وجهات نظر

 جمعية نهضة العلماء في إندونيسيا.. المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة

تعتبر دراسة التيارات الإسلامية في دول جنوب آسيا -وتحديدا في إندونيسيا- من القضايا الهامة والملحة في فهم طبيعة الفواعل السياسية والمجتمعية، خاصة الإسلامية منها في هذه الجغرافية الهامة، ويرجع ذلك إلى ما يتمخض عنها من الوقوف على حجم المشتركات والتقاطعات بينها والشرق الإسلامي من حيث التأثير والتأثر، إذ إنه وعلى الرغم من أن إندونيسيا تقع بعيدًا عن المركز والعمق العربي فإن ما كان يحدث في الشرق كان ينتقل تأثيره تدريجيا وبشكل مباشر إليها، وأظهرت في الوقت ذاته شريحة كبيرة من سكانها ذوي الغالبية المسلمة على مدى قرون، انتماء قويًا للشرق الأوسط السني، معتبرين أنه النموذج الأمثل للاحتذاء والملهم للإيمان والمعرفة الإسلامية.

نسجت أواصر هذه العلاقات، وتوثقت هذه الروابط، وتشكلت من خلال النقل الكبير للمعرفة والأفكار الإسلامية من الشرق الأوسط إلى “الأطراف” الإسلامية في إندونيسيا، في المقابل أبدت المجتمعات المسلمة في الشرق الأوسط اهتمامًا ضئيلًا جدًا بالمجتمع المعقد في إندونيسيا ونظام الحكم والثقافة.

ومن بين الفواعل الدينية الهامة، التي كان لها عظيم الأثر في المناحي السياسية والمجتمعية في الداخل الإندونيسي، التي تعدت آثارها خارجة “جمعية نهضة العلماء” الإسلامية، التي تمثل الوجه الإسلامي الذي زاوج بين الأصالة التقليدية والحداثة المعاصرة .

نهضة العلماء والتأسيس

قدمت جمعية نهضة العلماء (NU) نفسها حين تأسيسها عام 1926م كحركة مضادة لمنظمة “المحمدية” الإسلامية التي كانت تسبقها بالحضور في المشهدين المجتمعي والسياسي، ومع السنوات نجح علماؤها المؤسسون في أن تحظى “نهضة العلماء” بقاعدة جماهيرية كبيرة تحت قيادتهم الروحية والتنظيرية الأيدلوجية، فضلا عن الحركية.

وكان على رأس هؤلاء العلماء كل من هاشم أسياري -أول رئيس لجمعية نهضة العلماء- وعبدالوهاب شسب الله وبسري سيامسوري، وتصف نفسها بـ(Aswaja) أي أهل السنة والجماعة، وذلك نظراً لاتباعهم المذهب الشافعي في الفقه ومذهب الإمام الأشعري في العقيدة والتصوف، على طريقة الجنيد والغزالي، وفي الحقيقة ارتكز النهضويون على نظام التعليم الديني التقليدي “الأزهري” في المعاهد الإسلامية، وتعد حاليًا أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا وتضم ما يقارب الـ30 مليون عضو، بحسب بعض التقديرات.

محطات تاريخية

مرت “نهضة العلماء” منذ تأسيسها في بدايات القرن الفائت بعدد من المحطات التاريخية المهمة، ففي عام 1937م أسست “نهضة العلماء” برفقة المحمدية،  المجلس الإسلامي الأعلى لإندونيسيا (MIAI) لكي تكون بمثابة مظلة للمنظمات الإسلامية آنذاك.

 ومع الوقت نشطت نهضة العلماء على المشهد السياسي والمجتمعي وبرز دورها كفاعل هام ومؤثر في المشهد الإندونيسي، وحينما أنشئت منظمة (ماسيومي) أو مجلس الشورى المسلمين في العقد الخامس من القرن الماضي، ضمت كل الاتجاهات الإسلامية المختلفة من جمعية التربية الإسلامية الصوفية (في سومطراه)، المحمدية، جمعية الإرشاد الإسلامية وجمعية الاتحاد الإسلامي، الجمعية الوصلية وعلى رأسها “نهضة العلماء” أكبرها وأكثرها عددا، لكنها ما لبثت أن خرجت منها بعد أن احتد النزاع بينها وبين ذوي الخلفية التعليمية الغربية وأكثرهم تأثروا بأفكار الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني.

وحينما أجريت الانتخابات البرلمانية عام 1955 حصلت نهضة العلماء على الترتيب الثالث بعد حزب مجلس شورى المسلمين، وحزب سوكارنو (الحزب الوطني الإندونيسي).

وحينما قهرهم نظام الرئيس سوهارتو تم ضم الأحزاب الإسلامية (حزب نهضة العلماء، حزب المسلمين الإندونيسي، حزب التربية الإسلامية الصوفية، حزب الشراكة الإسلامية) إلى حزب واحد وهو “الاتحاد والتنمية” الذي تأسس في يوم ٣ يناير ١٩٧٣.

وفي عام 1984 أعلنت نهضة العلماء اعتزالها العمل السياسي فيما أطلقت عليه بـ(kembali ke khittah) أي العودة إلى التوجه الاجتماعي والديني الأصلي لنهضة العلماء وفقا للميثاق الأصلي لعام 1926 بعد استشعار أن الانخراط في العمل السياسي قد جلب لها الكثير من المشكلات.

ولم تكن العودة إلى أنشطتها الاجتماعية الدينية تعني الانسحاب من السياسة فحسب، بل كانت تعني إعادة التركيز الكامل على التعليم، ورفاهية المجتمع، والرسالة، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. من خلال دورها الجديد، أصبحت نهضة العلماء نشطة في توجيه أعداد كبيرة من المسلمين الإندونيسيين للتكيف مع التغيير الاجتماعي والحداثة.

أصبحت نهضة العلماء مثالا نشطا للنموذج التحديثي للمجتمع المدني، مناسبا للسياق الإندونيسي، ومع مرور السنوات دخلت الجمعية نحو تشكيل وإنشاء العديد من الأقسام، حيث تعددت وتنوعت بين أقسام للشباب (Ansor) والنساء (Muslimat NU) والشابات (Fatayat NU) والطلاب والطالبات وتضم جامعة NU مؤسسات التعليم، وشؤون الأسرة، والزراعة، والتنمية الاقتصادية، والخدمات المصرفية الإسلامية.

وبعد سقوط “سوهارتو” وتحديدا عام 1998 انخرطت نهضة العلماء مرة أخرى في السياسة الوطنية، وأطلقت حزب الصحوة الوطنية (PKB) بينما تم انتخاب رئيسه الوطني، عبدالرحمن وحيد، الرئيس الرابع لإندونيسيا لفترة وجيزة (1999-2001م. ورفاقه: ومنهم الشيخ معروف أمين والشيخ سعيد عقيل سراج، أسسوا حزبا مستقلا وهو حزب نهضة الشعب.

علاقة وثيقة مع الرئيس جوكو ودودو

لم تكن جمعية نهضة العلماء على متوالية تاريخها الذي اقترب من الـ100 عام، في وضع أقوى، مثلما هي عليه الآن من أي وقت مضى، سواء على المستوى الداخلي من حيث قوة التنظيم وتجذره في البنى المجتمعية الإندونيسية نظرا لخطابه الديني العصري والمتماسك، ما كان له عظيم الأثر في احتوائه كل الإثنيات والعرقيات في الداخل الإندونيسي من جهة، أو من الناحية السياسية التي أصبح لـ”نهضة العلماء” فيها رأي وموقف ونفوذ من جهة أخرى.

إذ باتت “نهضة العلماء” تتمتع بعلاقات وثيقة مع الرئيس جوكو ويدودو (جوكوي) مكن لها الوصول إلى أروقة السلطة، وما تضفيه عليها الدولة من سخاء بشكل متزايد، فرئيسها الحالي “معروف أمين” هو أيضًا رئيس مجلس العلماء الإندونيسي المؤثر (MUI) والعديد من كبار النهضويين يشغلون مناصب استراتيجية في البيروقراطية والشركات المملوكة للدولة وقطاع الشركات، ويعزز ذلك كله نطاق الخدمات والفرص التي يمكن أن توفرها عضويتها الواسعة.

العلاقة بالمؤسسة العسكرية

تعد نهضة العلماء واحدة من التنظيمات الإسلامية الإندونيسية ذات النزعة القومية القوية في أيديولوجيتها، وفي صياغة ميثاق جاكرتا لعام 1945، كان أحد قادتها “وشيد هاشم” عضوًا في اللجنة الصغيرة لصياغة أسس الدولة، وهو ما يفسر لنا محافظتها حتى اللحظة على هذا الخطاب القومي للدولة الإندونيسية.

وفي الواقع جمعت “نهضة العلماء” والمؤسسة العسكرية علاقة وثيقة لم تنفك من محاولة انقلاب الحزب الشيوعي الإندونيسي Gerakan 30 September / PKI وحتى اللحظة، فلقد وقف “علماء النهضة” جنبا إلى جنب مع قادة الجيش بعد اختطاف وقتل ستة جنرالات وضابط أول في مواجهة الحزب الشيوعي.

ويعود ذلك الانقلاب إلى ما أقدمت عليه حركة “الثلاثين من سبتمبر” التي تسمى أحيانا بـGestok في الساعات الأولى من يوم 1 أكتوبر 1965 من انقلاب فاشل بعد اغتيال ستة من جنرالات الجيش الإندونيسي أعقبه إعلانها سيطرتها على وسائل الإعلام ووسائل الاتصال، وأخذت الرئيس “سوكارنو” تحت حمايتها.

سارع شباب “نهضة العلماء” في الاصطفاف مع الشارع الإندونيسي وتقويض حركة الانقلاب الذي يقوده الحزب الشيوعي، ومع غروب شمس اليوم الأول من الانقلاب فشلت محاولة الانقلاب في جاكرتا على الأقل، وفي الوقت نفسه، كانت هناك محاولة في وسط جاوة للسيطرة على فرقة عسكرية والعديد من المدن. إلى أن تم إخماد هذا التمرد، بعد قتل ضابطين آخرين.

الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقة بين الجمعية والمؤسسة العسكرية منذ ذلك الوقت، وحتى يومنا هذا، إذ تُظهر “نهضة العلماء” باستمرار انحيازها بحزم إلى المؤسسة العسكرية، وهي نقطة هامة ظهر فيها الفارق بين “نهضة العلماء” و”المحمدية” التي نأت بنفسها على أن تدخل في مثل هذه الصراعات والمعارك.

نهضة العلماء وحزب التحرير الإسلامي

ومن الاصطفاف مع الدولة وتعزيز دور المؤسسة العسكرية وتكريس النزوع القومي، إلى مواجهة التيارات الإسلامية الراديكالية، وخاصة حزب التحرير الإسلامي، الذي يدعو لإقامة الخلافة الإسلامية كبديل للدولة الإندونيسية المعاصرة، ففي يونيو 2017 حظرت الحكومة أنشطة حزب التحرير الإسلامي (HTI) عندما كان “جوكوي” يسعى إلى قمع الجماعة التي تثير الكثير من المشكلات ليس في الداخل الإندونيسي وحسب، وإنما في جنوب آسيا أيضا.

ففي السنوات الأخيرة، بدأت مجموعات شباب “نهضة العلماء” وبشكل منظم في مواجهة نشطاء حزب التحرير في الشوارع، والميادين والساحات، ما أدى في بعض الأحيان إلى اشتباكات، لذلك تحالفت “النهضة” مع السلطة السياسية لمواجهة تداعيات ظهور الحزب وما أسهم فيه من انقسام وفتنة في المشهد المجتمعي الديني.

إذ كان حظر حزب التحرير بمثابة تحذير لكل الجماعات الإسلامية الأخرى، وأن “جوكووي” مستعد لاتخاذ إجراءات قوية ضدهم.

خلاصة القول: إن تجربة نهضة العلماء في إندونيسيا لجديرة بالتأمل والمتابعة نظرا لقدمها، إذ قاربت على المائة عام عايشت خلالها أحداثا تاريخية هامة، ومرت بمحطات سياسية ليست بالهينة، أثقلت تجربتها وانعكست على خطابها الديني بشكل جعلها تتمايز عن مثيلاتها من الجمعيات الإسلامية الأخرى، التي قد تسبقها في العمر مثل المحمدية.

لقد ذهبت “نهضة العلماء” إلى تبني خطاب عصري، محافظ على جذوره وأصوله الإسلامية الرصينة، مستمد قوته من الطابع الأزهري الصوفي، ثم يصهر ذلك كله لخدمة الإسلام في الدولة الإندونيسية، ليقف أمام موجات التطرف الصاعدة من قبل الجماعات والتيارات الإسلامية الحركية والراديكالية الأخرى، خاصة حزب التحرير وتنظيم القاعدة وداعش، بهدف الحفاظ على الدولة من التفتت أو التقسيم، نظرا لتنوع الإثنيات والعرقيات بالداخل الإندونيسي، وهو الإطار الذي استمدت منه “نهضة العلماء” قوتها ومكانتها، وحظيت باحترام الجميع على اختلاف الملل والنحل.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى