جمال الدين الأفغاني.. إعادة قراءةٍ في ظلّ وثائق ودراسات مُتجاهَلَة

د. وائل صالح

أستاذ بجامعة كيبك بكندا

مما لا شك فيه أن “جمال الدين الأفغاني” من أكثر الشخصيات في تاريخ مصر والعرب التي يلفّها الكثير من الغموض، وتدور حولها الكثير من التساؤلات المشروعة التي لم تجد إجابات شافية حتى وقت قريب. وبالرغم من ظهور الكثير من الوثائق والدراسات الجادة حول هذا الرجل التي تنفي عنها الصورة الذهنية الإيجابية؛ إلا أن تلك الدراسات لم تأخذ حظها من التداول على نطاق واسع لتصل إلى غير المتخصصين. سأجمل بعض ما توصلت إليه تلك الدراسات عن “جمال الدين الأفغاني” في النقاط التالية، وذلك بهدف تفكيك تلك الصورة النمطية عنه، ولفهمٍ أكثر لتاريخ الأفكار في عالمنا العربي الحديث والمعاصر:

1- أثبتت دراسات ووثائق حديثة من أهمها كتاب “حقيقة جمال الدين الأفغاني” الذي كتبه بالفارسية ابن أخت “جمال الدين الأفغاني” “ميرزا لطف الله خان الأسد أبادي” والذي ترجمه إلى العربية د. عبدالنعيم حسنين؛ أن “الأفغاني” كان إيرانيًّا شيعيًّا، وأن بعض أفراد عائلته ما زالوا يعيشون في حي سيدان بقرية أسد أباد بالقرب من همدان بإيران، ويعتنقون المذهب الشيعي. وأثبت هذا الكتاب أيضًا أن نشأة “جمال الدين الأفغاني” كانت نشأة شيعية بامتياز، وأنه قد درس على يد أكبر علماء طهران “علي أقاسيد صادق” بدايةً من عام 1851، ثم رحل إلى العراق ليدرس بالنجف وهو موطن العلم والعلماء في نظر الشيعة، ويحج إليها كل من يريد التخصص في دراسة المذهب الشيعي، والتي أقام بها “جمال الدين” لمدة أربع سنوات تتلمذ فيها على يد الشيخ “مرتضى الأنصاري”، أحد كبار علماء الشيعة في ذلك الوقت. وأثبتت هذه الدراسات أيضًا أن “جمال الدين الأفغاني” كان يتحدث الفارسية باللهجة الإيرانية كأبنائها، وأن الطريقة التي اتّبعها في دراسته وألوان ثقافته وسلوكه تدل جميعها على أنه كان إيرانيًّا شيعيًّا ولم يكن سُنيًّا أفغانيًّا (يمكن الرجوع أيضًا إلى “ميرزا غلام حسين خان” الذي كان أستاذ اللغة الفارسية في كتابه “مروان نامي شرق” الصادر في بيروت عام 1929).

2- أثبتت تلك الدراسات أن “الأفغاني” لعب أدوارًا مشبوهة في التاريخ العربي والإسلامي، فما وطئت قدمه بلدًا إلا تبع ذلك فتنة بين الناس وبين من يحكمونهم من جانب وبين أفراد الطبقة الحاكمة أنفسهم من جانب آخر. ففي مصر كان هو المحرض الرئيس لخلع “الخديوي إسماعيل” وتنصيب ابنه “توفيق”، وما تبع ذلك من كوارث على مصر أهمها الاحتلال البريطاني، حتى إنّ من الباحثين من يؤكد أنه كان موظفًا في المخابرات البريطانية طوال 40 عامًا كما فعل “روبرت دريفوس” في كتابه “رهينة الخميني”، حيث أكد أن “الأفغاني” كان لا يسلك إلا بعد أن يسترشد باثنين من المتخصصين في الشئون الإسلامية والتنظيمات الدينية، هما “ويلفرد سكاون بلانت” و”إدوارد براون” (ص 118 من النسخة الإنجليزية من الكتاب). ويقول الكاتب نفسه في صفحة 113 من النسخة المترجمة للعربية، إن الإنجليز والأفغاني قد وضعا سم التعصب الإسلامي ليعطل النهضة والحداثة في مصر، وهو سم لم تتخلص منه إلى الآن.

تثبت الوثيقة التالية (انظر الوثيقة الأولى) أن “جمال الدين الأفغاني” فعل ذلك وكان بقصد الإضرار بمصر وإخضاعها للاحتلال الإنجليزي، فهو يقول في تلك الرسالة إنه استطاع أن يمزق مُلك خديوي مصر قطعة قطعة، وأنه يضع قدم الإنجليز على حلقه وعما قريب ينقطع نفسه. كما أنه كان السبب الرئيس في الفتنة بين “الخديوي إسماعيل” وولده “توفيق”، حيث يقال إن “توفيق” كان عضوًا في حركة “مصر الفتاة” السرية، وتمكن “جمال الدين الأفغاني” من تأليبه ضد أبيه، بل وذهب هو و”سليم نقاش” مدير صحيفتي “مصر” و”التجارة” (مترجم) إلى المسيو “تريكو” -قنصل فرنسا بالقاهرة- وطلب منه أن تعمل دولته على مساعدة الوطنيين المصريين على عزل “إسماعيل” وتولية ولده “توفيق” بدلًا منه (انظر كتاب دكتور علي شلش، “الأعمال المجهولة.. جمال الدين الأفغاني”، صفحة 247).

ويعترف “جمال الدين” في الوثيقة نفسها بأنه استطاع أن يفعل الشيء نفسه في أفغانستان بأن شرد أسرة “شير علي خان” بتأليب العائلة على نفسها، فأوقد صراعًا عائليًّا على السلطة بين “شير علي خان” وإخوته، ونَاصَرَ “جمالُ الدين” “أعظم خان” ضد أخيه، مما أدى إلى حرب أهلية لمدة سنتين ثم عودة “شير علي خان” للحكم، ثم احتل الإنجليز أفغانستان بعد وقت ليس بالطويل. فيا لها من مصادفة أن يحدث في مصر ما حدث في أفغانستان بالضبط وبالطريقة نفسها، وبإشراف تام من “جمال الدين الأفغاني”. فليس من المصادفة أيضًا أن يُساهم “جمال الدين الأفغاني” في خلع “الخديوي إسماعيل” الذي كان يسعى إلى تحديث مصر بالرغم من بعض الأخطاء، وأن يستطيع أن يقتل “ناصر الدين خان” الذي كان يسعى إلى تحديث إيران أيضًا، حيث إنه أول من استقدم نظم التعليم الغربية بإنشائه أول مدرسة نظامية تُدرّس علومًا غربية، وحيث إن نهاية عهده شهدت سحب امتياز التبغ من الأجانب، ويُعتبر ذلك الحدث هو أصل الوطنية الإيرانية الحديثة في نظر الكثير من القوى الإيرانية، كما يؤكده كتاب “التعليم في شرق آسيا الوسطى” المنشور عام 2013.

الوثيقة الأولى (رسالة الأفغاني إلى صديقه الفارسي أمين الضرب)

الترجمة العربية للرسالة

 

الرسالة الأصلية بالفارسية

كما يمكننا القول -في هذا الصدد أيضًا- إنه أول من أدخل في العصر الحديث نظام الاغتيالات السياسية التي تتدثر برداء الدين لتُخفي المآرب السياسية، فهو من خطط ودبر لاغتيال “ناصر الدين شاه القاجاري” ملك إيران في ذلك الوقت في 1 مايو 1896. ويقال إن هذا هو أول اغتيال سياسي بفتوى دينية في العصر الحديث، كما أقر “محمد عبده”، رفيق درب “جمال الدين الأفغاني”، نفسه بأنه كان ينتوي قتل “الخديوي إسماعيل” ولكن الخطة فشلت. ولم يُنكر “محمد عمارة” نفسه، المدافع الأول عن “جمال الدين الأفغاني”، تلك الواقعة، كما أنه لم يُنكر على “جمال الدين الأفغاني” واقعة تخطيطه واغتياله “ناصر الدين شاه” التي تمت على يد أحد أتباع “جمال الدين الأفغاني” وهو “ميرزا رضا كرماني” الذي يُقال إنه قال لـ”ناصر الدين شاه” وهو يقتله: خذها من يد جمال الدين.

وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور “محمد محمد حسين” في كتابه “الإسلام والحضارة الغربية” (صفحة 68 إلى 82) أن الاغتيال السياسي كان وسيلةً من وسائل “الأفغاني” السياسية.

يبقى لنا -في هذا الصدد- القول إن تلك الدراسات أكدت أن من حرض على قتل “الأفغاني” كان السلطان “عبدالحميد الثاني” وهو كما نعلم له مكانة بارزة عند الإسلامويين، فكيف يُبررون أن السلطان الذي رفض أن يبيع فلسطين لليهود -كما يقولون- هو نفسه الذي أمر بقتل “جمال الدين الأفغاني”؟ الإجابة أنه تبيّن له أنه إيرانيٌّ شيعيٌّ، وأنه يعمل مع الإنجليز لإسقاط الخلافة العثمانية وإنشاء جامعة إسلامية جديدة بقيادة “الشريف حسين”، وبالتالي كل ما كان يقوم به كان بغرض الإضرار بالدولة العثمانية، وقد قالها “جمال الدين الأفغاني” نفسه بالوثيقة الأولى نفسها، كما تباهى بأنه استطاع أن يجعل الدولة العثمانية تقطع أذنها وأنفها، وأن تكسر ظهرها كما نرى أمامنا في الوثيقة. فقد قالها السلطان “عبدالحميد الثاني” في مذكراته (مذكرات عبدالحميد، ترجمة الدكتور محمد حرب، الصادرة عن دار نشر القلم في دمشق عام ١٩٩١) صريحة بأنه اكتشف وثيقة تُدين “جمال الدين الأفغاني” بالتعاون مع “ويلفرد سكاون بلانت” على إسقاط الخلافة العثمانية، ونقلها إلى “الشريف حسين” أمير مكة، ولقد نفذ هذا المخطط بالرغم من وفاة “الأفغاني” بقيام الثورة العربية الكبرى التي بالرغم من أهدافها النبيلة إلا أنها أدت إلى نتائج عكس هذه الأهداف، وتطبيق اتفاقية “سايكس بيكو”، وتقسيم العالم العربي في نظر الإسلاميين أنفسهم.

3- الخطابات المتبادلة بين “جمال الدين الأفغاني” وتلاميذه ومريديه تُبيّن لنا كيف كان “الأفغاني” يستعبد نفوس مريديه، وكيف كان مريدوه يقبلون الاستعباد نفسيًّا وعاطفيًّا.. إلخ. يبين لنا بجلاء خطاب “محمد عبده” إلى “الأفغاني” على سبيل المثال (انظر الوثيقة الثانية) كيف كان “جمال الدين الأفغاني” يُحيط نفسه بهالات القداسة، وكيف كان يسبغها عليه مريدوه لتصل إلى درجة وصفه ببعض صفات الألوهية في بعض الأحيان.

الوثيقة الثانية (رسالة محمد عبده إلى جمال الدين الأفغاني المؤرخة في 5 جمادى الأولى 1300ه – 1883م)

“مولاي الأعظم، حفظه الله وأيّد مقاصده: ليتني كنتُ أعلم ماذا أكتب إليك، وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك. صنعتنا بيديك، وأفضتَ على موادنا صورَها الكمالية، وأنشأتنا في أحسن تقويم. فيك عرفنا أنفسنا، وبك عرفناك، وبك عرفنا العالم أجمعين. فعلمك بنا كما لا يخفاك علمٌ من طريق الموجب، وهو علمك بذاتك، وثقتك بقدرتك وإرادتك. فعنك صدرنا، وإليك إليك المآب”.

يبقى لنا أن نقول إن أكثر من دافعوا عن “الأفغاني” كانوا ينتمون للجماعات الإسلامية فكرًا أو تنظيمًا، فمؤلف كتاب “جمال الدين الأفغاني منقذ الشرق وفيلسوف الإسلام” هو “محمد عمارة”، ومؤلف مسلسل “جمال الدين الأفغاني” هو “أحمد رائف”، ولقد حاول “د. محمد عمارة” أن ينفي عن “جمال الدين الأفغاني” إيرانيته وشيعيته؛ إلا أن رده لم يكن مبنيًّا على الأسانيد والوثائق بل كان ردًّا مرسلًا.

خلاصة القول في نهاية هذا المقال، إننا نستطيع أن نقول إن “الأفغاني” كان له حظٌّ من اسمه الحقيقي وهو “صفدر”، وهي لفظة مكونة من شقين: شق عربي وآخر إيراني؛ الشق العربي هو “صف” أي بمعنى طابور أو تجمع، وكلمة “در” وهي لفظة إيرانية معناها ممزق أو مفرق (انظر لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 1-8 ج3 لعلي الوردي صفحة 300). إنه المفتن ممزق الصفوف.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search