سياسة

جبهة تحرير ماسينا.. ذراع جهادية تبحث عن الإرث القبلي الضائع

برزت جبهة تحرير ماسينا بشكل خاص بسبب تبنّيها نهج حركي مزدوج ذي شقين، أحدهما جهادي صارم يركز على التطبيق الفوري للحدود وفرض الحجاب على النساء وغيرها من الممارسات في مناطق نشاطها في مالي

بينما كانت الرياح العاصفة تحمل بين ثناياها رمالًا من صحراء “مالي” الذهبية لتنذر بموجة جديدة من عدم استقرار الطقس الشتوي في إحدى ليالي ديسمبر الباردة، كانت كلمات “أمادو كوفا” تسرى في الأثير عبر إذاعته المحلية، التي أسسها للتبشير بدعوته في أوساط عرقية الفولاني، التي تقطن وسط الدولة الإفريقية.

وفي مكان ناءٍ آخر، تجمع عدد من شباب الفولاني يستمعون بشغف لكلماتكوفا الحماسية حول أحكام الشريعة الإسلامية، والتي راجت بشكل واسع منذ 2012، ورسمت حلمًا في أذهان هؤلاء الشباب بأن تطبيقها سيعيد الأمن والرخاء لبلادهم، ويمنحها جزءًا من إرثها وسلطانها التاريخي الضائع وسط ركام التاريخ، مستدعين ذكرياتهم الغائمة عن مملكة “ماسينا” الإسلامية التي أسسها أسلافهم في القرن التاسع عشر الميلادي (في الفترة بين 1810م و1815م) واختارت إحدى البلدات القريبة من موبتي (وسط مالي) عاصمة لها.

قيادات نصرة الإسلام والمسلمين

كانت تلك الكلمات بمثابة النيران، التي أسهمت في إشعال وقود الحراك الجهادي في وسط مالي منذ 2013، قبل أن يتمدد لاحقًا ويطال باقي مناطق البلاد، ويتخطى الحدود القومية ليصبح تهديدًا لدول أخرى.

فالداعية السابق والجهادي الحالي نجح في استقطاب مئات المريدين منذ أن كان يمارس نشاطًا دعويا في دول إفريقية عدة منذ أواخر التسعينيات، كما أسهم في توجيه الأموال لتمويل وتأسيس مساجد ومدارس في الجزائر، وموريتانيا وليبيا، ومالي، قبل أن تظهر نزعته الجهادية المتشددة عقب عام 2011، والتي ترجعها تقارير غربية إلى زياراته التي أجراها في الفترة بين 2008 و2009 إلى دول عدة منها قطر وأفغانستان وباكستان، حيث تأثر بفكر جماعة الدعوة الباكستانية (التي أسست جيش عسكر طيبة)، لاستهداف القوات الهندية في كشمير.

ومن ثمّ تحول “الداعية المالي” تدريجيا إلى اعتناق الفكر الجهادي، وأعلن في عام 2009 رفضه لقانون الأحوال الشخصية المالي، ثم برز منذ 2011 كمصدر لهذا الفكر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإذاعته المحلية التي أدارها بنفسه.

الجيش المالي

تحالف براجماتي بين القومية والجهادية

وبعيد هذا التاريخ بفترة وجيزة، سيطرت “حركة تحرير أزواد” على مناطق في شمال مالي بتحالف مع جماعة “أنصار الدين” الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة- والتي نشط فيها “كوفا” نفسه- وأعلنت إقامة حكم ذاتي في تلك المناطق، بدا المشهد المالي معقدًا وتحولت أراضي البلاد إلى ساحة عمليات تنخرط فيها أفرع “القاعدة” المحلية مع الحراكات المتمردة، وتتلاشى فيها الحدود بين الأزمات العرقية والجهادية.

ووسط هذا المشهد المعقد، سعى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بإمارة الجزائري “عبدالملك درودكال” للاستفادة من الاضطرابات في مالي لإيجاد ملاذ آمن لرجاله المتناثرين بين قمم الجبال ووديان وسهول الصحراء، كما تُظهر الوثيقة التي كتبها بعنوان: “توجيهات عامة بخصوص المشروع الإسلامي الجهادي بأزواد“، أدرك القيادي المخضرم في القاعدة وقتها أن الظروف غير مواتية للمزيد من المكاسب، فنصح رفاقه بالتروي واتباع منهج أكثر براجماتية مع المكونات العرقية والقبلية في مالي، بحيث لا يصبح الجهاديون في الواجهة ويضطرون إلى حمل أعباء إدارة المنطقة التي سيطروا عليها منفردين أو أن يتصدوا للقوات الأجنبية التي توقّع أن تغزو مالي في أقرب وقت.

عبد الملك درودكال

لكن شخصية “أمادو كوفا” لم تستوعب على ما يبدو نصائح أمير القاعدة في المغرب، وواصلت حملة التجييش والحشد العاطفي لأبناء الفولاني، الذين انخرطوا في معسكرات التدريب الجهادية في المناطق المضطربة، والتفوا حول الزعيم الصاعد ليكوّنوا ميليشيا محلية، ويهاجموا بلدة “كونا” في وسط مالي ليسيطروا عليها وينصبوه “سلطانًا على كونا”.

شكلت سيطرة الجهاديين المحليين على البلدة، استفزازًا لفرنسا التي قررت أن تُطلق سريعًا عملية عسكرية في مالي للتصدي للنفوذ الإرهابي المتمدد، وإسقاط تحالف (أنصار الدين- تحرير أزواد)، وهو ما تم بالفعل لاحقًا، ليتفرق مقاتلو التحالف في صحارى إفريقيا.

قوات مكافحة الإرهاب

الانبعاث من رماد الهزيمة

على وقع الهزيمة التي تلقاها الجهاديون، ظهرت حالة من الانشقاقات الحركية عن جماعة أنصار الدين، وبدأت فصائل وكتائب جهادية تُعيد تنظيم نفسها من جديد، وبرز “أمادو كوفا” ثانية ليعيد تجميع مقاتلي الفولاني ويعلن تأسيس “جبهة تحرير ماسينا“، متبنيًا الهجوم الدامي على فندق “ماديسون بلو” في العاصمة باماكو، في نوفمبر 2015، وذلك رغم إعلان جماعة “المرابطون”، مسؤوليتها عن نفس الهجوم سابقًا، وهو ما كشف عن حجم التباين الموجود بين الجهاديين المحسوبين على القاعدة في منطقة الساحل والصحراء.

في حين، برزت جبهة تحرير ماسينا بشكل خاص بسبب تبنّيها نهج حركي مزدوج ذي شقين، أحدهما جهادي صارم يركز على التطبيق الفوري للحدود وفرض الحجاب على النساء وغيرها من الممارسات في مناطق نشاطها في مالي، والآخر يقوم على تبني مطالب قومية الفولاني، التي استوطنت تاريخيا مناطق شمال مالي ودول إفريقية أخرى، واعتمدت نمط الحياة الرعوي الذي يقوم على رعاية الماشية، خاصة الأبقار، والتنقل خلف أماكن الكلأ والماء.

وخلال أقل من عامين، نجحت الجبهة في إثبات وجودها على ساحة العمليات الإرهابية في المنطقة، كما شاركت أيضًا في تشكيل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، التي نشأت كتحالف جهادي يضم 4 جماعات موالية لتنظيم القاعدة، هي: (أنصار الدين، وجبهة تحرير ماسينا، والمرابطون، وإمارة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي)، وتشكلت من خليط من الإثنيات (الطوارق، وشعب الفولاني، والجهاديون العرب الذين تدفقوا عبر دول الساحل والمغرب الإسلامي).

وفي داخل الجماعة الجديدة التي برزت بشكل لافت على ساحة العمليات الإرهابية في المنطقة، احتل “كوفا” مكانة متميزة، فهو مساعد لإياد غالي، أمير نصرة الإسلام والمسلمين، والرجل القوي داخلها، وهو الأمر الذي أسهم في تدعيم مكانته ومكانة الجبهة التي يقودها.

جهاديو نصرة الإسلام والمسلمين

وتمدد نشاط جبهة تحرير ماسينا ليصل إلى مناطق الشريط الجغرافي لدول الساحل التي تضم موريتانيا، وبوركينافاسو، والنيجر، ومالي، وتشاد، وتقدر مصادر غربية عدد مقاتليها بنحو 4 آلاف مقاتل، جُلهم من “الفولاني”.

ومع أن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تبدو من بعيد كجماعة واحدة متماسكة ومصطفة خلف قيادتها، فإن “كوفا” وجبهته يواصلان استغلال وإذكاء نيران الصراعات المحلية بين الإثنيات والعرقيات المالية المختلفة، كما تفرض الجبهة تطبيقًا صارمًا للشريعة يشمل تطبيق الحدود وجباية عشور التجارة والزكاة، وفرض قواعد سلوك صارمة على النساء.. إلخ، وتتسم أيضًا باتباع تكتيكات أكثر عنفًا واستهداف المدنيين بشكل دوري وقتل الزعماء ورجال الدين المحليين الذين يخالفونهم في وسط مالي، ومناطق نشاط الجبهة في بوركينا فاسو وغيرها، وذلك وفقًا لدراسة سابقة للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية.

وعلى النقيض من ذلك، يُبدي إياد غالي مرونة وبراجماتية أكبر من نظيره “أمادو كوفا” ويسعى لاستغلال التناقضات السياسية في المنطقة لتحقيق نفوذ أكبر، ولا يمانع من تأجيل تطبيق الشريعة إلى وقت آخر، لكنه لم يتمكن على ما يبدو حتى الآن من تحجيم نفوذ رفيقه المالي الآخر.

وبينما تضعف الروابط التي تجمع بين “قاعدة المغرب الإسلامي” وبين جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، بمرور الوقت، تواصل جبهة تحرير ماسينا، بناء قدراتها واستقطاب مقاتلين جدد على عجل، فيما يظهر وكأنه سعي متعجل لعودة إمبراطورية الفولاني التاريخية عبر العمل الجهادي العنيف.

عبدالله صالح

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى