وجهات نظر

جمهور هابيل.. يحيا الأداء المشرف!

مصطفى علي

لم يكن لدى هابيل بن آدم الأول وقتٌ ليتحدث عن أدائه المشرف أمام أخيه وقاتله قابيل، بعد أن ابتدأ دمُهُ المُراقُ قصصَ الهزيمة الاختيارية على هذه الأرض، لكنها تبقى هزيمة شارك فيها المهزوم هابيل بتفضيله الاستسلام، متساويا فيها مع المنتصر قابيل بمحبته للعدوان، كأنه وجه آخر للفوز.

هذه محطة كتابة عما يسمى الأداء المشرف، ذلك المصطلح الذي يتمسك به كل مهزوم قبل أي تنافس يتوقع فيه خيبته الثقيلة، ليستمر ولعُه بتضخيم “أدائه” ليمثل شكلا من أشكال الانتصار، مدعاة للتأمل، الذي لا يخلو من “ضحك كالبُكا”.

المقدس والمهزوم الخالد

حين أشار القرآن إلى ابنَي آدم تلا علينا قصة قرابينهما، دون أن يحدد ماهية هذه القرابين المقدمة إلى الإله، فيما أوضح نَصُّ العهد القديم إلى القصة ذاتها على النحو الآتي:

“وحدث من بعد أيام، أن قابيل قدم من ثمار الأرض قربانا للرب. وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ومن سمانِها. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قابيل وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قابيل جدًّا، وسقط وجهه. ولم ينظر الرب إلى قربان قابيل لأنه كان مخالفا لما كان يتطلبه، وهو الذبيحة الدموية أما هابيل فقد فعل”.

إذن كان القربان المطلوب من هابيل أن يسفك دما من غنمه، ففعل، بينما لم يفعل أخوه، ورغم دخول الاثنين في جدلية السلم والعدوان، لم يحتط الأخ الذي تلقى تهديدا بالقتل، بل أبدى أنه لن يبادر بالشر:

لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (المائدة 28)، فتبرع -بما يمكن تأويله- بنفسه إلى الهلاك المحقق، مكتفيا بدور الضحية، التي سيكتب عنها التأريخ المقدس ويعطيه خلودا ما يذكّرنا بوهمية الأداء المشرف إياه، الذي لا يستيقظ في ضمير لاعبينا وفرقنا الرياضية إلا في وقت تحضير النفس والجمهور لمرارة الهزيمة الحلوة.

في تعليقه على آية “نبأ ابني آدم” قال عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي صحب النبي محمدا واستأذنه في أن يكتب ما يسمع منه: “وأيم الله، إنْ كان لأشد الرجلين

-يقصد هابيل القتيل- ولكن منعه التحرُّج”.

هكذا تخجل فرقنا الرياضية، فيما يبدو، من أن تكون في موضع منافسة مع مثيلاتها المتقدمة عنها، لكنها لا تُصاب بهذا الخجل إذا ما لاعب بعضها بعضا في سياق مسابقات محلية وهمية يظهر فيها القتيل سابقا بطلا لا يُشق له غبار وتلمع مرة أخرى تسمياته وتوصيفاته بـ”الشياطين” و”المَرَدَة” -جمع مارد- لإرعاب الخصوم الأقل مالا وولدا.

لا يمكن أن يستبيح الإنسان دمه في لحظة تحرج إذن إلا إذا كان آملا في خلود ما.. هذا ما علمه لنا هابيل الطامع إلى مكسب النص المقدس، ولتذهب مكاسب الدنيا إلى الجحيم.. لكن في مجالات الرياضة أظن أن العُملة هنا مختلفة، فلا ذكر سيكون للخاسر/المقتول، ولن يتذكر أحد أن الأهلي المصري لم يخرج بفضيحة كأندية أوروبا الكبرى أمام بايرن ميونيخ الألماني، بل إنَّ كل ما سيُكتب في سجلات كرة القدم أن الفريق الألماني خرج منتصرا بهدفين نظيفين وأداء -رغم عدم عنفوانه- مسيطر طوال 94 دقيقة امتد إليها زمن المباراة دون أن يُحرك الأهلي المصري ذو الصيت الإعلامي فيها ساكنا.. بدا كذبيحة موافقة على الذبح حتى قبل أن تبدأ المباراة..

94 دقيقة من تمثيل المقاومة والندية

التحضير الإعلامي الكبير الذي يسبق منافساتنا الرياضية يجعلنا نراها كما لو كنا على شفا حرب، رغم أننا لا نتكلم ولا نصدر أفعالا فيها بمنطق الحرب، بل نتكلم تبريرا ونلعب خضوعا واستعدادا راضيا بالهزيمة، ونضع احتمالات الخسارة فوق كل اعتبار ونسوّق لها بكل وسيلة لترتقي من درجة التبرير الهزيل إلى مرتبة من مراتب الانتصار، كأنها مرحلة استباقية لوقوع الصدمة النفسية، نعالج بها المريض بالأمل قبل انهياره بتمهيد وخداع للنفس، فنقول له: الأمر الواقع يقول كذا.. وإمكانياتك المحدودة من الطبيعي أن تُهزم أمام الأقوى، دون أن نطرح عليه سؤالا مخيفا: لماذا لا تكون أنت ذلك الأقوى؟

هذه صدمة لا يقوى على احتمالها المُستهدف بالهزيمة..

يصدمنا المعلق الكروي -أيا كان اسمه- بالإلحاح على ذكر محاسننا وكم كنا عظماء في تحمل قسوة الخصم.. دون أن يلتفت إلى ما في هذا التحمل من إهانة.. يقودنا المعلق -أي معلق- إلى تجميل الإهانة، فيبقى الجمهور منقسما، بين مندهش من تصديق هذه الفكرة المسمومة وشربها شرب العسل، وبين مُتماهٍ معها لأن هذا السُّم حبلُ خلاص من الاعتراف بالخزي والضعف..

هكذا يبتدئ الإنسان في اختلاق الخرافة ووضعها موضع الحقيقة، فيصدق جمهور هابيل أن الأهلي كان ندا وأنه لعب في حدود إمكانياته بواقعية مع أهم فريق في العالم.. هنا تستدعي الجماهير -بفعل إلحاح إعلامي- أفعل التفضل و”العالم” لكي تقلل من حجم الخسارة وفداحة الأداء المشرف الهزيل، كأن الجمهور يقدم تأويلا مقبولا للانكسار، يدفع بهذا التأويل إلى أن يحل محل التفسير الأبرز، وهو أننا خارج منظومة اللعبة وخارج منظومة العالم المجتهد الذي يلعب بجد حتى لو كان لا يملك من المهارة إلا قليلها.

إن أي جماعة أو أي فرد لا يقوى إلا على تمثيل ضعفه ويُعلي من قيمة ذلك الضعف كأنه منتهى الندية، تعاني من أزمات عجز تم الإقرار به على أنه طبيعة الأمور، وهذه الحيلة، المتعارف عليها باتفاق تآمري على النفس، تسمح للمقصر بأن يبقى مقصرا دون مساءلة، وتسمح للقتيل بأن يموت بفرحة تساوي فرحة المنتصر..

إننا نتهرب من مصطلح الصدمة النفسية وتبعاتها المخيفة كهروب هابيل من أن يكون شريرا لتبقى سلميته حينها مجرد دعاية مقدسة لن تُبقيه مخلدا كما كان يظن.

مصطفى علي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى