سياسةمختارات

“جنة أم جهنم”.. خيارات التعامل مع معتقلي “داعش”

 

في مارس/آذار 2019، انهارت الخلافة المكانية التي أسسها “داعش” بعد خسارته قرية الباغوز فوقاني السورية، والتي كانت تمثل آخر معاقله هناك، لكن انهياره أدى إلى بروز مشكلة أخرى متعلقة بمعتقلي التنظيم وأسرهم، والذين يُحتجزون حاليًّا في عدة سجون ومعسكرات إغاثة موزعة بين العراق وسوريا.

وحتى الآن، لم تعلن الدول الكبرى أو المنظمات الدولية المعنية إستراتيجية التعامل مع أزمة معتقلي داعش، في حين يقع العبء على الحكومة العراقية وقوات سوريا الديمقراطية، التي تحكم عددًا من المناطق في شمال شرق سوريا.

زوجات مقاتلي داعش بعد فرارهم

وفي الإطار السابق، أصدر معهد الشرق الأوسط الأمريكي دراسة جديدة بعنوان: “الجنة أو جهنم.. خيارات التعامل مع معتقلي داعش“، تركز على عرض وتحليل المقاربات المختلفة المتبعة في مواجهة أزمة معتقلي داعش، إضافة إلى تقديم توصيات للتعامل معهم.

الانتصار كطريق إلى المستنقع

بعكس ما كان متوقعًا، فقد كان تحقيق النصر العسكري التكتيكي على داعش ونجاح التحالف الدولي وحلفائه (القوات العراقية والكردية) في تفكيك البنية الهيكلية للخلافة المكانية، مجرد طريق أدى إلى مستنقع الأزمة الحالية.

خلفت هزيمة داعش آلافًا من عناصره وعشرات الآلاف من أسرهم، في قبضة القوات الحكومية في العراق، والقوات الكردية في سوريا، دون أن مشاركة دولية حقيقة في إدارة أزمة المعتقلين، الذين قد يصبحون لاحقًا الجيل الجديد لداعش، تمامًا كما كانت جماعة “التوحيد والجهاد” التي أسسها الأردني أبو مصعب الزرقاوي نواةً لداعش بصورته الحالية.

أسرى تنتظيم داعش بعد انتهاء المعارك

واستنادًا إلى المعطيات السابقة، دعت الدراسة للاستفادة من التجارب السابقة في التعامل مع عناصر التنظيمات الجهادية الذين يُقبَض عليهم، مذكِّرةً بالجدال الذي صاحب القبض على الصومالي أحمد عبد القادر وارسمي في خليج عدن، والذي ضبطته السلطات الأمريكية بعد نحو 9 سنوات من هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، على خلفية تقديمه الدعم لفرع تنظيم القاعدة باليمن، وحركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة.

وطُرح عقب القبض على “وارسمي” سيناريوهان للتعامل معه، أولهما معاملته كإرهابي وإرساله إلى سجن جوانتنامو في خليج كوبا، أو محاكمته في الولايات المتحدة وإعطاؤه حقوق مواطن أمريكي، وهو ما حدث لاحقًا، بعد أن خضع لتحقيق استمر شهرين على متن إحدى السفن الحربية الأمريكية.

الظروف الحالية لـ”معتقلي داعش”

رغم الاصطفاف العسكري الدولي لهزيمة تنظيم داعش عسكريًّا، كانت استجابة المجتمع الدولي لاستعادة وإعادة تأهيل معتقلي التنظيم سيئة للغاية.

عناصر التنظيم بالسجون

وتُقدر الدراسة عدد معتقلي التنظيم بنحو 80 ألفًا، موزعين على 20 مركزًا للاعتقال في سوريا والعراق، بينهم ما يتراوح بين 10 و20 ألف مقاتل سابق منهم 2000 أجنبي، فضلاً عن عدد غير معروف من الأسرى المحتجزين في سجون عراقية سرية، في حين تحولت زوجاتهم وأبناؤهم وأرامل المقاتلين السابقين إلى نازحين في مخيمات الاحتجاز.

وتشكل عوائل مقاتلي التنظيم العدد الأكبر من المحتجزين في السجون ومخيمات الاحتجاز والنزوح، فعلى سبيل المثال يقبع 68 ألف نازح ومحتجز في مخيم الهول بسوريا، منهم 43 ألف طفل مؤهلين ليتلقوا الأفكار الأصولية، وبالتالي تخريج جيل جديد من الإرهابيين، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍّ واضح.

وتعد الأزمة الرئيسة في مواجهة أزمة المعتقلين، عدم جدية دولهم في استعادتهم، إضافةً إلى عدم إمكانية إثبات جرائمهم في سوريا والعراق أمام المحاكم المختصة في الدول التي ينحدرون منها.

خليه الجيش العراقي يقبض على دواعش

في المقابل، تبذل قوات سوريا الديمقراطية مجهودًا كبيرًا للحفاظ على الأمن في السجون ومخيمات النزوح، وسط تنامي المخاوف من إمكانية تنظيم مقاتلي داعش لحملة “هدم أسوار” (كناية عن عمليات مهاجمة/ الهروب من السجون) تكون محصلتها فرار المئات منهم إلى خارج السجون.

وأطلق داعش في 2012 و2013 حملة عُرفت بـ”هدم/ كسر الأسوار” وتمكن خلالها من اقتحام سجني التاجي وأبوغريب، وإطلاق سراح نحو 800 من عناصره، وهو ما تكرر خلال أغسطس/آب المنصرم، حين اقتحم مسلحو داعش سجن جلال آباد بولاية ننجرهار الأفغانية، وتمكنوا من إطلاق سراح نحو 1000 سجين، بعد اشتباكات دامت 20 ساعة مع القوات الحكومية.

وتزايدت مخاطر هروب عناصر داعش من السجون في سوريا، مع العملية العسكرية التي أطلقها الجيش التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، في شمال سوريا عام 2019.

ومع أن التحالف الدولي المعروف بعملية العزم الصلب، يتكون من 82 دولة، لا يزال يواصل حملته العسكرية ضد داعش، فإن التنظيم لا يزال ينشط ويقوى على الأرض، وهو ما يعطي لمحة بسيطة مما سيصبح عليه الوضع مستقبلاً إن ظلت الظروف الحالية كما هي.

الاستعادة بين الرفض والقبول

ترفض دول عدة، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وكندا وسويسرا والدنمارك، استعادة مواطنيها الذين التحقوا بداعش واعتقلوا لاحقًا، بل إن دولاً كثيرة منها جردت مواطنيها من الجنسية خوفًا من تبعات استعادتهم والتهديدات الأمنية المترتبة على ذلك.

ومع أن الاستعادة الحذرة للمقاتلين السابقين في داعش تعد “أمرًا منطقيًّا” فإن دولاً كثيرة لم توفَّق حتى الآن في صياغة مسببات ومبررات رفض استعادة مواطنيها من سوريا والعراق.

وبدأت بعض الدول كروسيا وكوسوفو وتركيا بالفعل استعادة مواطنيها الذين قاتلوا في صفوف داعش، وسط ترتيبات أمنية مشددة، لكن تبقى الأزمة الكبرى حتى الآن، وهي رفض غالبية الدول مسألة الاستعادة وإعادة الإدماج، ما سيؤدي إلى تهديد أمني عالمي أكبر.

محاكمة إحدى المنضمات لداعش بعد استعادتها

معضلة النظام الأمني والقضائي العراقي

خصصت الدراسة محورين لبيان المعضلة المرتبطة بالنظام الأمني والقضائي العراقي، فقد تولت المحاكم العراقية محاكمة دواعش فرنسيين بناءً على موافقة الحكومة الفرنسية.

وتبرز في هذا الصدد تحديات كبرى، متعلقة بالمخاوف من عدم الشفافية وانعدام العدالة في العراق، فغالبًا تجري مقاضاة وإدانة العديد من المتهمين خلال دقائق معدودة، فضلاً عن احتجاز السجناء في مقرات سرية لا يتوافر فيها أدنى شروط حقوق الإنسان، وغالبًا ما تُنتَزع اعترافاتهم تحت التعذيب.

وتشير الدراسة إلى أن قوات الأمن العراقي استغلت الاهتمام الدولي بداعش لتحقيق مصالح مادية، وأقدمت على التحقيق مع أجانب وإحالتهم إلى المحاكم، للاستفادة من الدعم المالي المخصص لهذا الغرض.

وبناءً على ما سبق، طالبت دراسة معهد الشرق الأوسط بأن تلعب الدول دورًا أكبر في ضمان مسألة العدالة في العراق، والعمل على إيجاد آلية واضحة تكفل المحاكمات الحقيقية للمتهمين، وتضمن عدم إدانتهم بطريقة خاطئة.

المحاكم الدولية

خلال الفترة الماضية، عمل مجلس الأمن الدولي، التابع لمنظمة الأمم المتحدة، على إنشاء أُطر عمل لمسألة الملاحقة الجنائية وإعادة التأهيل والإدماج الخاصة بالمقاتلين الدواعش وأسرهم، لكن تلك الجهود ركزت على المقاتلين، الذين يُعادون إلى بلدانهم دون أن تُطرح مسألة المقاتلين الذين ما زالوا محتجزين في سوريا والعراق.

مجلس الأمن

ودعمت قوات سوريا الديمقراطية فكرة إنشاء محكمة دولية لمعتقلي داعش، غير أن هذا الاقتراح لم يؤخذ بجدية من الدول المختلفة.

الحلول الهجينة

تقترح الدراسة حلولاً هجينة للتعامل مع أزمة معتقلي داعش، منها الفصل والتمييز بين المعتقلين بناءً على قناعاتهم الشخصية، فعلى سبيل المثال هناك تيار كبير ما زال متمسكًا بالأفكار الأصولية والمتشددة التي تبناها التنظيم، في حين يوجد تيار آخر مصدوم وفقد إيمانه بفكرة التنظيم وبريقه.

وبالتالي، فإنه يجب العمل على مراقبة ورصد المعتقلين وإدراجهم ضمن برامج إعادة تأهيل، على أن يُطلَق سراح من يثبت عدم اعتناقه لهذه الأفكار، ويُسجَن الأشخاص الآخرون الذين يبدون تمسكهم بفكر التنظيم، مع إعادة الأجانب منهم ليحاكموا في بلدانهم الأصلية.

وفي نفس الوقت ينبغي تقديم الدعم والرعاية النفسية للأطفال، وإدراجهم في برامج متخصصة لمعالجة آثار الصدمات النفسية التي تلقوها خلال الفترات الماضية.

وتحذر دراسة “الجنة أو جهنم” من أن طول فترة اعتقال الرجال والنساء والأطفال في ظل الظروف المزرية حاليًّا، سيؤدي إلى زيادة تطرفهم وتمسكهم بالفكر الداعشي، وسيعرِّض الأطفال لمشكلات نفسية عديدة، مشددة على أن محصلة كل هذا سيكوِّن موجة إرهاب جديدة أشرس وأعنف.

 

 

المصدر
معهد الشرق الأوسط الأمريكي

يوليانة أكرم

باحثة مصرية مساعدة

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى