف وراءه باكستان، واعتبروه بمثابة استمرار لسياسات إسلام أباد منذ السبعينيات، التي أعطت الأولوية لدعم الإسلاميين الأفغان المسلحين لتقويض القومية العلمانية الأفغانية(50).

لكنّ هذه الرؤية قد تخالفها مجريات الأمور والوقائع على مدار السنوات الفائتة، تثبته العلاقات المتوترة بين طالبان وباكستان، إذ لم يكن كل شيء على ما يرام بين طالبان وإسلام أباد، فقد شهدت السنوات الأخيرة حالات قتل واعتقالات طالت العديد من الشخصيات البارزة في حركة طالبان داخل باكستان. ففي مايو 2016، قُتل زعيم طالبان السابق “الملا أختر منصور” في مقاطعة بلوشستان الجنوبية الغربية. وتم القبض على “الملا عبدالغني بارادار”، كبير مفاوضي طالبان الحاليين، في مدينة كراتشي الساحلية الجنوبية في فبراير 2010، ثم أفرجت عنه باكستان بطلب من أمريكا في أواخر عام 2018(51).

ولا شك أن هناك فاعلًا آخر يكمن في العلاقة القائمة بين طالبان ونظيرتها في الداخل الباكستاني، وهو أمر يحتاج إلى مقال آخر يبرز جوانب العلاقة وواقعها ومستقبلها، بيد أنه حتى اللحظة لا يوجد تأثير يذكر لطالبان باكستان على سير اتفاقية السلام القائمة حتى اللحظة بين الجانبين الأمريكي والأفغاني.

(كوفيد-19) وعملية السلام الأفغانية

تقاطعت رؤية طالبان إزاء جائحة كورونا وتفسيرها الاعتقادي لها مع غالبية التيارات الإسلامية، خاصة الجهادية منها، وتمثلت في كون الفيروس عقابًا إلهيًّا للبشر بسبب عصيانهم وخطاياهم، وبشكل تقليدي طالبوا جموع المسلمين بالعودة والإنابة إلى الله، مع إعطاء الصدقات والصدقة، والتوجه إلى الله بالتوبة عن خطاياهم الماضية(52). وبزاوية أقرب في تأمل تعاطي طالبان مع الجائحة، نجد أن الحركة تعاملت معها بعقلية تجاوزت التنظيم، واقتربت من فهم الدولة، بعد أن فرضت الجائحة نفسها على المشهد السياسي الأفغاني، وأصبحت طرفًا لا يُمكن تجاوزه في تحقق عملية السلام وإنجازها.

إذ من المتوقع في ظل حجم الإرباك الذي شهدته واشنطن بشكل عام في تصديها للجائحة، ومشاركة قواتها العسكرية لمواجهتها داخليًّا؛ أن تسعى إدارة “ترامب” نحو دفع كل الأطراف في المشهد السياسي الأفغاني للشعور بالمسئولية الكاملة تجاه تداعيات الجائحة على المشهد الأفغاني ككل، وضرورة تفعيل بنود الاتفاقية الأخيرة بين الحكومة وطالبان، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، الإسراع من وتيرة خطة انسحاب القوى العسكرية، ولكن شريطة أن يكون نقل القوات من أفغانستان وعودتها لا يؤدي إلى تفاقم وضع الفيروس التاجي حين عودتهم، وهو ما سيتطلب أن تقوم العملية على نحو منظم ومدروس(53).

جانب من ترسانة أسلحة طالبان

جاءت أزمة جائحة كورونا وتداعياتها على غير رغبة الحكومة الأفغانية الحالية، والتي كان بعض قادتها يناصبون عملية السلام العداء، ويسعون لتبطيئها خشية أن تُهدد مواقعهم مستقبلًا، خاصة بعد أن فرضت عليهم واقعًا يحتم عليهم التعاون مع حركة طالبان للحد من انتشار الفيروس، وعلاج المصابين، وتوفير الوسائل اللازمة للتصدي له، انطلاقًا من مناطق نفوذهما المتباينة. إذ من الصعب للغاية معالجة الأوبئة في حالة الحرب الأهلية، فضلًا عن ردود الأفعال الشعبية التي قد تنجم ضد الحكومة في حال لم تتفاعل بوتيرة أفضل مع التحولات الناجمة عن تفشي الجائحة بالداخل الأفغاني، ما يعزز من فرضية أن تسعى الحكومة ذاتها رغمًا عنها إلى أن تتشابك وتتقاطع مع حركة طالبان في ملفات داخلية بالغة الأهمية(54) ستدلل عليه لاحقًا عملية الإفراج المتبادل بين السجناء بعد أن كانت تتعنت الحكومة حيالها في الماضي القريب.

حملة صحية ضد كورونا تقودها طالبان

تنبهت طالبان لما يمكن أن تُحدثه الجائحة من آثار قد تتسبب في عرقلة مسيرتها الرامية لإعادة تموضعها مجددًا في المشهد الأفغاني مجتمعيًّا بشكل أوسع عما كانت عليه، تجلى ذلك في إسراعها نحو تدشين حملة صحية عامة لمكافحة الفيروس(55)، وفي الوقت ذاته أوقفت القتال في مناطق تفشي الجائحة، وتحديدًا في الأراضي الخاضعة لها، بل وسارعت إلى إبداء التعاون والمساعدة من خلال تقديم ضمانات أمنية لأي منظمة محلية تسعى لمساعدة ضحايا كورونا أو التعاون في الحد من انتشاره(56).

أطلّت طالبان من نافذة كورونا على واقع جديد ومغاير دفعها نحو تقديم ما يمكن وصفه بالتنازلات الاضطرارية، ويُمكن تلمّس ذلك في إدراكها حاجتها الماسة إلى فك العزلة والاغتراب الذي فرضته عليها سياقات الحرب طوال العقدين صوب كافة القطاعات الخدمية التي تخلقت منذ الإطاحة بها وتشكيل حكومة موالية لواشنطن في 2004. ليس ذلك فحسب، وإنما تعهدت بعدم المساس بتلك المؤسسات، خاصة الأجنبية منها، لحاجتها إليها في الوقت الحاضر.

طالبان ترفض عمل “الصحة العالمية” في مناطق سيطرتها

وفي سياق موقف طالبان المناهض للهيئات الطبية والصحية “الغربية”، حظرت طالبان -قبيل الجائحة- على منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر العمل بالمناطق التي تُسيطر عليها لشكوكها تجاهها، وتحفظها نتيجة بعض الممارسات فيما يخص حملات التطعيم ضد شلل الأطفال. وفي تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية خلال عام 2019، قُتل ما لا يقل عن 51 من العاملين في مجال الرعاية الصحية والمرضى والعاملين المساعدين، وأصيب 142 شخصًا. ونتيجة للهجمات، تم إغلاق 192 مرفقًا صحيًّا، أعيد فتح 34 منها فقط. وفي الوقت الذي ألقت فيه السلطات الأفغانية اللوم على طالبان، فقد نفت الأخيرة مسئوليتها عن تلك الهجمات(57). في المقابل، ثمّن “وحيد الله ميار” مستشار وزارة الصحة العامة بالحكومة الأفغانية تحركات طالبان التي جاءت منسجمة مع تداعيات الجائحة، ونظرت إليها الحكومة بتفاؤل وإن شابه الحذر.

وظهر عناصر طالبان وهم يرتدون أقنعة طبية بيضاء ويحملون البخاخات المطهّرة، بالإضافة إلى الأسلحة. وصدرت مواد مطبوعة عن “اللجنة العامة للصحة” التابعة لطالبان تضمنت إرشادات طبية، وسارت حملاتها الصحية جنبًا إلى جنبٍ مع حملات الحكومة(58)، وبدا التعاون بين الجانبين منسجمًا، خاصة بعد قبول طالبان في الأسابيع مؤخرًا اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسهيل تبادل السجناء المقترح بين المجموعة والحكومة الأفغانية(59).

العلاقة بين “طالبان” و”القاعدة”.. وموقفها من “داعش”

من أجل فهم العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، يجب تتبع سير اللقاءات التي جمعت بينهما. إذ كانت أول محاولة من قبل واشنطن لتشكيل شراكة مع نظام طالبان الأصولي المتشدد في منتصف تسعينيات القرن الفائت، حيث بادرت واشنطن فور سيطرة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول إلى نسج علاقة سياسية خاصة معها بغلاف اقتصادي بعد قضائها على أمراء الحرب الأهلية هناك، عبر تأمين شركة النفط الأمريكية Unocal صفقة مع الحركة، في الوقت الذي لم يعترف فيه أحد من المجتمع الدولي بها إلا القليل(60).

وكان مستشار الشركة -آنذاك- وعراب الصفقة “زلماي خليل زاد” الذي عمل مسئولًا بوزارة الخارجية عندما كان “رونالد ريغان” رئيسًا، وهو ما يجعلنا نتفهم قيامه بدور الوساطة في اتفاقية السلام الحالية؛ إذ إن لدى الرجل تاريخًا طويلًا من المحادثات مع حركة طالبان.

التقى الرجل بأعضاء طالبان في مدينة هيوستن الأمريكية، وعبّر عن دعمه لطالبان، وكتب في مقالة افتتاحية عام 1996 لصحيفة “واشنطن بوست” أن “طالبان لا تمارس أسلوب الأصولية المعادي للولايات المتحدة الذي تُمارسه إيران، فهي أقرب إلى النموذج السعودي”. “إن الجماعة تتمسك بمزيج من قيم البشتون التقليدية، والتفسير التقليدي للإسلام”(61).

القاعدة تفجر سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا عام 1998

وتعثرت المفاوضات ومن ثم توقفت الشراكة عام 1998 لسبب رئيس هو ظهور تنظيم القاعدة على مشهد الأحداث، خاصة بعد تفجير السفارتين الأمريكيتين في إفريقيا، وانتقال “أسامة بن لادن” من السودان إلى أفغانستان بعد أن عرضت طالبان عليه ملاذًا آمنًا. وكان ذلك إيذانًا بخوض واشنطن مرحلة جديدة مع الحركة، وانتقلت من شريك اقتصادي محتمل لأمريكا إلى حركة منبوذة دوليًّا تعرضت للعقوبات الأمريكية والضربات الجوية. وبعد مرور عقدين من الزمان لم تتغير طالبان كثيرًا، بقيت أيديولوجيتها كما هي رغم تغير قياداتها، ولم تغير من طريقة عملها، فيما أصبحت أكثر تعقيدًا في اتصالاتها ومفاوضاتها(62).

ومنذ ذلك التاريخ، تشابكت ونمت العلاقات بين طالبان والقاعدة، وحتى وقت قريب كان ينظر إلى أن القاعدة تُدير شبكتها الجهادية من أفغانستان وتحت راية إمارة أفغانستان الإسلامية، إلى أن قيل في وقت سابق -على سبيل المثال لا الحصر- إن القاعدة وفرعها الإقليمي “تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية” يعملان تحت راية إمارة أفغانستان الإسلامية التابعة لطالبان. وانطلاقًا من ذلك تم الربط بين عمليات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وبين عمليات طالبان(63) وكأنها وحدة متجانسة تتبع قيادة واحدة.

إلى وقت قريب، كانت ثمة علاقات وطيدة بين قيادات حركة طالبان الأفغانية ونظيرتها الباكستانية والقاعدة، وربما كانت الأخيرة حريصة على أن تُبقي على هذا الود لعاملين أساسيين؛ تمثل أولهما في تداعيات مقتل “أسامة بن لادن” وانعكاس ذلك على التنظيم، والرغبة من لدن القيادة الجديدة -متمثلة في “الظواهري”- في الإبقاء على حميمية العلاقة كما كانت. وثانيهما ظهور تنظيم الدولة الإسلامية على الخط الجهادي وتمدده، وموقفه منهما، كان على حد سواء رافضًا وراغبًا في سحب البساط الجهادي من تحت أرجلهما ما جعل عدوهما مشتركًا، ما لزم معه التعاون البيني بينهما لمواجهته.

الملا عمر، زعيم حركة طالبان الأسبق

وفي سياق موقف طالبان المناهض للهيئات الطبية ففي مقطع تسجيلي مصور أصدرته حركة طالبان الباكستانية في وقت سابق جاء لتكريم زعيمها السابق “حكيم الله محسود”، ساردة مسيرته الجهادية، اللافت بالمقطع يتمثل في تسليط الضوء على العلاقة الوثيقة بين عدد من رموز وقيادات طالبان الأفغانية ونظيرتها الباكستانية والقاعدة، وذلك بظهور شخصيات جهادية تاريخية تنتمي للتنظيمات سالفة الذكر مثل: “مصطفى أبو يزيد” أحد كبار قادة القاعدة ووثيق الصلة بطالبان ومؤسس طالبان الأفغانية “الملا عمر”، والملا “داد الله” القائد العسكري لطالبان الأفغانية ثم “أنور العولقي”(64).

ولا شك أن القاعدة اتخذت من أفغانستان منصة انطلاق لها ولمقاتليها، ونقطة تمركز رئيسة منذ أيام “أسامة بن لادن” حينما كانت تمثل شبكة من الجهاديين، أو مظلة يندرج تحتها الراغبون في العمل الجهادي خاصة من العرب(65)، ولكن لم يتأتَّ ذلك إلا بعد تاريخ سابق من العلاقة دفعت لهذا المشهد. إذ تعود العلاقة بين حركة “طالبان” و”القاعدة” إلى الأيام الأول لتأسيس شبكات المجاهدين العرب على يد “أسامة بن لادن” أيام الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي. وبايع “أسامة بن لادن” قبيل مقتله زعيم تنظيم طالبان آنذاك “الملا عمر” حتى مقتله، وطالب الجهاديين وأبناء التنظيم بمبايعته حتى أضحت سنة متبعة لدى القاعدة. وخلف “الظواهري” “بن لادن”، وسار على الدرب ذاته(66).

أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة

دأب “أيمن الظواهري” من آنٍ لآخر على مغازلة التنظيم، خاصة بعد مقتل “الملا محمد عمر”، خشية أن تطل القيادة الجديدة تغير في سياق رؤيتها تجاه التنظيم. وحين تمّت تسمية الملا “هبة الله” وتقلّد رئاسة الحركة، أصدر “الظواهري” بيعة له في 2016، ولكنّ الأمير الجديد لحركة طالبان آثر ألا يعلق على بيان القاعدة. وكان صمت “الملا هبة الله” بمثابة عنوان مرحلة جديدة في سياق العلاقة بين طالبان والقاعدة(67). ويُفهم أيضًا أن طالبان راغبة في توظيف ورقة القاعدة كسلاح تفاوضي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو منجز سياسي تحقق بمرور الأيام يعكس حجم التطور السياسي الذي أضحت عليه حركة طالبان رافق نجاحاتها العسكرية الأخيرة.

ورغم ذلك، حرصت القاعدة في العام السابق على إصدار مقطع تسجيلي مصور عُنون بـ”تحت ظلال الإمارة الإسلامية”، شددت القاعدة خلاله على وحدتها مع طالبان في إطار المغازلة المستمرة من قبلها للحركة(68).

وبحنكة سياسية عالية، واصل تنظيم القاعدة إظهار دعمه لتحركات طالبان السياسية، خاصة الاتفاق السياسي الأخير بين طالبان والولايات المتحدة الأمريكية، واصفًا الاتفاق بـ”النصر الكبير” لطالبان على أمريكا وحلفائها في أفغانستان، وتمت تهنئة الملا “هبة الله أخوند زاده”، ولقبته بأمير المؤمنين. بيد أن إطلاق “الظواهري” رسائل تُشيد بقادة طالبان السابقين: “الملا عمر” و”الملا منصور”، بشكل مستمر، دون الإشارة إلى الزعيم الحالي بأي طريقة، رجحت وجود خلافات قد تقود للفصل التام والكامل بين طالبان والقاعدة رغم حرص الأخيرة على ألا يتحقق ذلك لتداعياته الكبيرة عليها(69).

بيد أننا لا يمكننا القول إن نهاية القاعدة مرتبطة بالوصول إلى اتفاق سلام يُنهي الحرب الأمريكية وطالبان، لأنها ستلجأ إلى تطوير رواية جديدة ومغايرة لتبرير استمرار الصراع المسلح في أفغانستان(70)، لكنها باتت تتفهم جيدًا رغبة القيادة الطالبانية في إغلاق ملف القاعدة والمجاهدين العرب في أفغانستان، وعزمها على ذلك بلا تردد بعد أن تسببت في كلفة باهظة الثمن على مدار العقدين الفائتين.

ومن القاعدة إلى داعش، أظهرت الدلائل أن واشنطن راغبة في تحييد طالبان لمواجهة داعش، وهو ما صرح به قائد القوات المركزية الأمريكية الجنرال “فرانك ماكنزي”. وفي سبيل ذلك، قدمت الولايات المتحدة “دعمًا وإن يكن محدودًا إلا أنه تحقق لمحاصرة وتقويض تمدد داعش مثل ما حدث في شرق أفغانستان، وانتقل التعاون مع طالبان إلى خطوة متقدمة أخذت نقاشًا كبيرًا في الداخل الأمريكي حول قدرة طالبان العسكرية والسياسية في مواجهة القاعدة وداعش”(71). يدفعنا قراءته في ضوء إمكانية أن تقوم طالبان بما عجزت عنه الحكومة الأفغانية في مواجهة القاعدة وداعش.

أحد عناصر داعش

منذ ظهور الدولة الإسلامية “داعش” في العراق والشام، وتمددها من خلال شبكة تنظيمية تحت تسمية “الولايات”؛ كشفت عن تدشينها ما يسمى بولاية “خراسان” في منطقة أفغانستان وما جاورها. وتزامنًا مع ذلك، توالت البيعات من قبل مقاتلين أفغان للخليفة “أبي بكر البغدادي” قُبيل مقتله، الأمر الذي أثار حفيظة الحركة، ونظرت إليها على كونها تمثل حجر عثرة أمام مشروعها السياسي والجهادي في الداخل الأفغاني، خاصة وأن داعش صعّدت من موجة انتقادها لطالبان، ساعية إلى أن تحل محلّها كحركة جهادية مقاومة ضد القوى الغربية. وفي الطريق نحو تحقيق ذلك، عمل الإعلام الداعشي على تصوير حركة طالبان على أنها بدلت أهدافها من حركة إسلامية جهادية إلى أخرى وطنية تنسج علاقاتها الخارجية على حساب مشروعها الجهادي، ومن ذلك على سبيل المثال تطوير علاقاتها مع إيران الشيعية(72).

بل ذهبت داعش إلى أبعد من ذلك نحو اللعب على وتر الانقسام، وبث الفتنة بالحركة من خلال الحديث عن انقلاب قد حدث في الأيام الأخيرة من حياة “الملا عمر” قام به بعض القادة داخل طالبان، الذين كانوا معنيين بتواصل الحركة مع العالم الخارجي، أعقبته إقامة الجبرية لـ”الملا محمد عمر” وعزل كامل عن العالم من حوله ومن إدارته للحركة، وحين موته لم يعلنوا عن الوفاة إلا بعد فترة تجاوزت العامين. ويفسر مناصبة طالبان لداعش العداء أنها كشفت عن هذا التحول الذي حدث بالحركة، ما دفعها إلى الدعوة لمقاتلة تنظيم داعش. وانطلاقًا من ذلك، يرى التنظيم وجوب قتالها باعتبارها مرتدة. وهو ما يُفسر قيام “داعش” بعمليات ضد الحركة في أماكن متفرقة من أفغانستان(73).

وعلى الرغم من النكسات التي عانى منها تنظيم الدولة الإسلامية على يد كل من طالبان والحكومة الأفغانية المدعومة دوليًّا؛ إلا أنه لا يزال حاضرًا في المشهد الأفغاني(74)، ويمثل هذا الحضور حجر عثرة في مسيرة السلام الأفغاني. وفي حال تحقق السلام، سترث داعش الدور الذي ستتخلى عنه طالبان، وهو الدور الراديكالي في مواجهة الحكومة الأفغانية وحلفائها(75)، لذا من الأهمية بمكان أن يتم دعم طالبان، وتكون لها ميزة لمواجهة داعش مستقبلًا. ولتحقيق ذلك، تحتاج طالبان إلى المال في الوقت الذي لا يزال فيه تنظيم الدولة الإسلامية رغم انتكاساته الأخيرة ممولًا بشكل جيد(76).

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search