دراسات وتحليلات

بين تجربتي مالي والنيجر.. كيف نفهم جذور أزمات “الساحل الإفريقي”؟

في ظل تزايد تعقيدات الصراع، وتصاعد وتيرة أنشطة الجماعات الإرهابية، وتكرار اختطاف الرهائن، والهجمات شبه اليومية، باتت العديد من التساؤلات مطروحة بشأن مدى نجاح الاستراتيجية الدولية الراهنة في منطقة الساحل الإفريقي، حيث بدأت العديد من الأطروحات تنتقد هذه الاستراتيجية وتُحمِّلها نتاج الأوضاع الأمنية التي ازدادت سوءًا بهذه المنطقة، حتى أضحت تمثل بؤرة ملتهبة تحوي شبكة واسعة من الجماعات الإرهابية المتنافسة والمتداخلة في ذات الوقت.

لكن في واقع الأمر، حتى وإن شهدت الاستراتيجية الدولية بعض التعثرات، لا يمكن تحميلها مسؤولية خلق هذه البؤرة المشتعلة –على الرغم من التسليم بأنها أسهمت بتفاقم هذه الأوضاع نسبيا- فثمة محددات رئيسية تمثل الدافع الحقيقي لاستمرارية الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي، لعل أبرزها:

ضعف حكومات الساحل الإفريقي وفشلها في أداء وظائفها السيادية، فضلاً عن الفساد المستشري والقمع الممنهج ضد المعارضة، وهي مجموعة من الإشكاليات الهيكلية التي سبقت في وجدها الحراك الدولي الخاص بـ “الحرب على الإرهاب” بزمن طويل.

التحالف الدولي في منطقة القرن الإفريقي
التحالف الدولي في القرن الإفريقي

كان هذا ما أكدته الدراسة التي نشرها مركز Chatham House في مارس 2021، تحت عنوان “إعادة التفكير في الاستجابة للجماعات الإرهابية في منطقة الساحل”، فقد دعمت هذه الدراسة فكرة أنه من غير المرجح أن تنجح الاستجابات الدولية -التي تنطوي بالأساس على دعم العمل العسكري ضد الجماعات المسلحة- دون مواجهة تحديات أعمق للحكم والسياق الاجتماعي والاقتصادي القائم.

إشكاليات هيكلية متشابكة

للدول في منطقة الساحل سمات مشتركة، أبرزها ضعف الدولة الوطنية واختلال وظيفتها، فضلاً عن الفساد، والفوضى الهيكلية، وغالبًا ما تتكون القوات العسكرية لهذه الدول من جنود تم تجنيدهم على عجل، مع ضعف تدريبهم، ونقص تجهيزهم، ومن ثَمَّ تكون النتيجة هي انتشار الإفلات من العقاب والقمع العشوائي الذي يقوض الثقة الشعبية في الحكومات الوطنية، وبدلاً من إنهاء العنف، فإن ذلك يؤجِّج المزيد من الصراع عبر دفع الضحايا إلى الانضمام إلى الجماعات الجهادية.

من ناحية أخرى، لا تمتلك الحكومات في منطقة الساحل سيطرة كبيرة على قواتها الأمنية، وهي المعضلة التي تعانيها حتى دول المنطقة التي تتسم ببعض مؤشرات الحكم الديمقراطي، فهناك انعدام ثقة بين الرؤساء المنتخبين والجيوش التي كانت تسيطر على السلطة قبلهم، وبدافع الخوف على مكتسباتهم وأماكنهم، عمد بعض القادة إلى إضعاف جيوشهم النظامية.

كذلك، يعد الفساد بدول الساحل الإفريقي أحد أبرز الإشكاليات التي تقوِّض أي محاولة للاستقرار، وتزداد حدة التعقيدات نظرًا لتورط بعض الأجهزة الأمنية في عمليات تهريب الأسلحة التي تُزوِّد بها المتمردين بشكل مباشر أو غير مباشر، في المقابل لا تمتلك الحكومات الوطنية سلطة معاقبة هذه القوات، خوفا من حدوث انقلابات عسكرية، وقد باتت الجماعات الجهادية متيقنة من أن الجيوش الإقليمية ضعيفة للغاية.

تفاقم الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي
تفاقم الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي

حالة مالي: هشاشة المؤسسة العسكرية

لقد كان لهذه الإخفاقات العسكرية وأزمات الحوكمة Governance، دورا محوريا في ظهور الجماعات المسلحة وانتشارها واستمرارها في جميع أنحاء منطقة الساحل، وهو نمط ربما يكون مترسخًا بعمق في مالي، فقد لعب “الجيش المالي” دورًا رئيسيًا في تطوير الجماعات الجهادية في شمال ووسط البلاد، من خلال الإخفاق في حماية المدنيين، الذين أُجبروا بعد ذلك على قبول وجود الجماعات المسلحة داخل مجتمعاتهم، أو بارتكاب الجيش لانتهاكات دفعت البعض للانضمام إلى هذه الجماعات الإرهابية.

واقعياً، هذه الديناميكيات لها جذور عميقة في تاريخ مالي، وعلى الأخص في تمرد الطوارق عامي 1963 و1990.

ففي عام 1963، تحولت سرقة الأسلحة البسيطة إلى تمرد واسع بسبب الاستجابة غير المتناسبة من جانب الحكومة، فقد تم حشد أكثر من نصف جيش مالي في الشمال، حيث تم إرسال ما يصل إلى 2200 جندي بمركبات مدرعة لمحاربة نحو 250 متمردا.

وقد تسببت العمليات العسكرية في مقتل الآلاف، وفقدان ما يصل إلى 40% من قطعان الماشية في المنطقة، وتعرضت الآبار للتسمم وقُتل نساء وأطفال ورجال دين، ما دفع الكثير من السكان المحليين إلى الانضمام لصفوف المتمردين.

ورغم نجاح القوات الحكومية في قمع انتفاضة 1963 بسرعة، فإنها تركت إرثًا من الاستياء الدائم، لذا، كان يُنظر إلى ثورة الطوارق الثانية عام 1990 بشكل جماعي على أنها استمرار للأولى، من أجل الانتقام لأحداث 1963.

هشاشة الأوضاع في مالي
هشاشة الأوضاع في مالي

ثمة إشكالية أخرى ترتبط بالهشاشة الهيكلية التي تعانيها “القوات المالية”، تتمثل في قيام الأخيرة باللجوء إلى استخدام الميليشيات غير الرسمية لتعويض ضعف قواتها الرسمية، ففي مايو 1994 أسهمت عناصر من السنوغاي Songhaï في الجيش المالي بإنشاء حركة Ganda Koy (سادة الأرض)، ليكون لها يد طليقة في قمع المدنيين الطوارق، على الرغم من ارتدائها الزي العسكري الرسمي وتجهيزها بأسلحة من الجيش المالي، وقد تم حل الحركة رسميًا في مارس 1996، لكنها عادت إلى الظهور تحت اسم Ganda Iso (أبناء الأرض)، وأعلنت نيتها استئناف القتال عندما أعلن الطوارق استقلال أزواد في إبريل 2012.

وقد واصل الجيش المالي الاعتماد على الميليشيات لمحاربة الجماعات، التي تعتبرها “إرهابية”، فعندما أُجبرت عناصر الجيش على الانسحاب من مدينة كيدال في مايو 2014، دعّمت تشكيل مجموعة GATIA، والتي تأسست للدفاع عن طوارق إمغاد وحلفائهم.

حالة النيجر: مؤشرات إيجابية

على غرار تجربة مالي، شهدت النيجر تصاعد حدة المواجهات بين المتمردين والقوات الحكومية في مايو 1990، وذلك بسبب الانتهاكات الوحشية التي نفّذتها هذه القوات، وكما هو الحال في مالي، فقد ساد نمط الإفلات من العقاب، ولم يكن هناك تحقيق قضائي أو محاكمة، وعلى الرغم من التعرف على الجناة واعتقال بعضهم واحتجازهم، فقد أفرج عنهم في فبراير 1992، ولم تجرؤ الحكومة المدنية على معاقبة قواتها المسلحة خوفًا من إثارة انقلاب، ومن ثَمَّ استمرت الانتهاكات مع الإفلات من العقاب.

لكن منذ التسعينيات، حدثت بعض التطورات الإيجابية في النيجر، وذلك بسبب العوامل الديموغرافية والاقتصادية الهيكلية، فمجتمعات الطوارق أكثر اختلاطًا وتوزعًا على نطاق واسع في جميع أنحاء النيجر، بينما في مالي يتركزون بشكل كبير حول كيدال.

وعلى عكس شمال مالي، يتمتع الجزء الشمالي من النيجر بمصادر دخل خاصة به، لا سيما من اليورانيوم، ويمكن الوصول إلى عاصمتها أغاديز بسهولة من نيامي (عاصمة النيجر)، بينما يصعب الوصول إلى كيدال في مالي من باماكو (عاصمة مالي)، ومن ثَمَّ فقد توجهت تجارة كيدال بشكل أساسي نحو الشمال، حتى أن بعض التقديرات تُرجِّح أن أكثر من نصف سكانها يحملون الجنسية الجزائرية.

يُعزى قدر كبير من التقدم النسبي في النيجر إلى قرارات سياسية مدروسة، فقد تم ضمان التمثيل السياسي لجميع الأقليات في النيجر -بما في ذلك الطوارق- ومستوى معين من الوصول إلى السلطة، علاوة على ذلك، قامت الحكومة بإضفاء اللا مركزية على بعض الوظائف الإدارية وسمحت للسلطات المحلية بإنفاق 15% من عائدات التعدين على جوانب التنمية المحلية.

كذلك، أولت حكومة النيجر عناية أكبر لدمج المتمردين في أجهزة الدولة والأمن، فكانت الدولة أكثر نشاطًا في تعاملها مع المتمردين، وحاولت وقف دوامة الأعمال الانتقامية العرقية، وعلى النقيض من مالي، كانت النيجر واحدة من دول الساحل القليلة التي سعت حقًا لاحتواء الميليشيات المسلحة، فقد سارعت الحكومة النيجرية إلى حل الميليشيات التي دعمتها سابقا لمواجهة الهجوم الذي شنه متمردو الطوارق والتبو عام 1991.

مؤشرات إيجابية في النيجر
مؤشرات إيجابية في النيجر

إخفاقات مستمرة

يبدو أن حكومات دول الساحل لم تستفد كثيرًا من تجارب القرن الماضي، والتداعيات الكارثية التي خلّفتها الاستجابة غير المناسبة مع العناصر المتمردة، ما حوّلها إلى جماعات إرهابية واسعة الانتشار، حيث لا تزال الحكومات تلجأ إلى الإجراءات القمعية، والتي تُفسِر جزئيًا سبب استمرار المتمردين في حشد الدعم من شرائح واسعة من السكان.

ولا تزال حكومات دول الساحل تلجأ إلى الاعتماد على الميليشيات المسلحة في تعزيز قواتها النظامية، باعتبارها أقل تكلفةً وأسرع استجابة، بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تحظى هذه الميليشيات بشعبية في مجتمعاتها المحلية.

فقد أشارت الدراسات الاستقصائية، التي أُجريت في جميع أنحاء بوركينا فاسو عام 2018، إلى أن 90% من سكان البلاد لديهم نظرة إيجابية لما يسمى “حرّاس الأدغال”، الذين تم تفويضهم لإجراء عمليات أمنية في المناطق الريفية للتعويض عن القوات النظامية.

ومع ذلك، فإن هذه الادعاءات تتعارض مع حقيقة أن مجموعات الميليشيات المسلحة أدت إلى تصاعد العنف المجتمعي، فمعظم الميليشيات غير مدربة وغير مهنية، ولا تخضع للمساءلة أمام الدولة، وتميل إلى تأجيج التوترات الطائفية، حيث تعمل هذه الميليشيات على الدفاع عن مصالح جماعة معينة في مواجهة منافسيها، ما يُفاقم الصراعات العرقية والمجتمعية.

الاستراتيجية الدولية وفجوة الإدراك القائمة

في الواقع، لا يمثل التعاون العسكري الاستجابة الأمثل لمعالجة الإشكالية الأساسية، فهي مشكلة مركّبة وذات أبعاد متعددة، ولا شك أن حل النزاعات في منطقة الساحل يكمن في تقوية الدول الضعيفة وإضفاء الشرعية عليها، وهو مشروع طويل الأمد، فالنهج الحالي أثبت عدم فعاليته، سواء في مكافحة الحركات الإرهابية أو في منع العنف الطائفي.

 الفجوة في الرؤى والإدراكات بين قوات أفريقيا والقوات الفرنسية
الفجوة في الرؤى والإدراكات

من ناحية أخرى، قد يعني إرسال المزيد من القوات الدولية إلى الخطوط الأمامية تحمل المسؤولية المباشرة عن إثارة الرفض الشعبي في منطقة الساحل ضد القوات الدولية.

ففي النيجر، أثار افتتاح قاعدة عسكرية أمريكية في أغاديز عام 2019 بعض الانتقادات الداخلية، حيث أعطى انطباعًا بانتهاك السيادة الوطنية.

تُسلِّط مثل هذه التحديات الضوء على القيود المفروضة على قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة عندما يبدو “الإرهابيون” أقرب إلى الجماعات المتمردة أو قطّاع الطرق الاجتماعيين الذين تدعمهم بعض المجتمعات، وتكون ديناميكيات الصراع متجذرة في السياسة المحلية بدلًا من الصراع الأيديولوجي العالمي، ففي هذا السياق، كان التركيز السائد على التطرف الديني مُضللًا، وما ترتب عليه تدخلات غير متماسكة وغير فعالة.

لذا، يبدو نموذج مكافحة الإرهاب أقل منطقية، فكلمة “إرهابي” غير موجودة فعليًا في اللغات المحلية، حيث يتحدث السكان بعبارة “الأولاد السيئون” عندما يشيرون إلى عناصر كاتيبا ماسينا أو بوكو حرام، بدلًا من اعتبارهم جماعات إرهابية، وبالنسبة لكثير من السكان المحليين، فإن التحدي الأمني ​​الرئيسي الذي يواجهونه ليس الإرهاب، بل سرقة الماشية واللصوص المسلحين أو التوترات الطائفية.

وتؤكد الاستطلاعات المتاحة هذه الفجوة في الإدراك، ففي عام 2018، ومن بين 8307 مُشاركين في 10 مناطق في مالي، لم يُبلِّغ أي منهم عن وقوعه ضحية لهجوم إرهابي منذ 2014، وبالمثل، فإن أقل من 16% من 7275 قرويًا تمت مقابلتهم عام 2018 في منطقة تيلابيري النيجيرية ذكرت الهجمات الإرهابية كمسألة أمنية.

خاتمة

في سياق النزاعات المعقدة والممتدة، حان الوقت لإعادة التفكير في دور المجتمع الدولي والاعتراف بحدوده، حيث يعتمد النجاح على استعداد القادة المحليين لإصلاح وتجديد عقدهم الاجتماعي مع المواطنين، لا سيما في المناطق الريفية، ولا مفر من حدوث تغيير في سياسة المجتمع الدولي في منطقة الساحل الإفريقي، فقد أصبح التدخل الفرنسي في منطقة الساحل أكثر صعوبة بسبب الاستياء الذي تراكم ضد القوة الاستعمارية السابقة، لا سيما في بلدان مثل مالي وبوركينا فاسو ذات المشاعر القوية المناهضة للإمبريالية، وبمرور الوقت فإن القوات الفرنسية، التي كان يُنظر إليها في البداية على أنها مُحرِّرة، باتت تُعامل كقوة احتلال، وسط شكوك بأن فرنسا تحاول السيطرة على الموارد والأسواق.

أخيرا، قد لا تُقدِّم النيجر نموذجًا يمكن تكراره بالكامل في منطقة الساحل، لكنه يوضح أن هناك احتمالات للتحسين، لعل هذا ما يعكسه الإقبال الكبير على التصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة هناك.

ورغم أن تجربة النيجر ليست مثالية بأي حال من الأحوال، فإنها تُظهِر إمكانية تغلب دول الساحل على إرث الماضي العنيف والمنقسم، لكن حكومات الساحل الإفريقي وشركاءها الدوليين يحتاجون إلى تعلم دروس التاريخ، سواء في العقود الأخيرة أو العقود السابقة، من أجل تجنب تكرار أخطاء الماضي.

المصدر (اضغط هنا)

اقرأ أيضًا

الجهادوية في الساحل الإفريقي.. كلمة السر “المكوّن القبلي”

ذهب الساحل الأفريقي.. تمويل سخي في يد جماعات العنف

تفكيك العقل الإرهابي في “الساحل”

عدنان موسى

باحث وأكاديمي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى