وجهات نظر

جدل تحريم مس المصحف وقراءة القرآن للحائض.. “الحائض لا تنجس”

حسن معروف

شهر رمضان هو شهر الفتاوى بامتياز، خصوصا تلك الفتاوى التي تحدد للمسلمين ماذا يجب أن يفعلون في الأمور البسيطة في يومهم العادي، حتى صار المسلم خائفا يترقب ألا يلمحه الناس على مخالفة لفتوى، وكان من أبرز تلك الفتاوى السؤال المتكرر “إن كان الله أسقط الصوم والصلاة عن الحائض، فما بال قراءة القرآن؟”.. أيحرمها الله من مس المصحف لسبب ليس لها ذنب فيه؟

واستغرق الأمر رحلة طويلة بين أروقة الفتاوى والتفاسير، للوصول إلى حقيقة كانت بمثابة مفاجأة، فالحائض “لا تنجس”، ويمكنها مس المصحف وحمله.

في البداية، نذكر رأي دار الإفتاء المصرية، بحكم “سلطتها الدينية”، حيث أجاب مدير إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية الشيخ أحمد ممدوح، عن هذا السؤال بأن “الحائض لا يجوز لها قراءة شيء من القرآن، سواء من المصحف، أو غيره”.

وقال “لما رواه أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن سوى الجنابة، والحائض تلحق بالجنب”.

هل نلحق الحائض بالجنب؟

كيف تسنى إلحاق الحائض بالجنب؟ كيف تستقيم الفطرة في إلحاق الحائض التي لا دخل لها في تركيبها الفسيولوجي، ولا فيما يعتري جسدها من تغيرات، برجل أو امرأة قرَّر ممارسة الجنس، فبات جنبا بإرادته؟ وفي أي مسألة حملت الحائض على الجنب من قبل؟ ورغم قوة الدليل، لكنه في غير موضعه.

ثم استطرد الفقيه: “وكذلك ما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقرأوا الحائض، أو الجنب شيئا من القرآن”. بعيدا عن أن رواية الحديث بلفظة “تقرؤوا” بفتح التاء والراء غير مستقيمة، ولا معنى لها من الأساس، و”تُقرئوا” بضم التاء وكسر الراء، تقلب معنى الحديث تماما، فـ”إقراء القرآن” غير “قراءة القرآن”، لأن إقراءه هو تلاوته على الغير، أو تحفيظه للغير.

لكن المثير للتساؤل أن الحديث ضعيف بحسب كتاب (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/ 192)، وفي النهاية وجه نصيحته “لكن إذا اضطرت المرأة كأن تكون طالبة عندها اختبار، فيمكنها أن تقرأ القرآن، ولكن لا بنية القرآن، وإنما بنية الذكر”!

والعجيب أن طلاب الأزهر قديما، لم يكن يمنعهم مانع عن قراءة القرآن من المصحف وهم جُنب، للتعلم، لكن بعد انتشار المد السلفي، اتضح أنهم يلجؤون لأحد أمرين، تقول (ا.ف) خريجة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالإسكندرية: “كنا بنقرأ طبعا للتعلم، بس بنمسك بحائل، جوانتي، والدليل (لا يمسه إلا المطهرون)”.

أما الشباب، فيقول (م.ب) الطالب بكلية اللغة العربية بالقاهرة: “بس إحنا عندنا ماكانش حد بيصرح بدا للأستاذة، يعني ممكن يكمل الحصة معاه عادي، حتى لو كدة (جُنُب) من غير ما يقول، بس بيننا وبين بعض، كنا ممكن نصرح بدا، لو حد مثلا نازل يصلي، لكن اتكلمنا عموما في دا في حصص الفقه، وكان لا يجوز مس المصحف، لكن يجوز القراءة”.

مَن وضع شبابا في مقتبل العمر في هذا الموضع “يستخْفون من الناس ولا يستخفون من الله”.

دار الإفتاء المصرية

تضارب القياس عند “بن باز” في هذه المسألة

أما الرأي الثاني فهو لمفتي عام المملكة العربية السعودية عبد العزيز بن باز رحمه الله، بحكم تمثيله لـ”المرجعية السلفية”، حيث قال في تفسيره لآية “لا يمسه إلا المطهرون” إن المذكورين في الآية “المطهرون من الأحداث، فلا يمس المصحف، إلا المطهرون، الذي على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر جميعًا، ولهذا كتب النبي إلى أهل اليمن: أن لا يمس القرآن إلا طاهر، وكان الصحابة يفتون بأن لا يمسه إلا طاهر، يعني: من كان على طهارة من الحدثين الأكبر والأصغر وهو القرآن الكريم، ولهذا قال بعده: (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)”.

واختلف العلماء في الحائض والنفساء هل هما كالجُنب أم لهما أن تقرآ عن ظهر قلب، لأن مدتهما تطول، والصواب أنهما ليستا كالجنب، لأن مدتهما تطول فلا تقاسان على الجُنب، والصواب أن لهما القراءة عن ظهر قلب كالمحدث حدثا أصغر، والحدث الأصغر في الفقه هو موجب الوضوء، كالتبول مثلا، بينما الحدث الأكبر هو موجب الغسل كالجنابة.

ثم عاد وقال في إجابة السؤال المباشر عن لمس الحائض للمصحف: “ليس لها الجلوس في المسجد، وليس لها مس المصحف وهي حائض حتى تتطهر، لكن لو دعت الحاجة إلى مسه من وراء القفازين، من وراء حائل لمراجعة آية أو ما أشبه ذلك لا بأس، لأن حدثها أكبر كالجنب”.

والمتأمل لرأي الشيخ يجد الآتي:

أولا: لقد فسر “المطهرون” على أنهم “المتطهرون”، وما عليه المفسرون أن “المطهَّرون” في الآية هم الملائكة، فذكر القرطبي: “قال أنس وسعيد وابن جبير: الملائكة”، وبالتالي بنى فتواه على استدلال خاطئ لدليل لا يقبل الشك، لكنه في غير موضعه.

ثانيا: ساوى بين “طاهر” و”مطهّر” في حديث أهل اليمن، والطاهر هنا هو المسلم، لسببين، الأول هو حداثة عهدهم بالإسلام، وحولهم مشركون لم يؤمنوا بعد، و”المشركون نجس”.

والسبب الثاني أن “المسلم لا ينجس” بحسب حديث أبي هريرة، “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: “أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟” قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ.. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ: “سُبْحَانَ الله إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجَسُ”، أخرجه البخاري (283)، ومسلم (371).

ثالثا: رفض الشيخ التسوية بين الحائض والجنب في حكم القراءة، وأفتى بصحة قراءة الحائض لطول المدة، وساوى بينهما في حكم مس المصحف وحمله، ولكن أيهما أكثر قدسية، لمس القرآن أم قراءته؟

الظاهر أن قراءته أكثر قدسية، لأن بها يكون التعبد وتتم الصلاة، فلا تعبّد بحمل المصحف فقط، بل تقرب واستئناس ومعية، فمن باب أولى أن تمنع قداسته الحائض من القراءة وليس الحمل، وهذا غريب.

الشيخ عبدالعزيز بن باز
ابن باز

القياس اللغوي يحسم الجدل التفسيري

الرأي الثالث هو رأي “اللغة”، في الفصل بين الطهر والتطهر، و”المطهرون” على وزن “مُفعّلون”، أي أن هناك من طهّرهم، بينما “المتطهّرون” على وزن “المتفعلون”، أي أنهم طهّروا انفسهم بأنفسهم، وقال ابن منظور في لسان العرب: “(لا يَمسُّه إِلا المطَهَّرون)؛ يعني به الكِتَابَ، لا يمسّه إِلا المطهرون، عنى به الملائكة”..

إذن فالآية ليست دليلا على عدم لمس الحائض للمصحف.

أما الحائض فهي لا تنجس، وإسقاط الفروض عنها، مثل الصلاة والصوم، “تخفيفا لا احترازا”، والدليل قوله تعالى “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ”.

فجملة “حتى يطهرن” أي “ينقطع عنهن الحيض” بحسب ابن منظور في لسان العرب، وليست عكس “النجاسة” كما يتوهم البعض، أو كما حملها آخرون على “المعنى المتقارب للجذر الواحد”، أي إن كل مشتقات الجذر اللغوي “طهر” تكون عكس “نجس”.

كما أن لفظة “تطهرن” لا يقصد بها إزالة النجاسة، بل يقصد بها “زيادة الطهارة”، بناء على تضعيف الهاء، فالزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، وهل يمكن أن أزيد في شيء غير موجود بالأساس؟!

وبالتالي الحائض ليست نجسا في المطلق، وما دار حول هذا المعنى من اجتهاد الفقهاء فهو لبس لغوي آن أوان إزالته.

حكمة مشروعية الاغتسال في الإسلام

وبخصوص اغتسال الحائض، فهذا مرده إلى اكتمال النشاط البدني، سواء كانت متزوجة أم لا، واستعادة النشاط مهمة للقيام بالواجبات اليومية، وأيضا إزالة روائح غير مستحبة للمتزوجة، نتيجة إفرازات طبيعية، فالعرق ليس نجسا، لكنه رائحة غير مستحبة، ويفضل التخلص منه قبل لقاء الزوجين لكمال المتعة، أما اشتراط الغُسل قبل أداء العبادات فرائض أو نوافل، فهو لقدسية الوقوف بين يدي الله، ولاستعادة النشاط البدني للقيام بالعبادة على أكمل وجه، ولا علاقة لها بالنجاسة، فـ”المؤمن لا ينجس” بحسب حديث ابي هريرة، ولكن الله يريد عبده خالصا له نشيطا يعجل إليه.

حسن معروف

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى