ناصر والنقد الأعمى

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

من سجل الذكريات، أن فتى يافعا، لم يجاوز الأربعة عشر عاما، يحتويه مجلس إيماني، يبدأ بتلاوة القرآن، ومدارسته، والتذكير بالآخرة، والحض على الطاعة والتحذير من غضب الله، ثم يقال له في مثل هذا المجلس، إن جمال عبد الناصر أمه يهودية. هذا ماحدث معي بالضبط نهاية عام 1987، حينما بدأت التعرف على الإخوان المسلمين، ولم يترك نقيب الأسرة لي فرصة لتفكير، فقد دلني على كتاب للأستاذ جابر رزق، يتحدث فيه عما سماه مذابح الإخوان في سجون ناصر… وقد انتهيت من الكتاب بسرعة لما يتضمنه من وقائع مثيرة، ومع آخر صفحة من الكتاب كانت نفسي قد امتلأت بقدر لا يوصف من كراهية عبدالناصر، بل وكراهية من يحبون عبدالناصر، لكن إرضاع الكراهية، واستبقاءها في مستوياتها العليا لم يتوقف، فالإخوان لم يكونوا يتركون فرصة، أو موقف، أو لقاء يمكن أن تفتح فيه هذه السيرة إلا واغتنموها، ووضعوا لها من الحكايات والأساطير ما يجعل جذوة الكراهية مشتعلة لا تخبو.

 فعبدالناصر أمه يهودية، وعبدالناصر عميل لليهود، وعمالته بدأت من أيام حصار الفالوجا في حرب فلسطين، حيث عرض عليه اليهود أن يساعدوه في الوصول لحكم مصر بشروط ثلاثة: أن يحل المحاكم الشرعية، وأن يقضي على جماعة الإخوان المسلمين، وأن يؤمم قناة السويس! وأن هذا العرض من اليهود كان موثقا، وأن الوثيقة كانت مع الصحفي الإخواني الراحل جابر رزق… وقال لي نقيبي إن عبدالناصر كان كافرا، وإنه عندما زار الحرم لأداء العمرة، طاف حول الكعبة أربعة أشواط فقط ثم قال: ماهذا الهراء؟ أنطوف حول حجر؟ .. وقال لي نقيبي إن عبدالناصر هو سبب الشرور في أرجاء العالم، قلت له: تقصد سبب الشرور في مصر؟ قال: لا، بل في أرجاء العالم، قلت له تعني العالم العربي؟ قال: بل في أرجاء العالم، قلت له: هل تعني أن الشرور في الهند والصين وأميركا اللاتينية وكوريا واليابان سببها عبدالناصر؟ قال: نعم وفي كل أرجاء العالم، وأقسم على قوله هذا بالله العظيم… وعبدالناصر دمر الزراعة بإقامته لمشروع السد العالي المشؤوم، وعبدالناصر قضى على الديمقراطية التي كانت قائمة وتتنافس فيها أحزاب عظيمة قبل انقلابه، وهو سبب الهزائم والنكسات، وهو عدو الله ورسوله، ومحارب الإسلام وعلمائه، وهو صلى ذات مرة بدون وضوء، وهو ناشر الفسق والفجور والعري في أرجاء مصر، وهو الحاقد على الأغنياء، ومدمر العمل الأهلي والوقف الخيري الذي كان البشوات الطيبون، والإقطاعيون الخيرون يرصدونه لمساعدة كل محتاج، وهو بائع مصر للاتحاد السوفيتي، وهو عميل إسرائيل الأول في المنطقة والممكن الأول للصهيونية بضربه للحركة الإسلامية، وهو من أهانه الله فجعل (المجاري) تطفح في قبره، وتغرق جثته، وغير ذلك كثير جدا مما أذكر أو لا أذكر.

وقد آتت جرعات الكراهية هذه أكلها، فقد كنت لا أطيق أن أرى صورة ناصر معلقة في مكان، وكنت لا أسكت أبدا لمن يذكر ناصر أمامي بخير، وكنت أعتبر أن كشف حقيقته كما عرفتها واجب لا يصح التهاون فيه، بل وصل الأمر أني تكلمت عن عداوة ناصر للإسلام وأنا أخطب الجمعة في أكبر مساجد مدينتنا… إذن بلغت الكراهية مني لناصر كل مبلغ، وكان لكلام الإخوان أثر كبير في نفسي، لاسيما أفكارهم عن إقامة الدولة الإسلامية، أو إقامة الشريعة وتطبيق الحدود واستعادة قوانين الشريعة التي ألغاها ناصر بإلغائه للمحاكم الشرعية .

لا أعني بكلامي هذا أن عبد الناصر فوق النقد، أو أن تجربته لم تشمل أخطاء وكوارث وجرائم كبرى.. لكن البون شاسع بين نقد سياسي متماسك، وبين استهداف شخص ناصر وعهده بالكراهية عبر خزعبلات وأوهام.

بعد دورة فكرية طالت، وجدت أن من السفه أن نختزل حقبة ناصر في الخلاف بينه وبين الإخوان، حتى لو صحت رواية الإخوان لهذا الخلاف، -وهي لا تصح حتما- ولا يمكن أن نختزل مشروع ناصر الذي انتفعت به الملايين من الفلاحين والعمال والموظفين في خلاف سياسي أو صراع على السلطة دار بينه وبين جماعة سياسية. 

وإذا إردنا أن نتعامل مثلا مع ما يزعمه الإخوان تجاه موقف ناصر من الدين، فسنجد أن عهد الرجل شهد خدمات جليلة قدمتها الدولة للدعوة الإسلامية، فتضاعف عدد المساجد من عشرة آلاف مسجد منذ دخول الإسلام مصر إلى عشرين ألف مسجد، وأنشأت إذاعة القرآن الكريم التي لاتزال أهم إذاعة إسلامية في العالم، وتم الجمع الصوتي للقرآن الكريم لأول مرة في تاريخ الإسلام بصوت الشيخ الحصري عام 1961، وتم توزيعه بالمجان على كل دول العالم الإسلامي، وأنشأ عبدالناصر منظمة المؤتمر الإسلامي، وازدهر دور الأزهر أفريقيا وآسيويا، وأنشأ عبدالناصر مدينة البعوث الإسلامية لاستضافة الطلبة الوافدين للدراسة في الأزهر من كل أقطار الأرض، إقامة وطعاما وشرابا ومكافأة مادية، وغير ذلك كثير جدا جدا .. فهل يمكن لمن أراد فهما موضوعيا أن ينسى كل ذلك وينظر إلى علاقة الدولة الناصرية بالإسلام من خلال خلاف نشب بين ناصر وجماعة ترفع لافتات إسلامية.. مجرد لافتات؟

لا يمكن لأي كتاب أو مقال أو بحث أن يحيط بالمساندة المصرية للمقاومة الجزائرية مالا وسلاحا وخبرة، وأنت أمام قائد يعرف حجم مصر وأهمية دورها في محيطها العربي والإفريقي، أرسل قواته إلى اليمن وإلى الكونغو، وتأمنت في عهده منابع النيل من خلال النفوذ المصري الممتد في العمق الإفريقي.

 ووجدت ناصر حاضرا في ثورات الشعوب العربية، وهو الحاكم العربي الوحيد الذي مازالت الشعوب ترفع صورته رغم مرور أكثر من أربعة عقود على رحيله، ولا ننسى أبدا جنازته التاريخية التي أكدت عمق اتصاله بهذا الشعب، ومدى تقدير الجماهير له رغم الأخطاء والخطايا، ووجدتني أتذكر الحديث الشريف عن شهادة الأمة في الجنائز بالثناء خيرا أو شرا، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الشهادة أنها (وجبت .. أنتم شهداء الله في الأرض).

ووجدت أن كثيرا مما عبناه من إجراءات استثنائية اتخذها ناصر، طلبناها نحن بعد ثورة يناير للحفاظ على الثورة ولتحقيق أهدافها، وفهمنا أن تقييم القرارات خارج سياقها التاريخي هو خطأ جسيم وخلل في النظر إلى الوقائع والأحداث، كما أن التفكير خارج معطيات الجغرافيا والتاريخ وتباين العقول والأنفس هو ما يؤدي بك أن تسمع كلاما من نوع إن ناصر أخطأ لأنه لم يسلم السلطة للمدنيين، إذ كان يجب عليه أن يكون تنظيما سريا داخل الجيش عدة سنوات، ثم يقوم هذا التنظيم بانقلاب عسكري، لو قدر له الفشل لأعدم كل من شارك فيه وعلى رأسهم قائد التنظيم، ثم ينجح هذا الانقلاب، ويسيطر على الجيش، ويطيح بالملك، ويحل الأحزاب، بما في ذلك حزب الوفد صاحب الشعبية الكبيرة، ثم يعلن الجمهورية، وووو وبعد كل هذا ياتي قائد هذا الانقلاب ليسلم السلطة للمدنيين، وكلمة المدنيين في هذا الوقت وبعد حل الأحزاب لم تكن تعني إلا الإخوان المسلمين…

وعبدالناصر ككل القادة العظام في التاريخ، له أخطاء جسام، لكن إنجازات عهده هي من العظمة والضخامة بمكان، ويكفي أن المشروع الناصري، وبعد ضربه في يونيو 1967، ظلت شواهده قائمة على الأرض تواجه محاولات الطمس والمحو والتفكيك أربعين عاما متصلة، مصانع تباع، وعمال تشرد، وتاريخ يشوه، ومعالم تطمس، ثم تجد الشباب دون العشرين يرفعون صورة ناصر في القاهرة والجزائر وتونس والمغرب واليمن وبيروت وغيرها، ومازالت مصر تعتمد على رصيد العهد الناصري في أفريقيا عامة ودول منابع النيل خاصة.

وقد عن لي أن أسجل تجربتي الشخصية في الموقف من جمال عبدالناصر، كواحد عاش خمسة وعشرين عاما ضمن تنظيمات وأحزاب ما يسمى بالتيار الإسلامي، وأردت أن أقول إن حقائق التاريخ لن يستطيع أحد أن يطمسها، وأن إرضاع الكراهية بالأكاذيب قد يؤتي بنتائج وقتية، لكن لا يمكن أن يستمر أو يدوم.

بعيدا عن مشاكساتي مع الناصريين، وتراشقاتي الشديدة معهم.. وإمساكي عن هذه المشاكسات خلال السنوات الثلاث الماضية رعاية لخواطر أصدقاء أعزاء منهم.. بعيدا عن هذا الموقف الشخصي.. فالمؤكد أن أكثر ما يكتب من نقد للرئيس جمال عبد الناصر والتجربة الناصرية على صفحات التواصل الاجتماعي يغلب عليه التفاهة والتسطيح، وأحيانا الجهل البين، ويعتمد على مصادر لا يمكن لباحث أو حتى قارئ جاد أن يعتمد عليها.

إن ثورة يوليو تجربة لحكم الفرد، ويمكن أن تكتب ما تشاء في موقفها من الديمقراطية والحريات.. لكن أن يكون مصدرك الرئيس لهذا الموقف ذلك الكتاب المتهافت لمحمد نجيب، الذي يصور نفسه نصيرا للديمقراطية في مواجهة أعداء الحرية فهذا معناه أنك تقف في مربع الصفر المعلوماتي.. نعم، الصفر المعلوماتي لا التحليلي… وفي عهد ناصر عرفت مصر أسوأ أشكال التعذيب في السجون، لا خلاف في هذا، لكن حين تتناول هذا الجانب لا تعتمد على كتاب خزعبلاتي اسمه أيام من حياتي لزينب الغزالي، أو كتاب يفيض بالخرافات اسمه مذابح الإخوان في سجون ناصر لجابر رزق.. هذه كتب وضعت لتجنيد قطعان لديها قابلية لتصديق الخزعبلات والكذب مادام يصدر مزورا بمسحة دينية… ونعم، دولة يوليو قضت على قيمتين عظيمتين، هما الإتقان والجمال، لكن تصوير مصر في العهد الملكي باعتبارها جنة ممتدة يتمتع الشعب بنعيمها المقيم ليس إلا ضربا من الجنون أو الكذب المتوقح… أما أصحاب مقولة “استلم مصر كاملة ومعها غزة والسودان”.. فهؤلاء في مستوى خطير من الضياع والتخبط، وهم بحاجة إلى الشفقة لا المواجهة أو الحوار.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search